الباحث الإيراني آرش عزيزي: إيران لن تتخلى عن أيّ من حلفائها لأنها تخشى أثر الدومينو

الثلاثاء 15 فبراير 202209:40 ص


في حين تسعى إيران إلى التحكم بمصائر حكومات وأنظمة في المنطقة العربية، عبر أذرعها، وتطرح نموذج حكمها الإسلامي بديلاً لنماذج الحكم "غير الإسلامية"، يتواصل خروج المحتجين الإيرانيين إلى شوارع وساحات المدن الإيرانية، مرّة مطالبين بالتغيير ومرات منددين بغلاء الأسعار وبالفساد وبإهدار أموال الشعب في مغامرات خارجية...

رغم تواصل هذه الاحتجاجات بشكل متقطّع منذ صيف 2021، لا يبدو حتى الآن أنها قادرة على تشكيل ضغط كافٍ على السلطة بشكل يجبرها على تغيير سياساتها. فهل النظام الإيراني يمتاز بمرونة تجعله قادراً على استيعاب هذه الاحتجاجات، أم أن هناك خللاً عضوياً ما يعطّل حركة الناس ويمنعهم من التأثير سياسياً؟

في محاولة لفهم السياسات الإيرانية في الداخل والخارج، يتحدث لرصيف22 آرش عزيزي، الباحث في التاريخ ودراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك، ومؤلف كتاب "قائد الظل: سليماني والولايات المتحدة وطموحات إيران العالمية" (منشورات Oneworld Publications، لندن 2020).

ـ في كتابك "قائد الظل" الذي تناولت فيه مسيرة القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، تحدثت كثيراً عن دور رجال هذا الحرس في السياسات الخارجية لإيران، بل صورتهم وكأنهم تحوّلوا إلى جهاز موازٍ للخارجية: يفاوضون ويتحدثون باسم الدولة في مقابلات مع ديبلوماسيين أجانب، ويقومون بأعمال استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية كبناء السدود والطرقات... هل الجمهورية الإسلامية دولة مؤسسات أم أن المؤسسات فيها شكلية والسلطة الأخيرة لأجهزة موازية؟

لطالما كانت هناك مؤسسات متوازية في إيران: مجموعة المؤسسات الحكومية والوزارات التي يديرها رئيس الجمهورية (رئيس الوزراء قبل عام 1989)، ومجموعة مؤسسات موازية تخضع لإشراف المرشد الأعلى مباشرةً. وفي السنوات الأخيرة، امتلكت السلطات الموازية قوة أكبر وصارت تتحكم بمعظم الاقتصاد، وبمعظم السياسات الخارجية في الشرق الأوسط، وبالكثير من شركات الإنشاءات الكبرى وشركات النفط. في الوقت الحاضر، يمتلك الحرس الثوري سلطة أكبر من سلطة الرئاسة ووزاراتها.

ـ في ثمانينيات القرن الماضي، وأثناء الحرب العراقية الإيرانية، استعمل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية روح الله الخميني عبارة "الطريق نحو القدس يمر عبر كربلاء"، للتحشيد ضد العراق بنيّة صد هجومه واجتياحه. في العقدين الأخيرين، رأينا أن الطريق نحو القدس صار أيضاً يمرّ عبر دمشق، بيروت، بغداد، صنعاء... لماذا هذا النهم التوسعي للنظام الإيراني؟

في العقد الأول للثورة، وكمعظم الحكومات الثورية عبر التاريخ، كان للجمهورية الإسلامية طموحات لتصدير ثورتها وتغيير موازين القوى في المنطقة وما بعدها. لم تنجح معظم هذه المساعي، إذ لم تتبنَّ أي حكومة في العالم النموذج السياسي الإيراني.

ظّل أكبر إنجاز للجمهورية الإسلامية هو تأسيس حزب الله في لبنان سنة 1980، والذي صار حليفها الموثوق في المنطقة، وبقي دائماً كذلك. وفي العقدين الأخيرين، قام النظام الإيراني ببناء شبكة موسّعة من الحلفاء، بعناية، واستعملهم لزعزعة الاستقرار وتسجيل نقاط ضد كل من الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى كالسعودية وإسرائيل. أهداف النظام الإيراني هي نشر أيديولوجيته الخاصة، واكتساب حلفاء أكثر، والحيلولة دون تشكيل حكومات مستقرة قد تتحد ضد مصالحه.

ـ لماذا دائماً يحضر عنوان استخدام القضية الفلسطينية ورمزية القدس، عند الحديث عن ملفات مرتبطة بالسياسات التوسعية الإيرانية؟

لأنّ معاداة إسرائيل كانت حجر الأساس للرؤية الإسلامية للنظام الإيراني، هذا بالإضافة إلى الفراغ السياسي في هذه القضية، إذ أنه لا يوجد أي بلد مستعدّ لتقديم دعم فعّال، كالذي تقدّمه إيران، للفصائل الفلسطينية واللبنانية ضد إسرائيل. تستثمر إيران في هذا الفراغ، وهذا ما يضفي عليها مصداقية في أوساط معادي إسرائيل. وهذا أيضاً يعقّد مسألة الانقسامات المذهبية. نظراً لكونها قوة شيعية، تنظر أغلبية السنّة في الشرق الأوسط إليها بريبة. لكن مواقفها المعارضة للسياسات الإسرائيلية تكسبها تعاطفاً من حماس في فلسطين وطيف واسع من عائلة جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب قوى علمانية أخرى كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

ـ العراق، لبنان، سوريا واليمن. لعلّ هذه الدول تشهد حضور أقوى نفوذ للنظام الإيراني خارج حدود إيران. بحال اضطرت إيران للتخلي عن بعض أوراقها الإقليمية، من أين يمكن تبدأ برأيك ولماذا؟

لن تتخلّى عن أي من حلفائها نهائياً، لكنّها ستسعى إلى عقد تسويات حول قضايا محددة. إذا ما توصلت إلى توافقات مع السعودية، قد تحدّ من تقدّم الحوثيين في اليمن. في العراق، يبدو أن النظام الإيراني يحضّر لكبح جماح الميلشيات الشيعية التي صار لها من القوة ما يمكّنها من الإطاحة بالحكومة، لكن هذا قد يعيد العراق إلى مربع الحرب الأهلية، وهو ما لا تريده إيران.

"من المستبعد جداً أن تقوم إيران بالتخلي عن أي من حلفائها، لأنها تخشى من أثر الدومينو الذي يمكن أن ينتهي بتهديد قاعدة النظام في طهران"

في النهاية، من المستبعد جداً أن تقوم إيران بالتخلي عن أي من حلفائها، لأنها تخشى من أثر الدومينو الذي يمكن أن ينتهي بتهديد قاعدة النظام في طهران. فقط قرار استراتيجي كبير يمكن أن يؤدي إلى تخلٍّ عن حلفاء وهذا لن يحدث طالما أن آية الله خامنئي حيّ. إذا اتُّخذ هكذا خيار لاحقاً سيكون بمثابة تحوّل جوهري في النظام الإيراني نفسه.

ـ في ذات الكتاب، تحدثت عن السياسات الإيرانية في أفغانستان، ومعاداتها لطالبان أساساً، ودعمها لتحالف الشمال، ووصفته بالتحالف غير المعلن بين الأمريكيين والإيرانيين. لكن منذ انسحاب القوات الأمريكية مؤخراً، رأينا تقارباً بين الحكومة الإيرانية والحكومة الأفغانية بقيادة طالبان. كيف تفسّر هذا التغيّر الجيوستراتيجي في الموقف الإيراني؟ وماذا عن الأقلية الشيعية في أفغانستان؟

هذه واقعية سياسية. إيران ليست الدولة الوحيدة التي تسعى إلى عقد توافقات مع طالبان منذ أن استعادت السيطرة على أفغانستان. ونظراً لأنهم يمثّلون حكومة الأمر الواقع في أفغانستان، ستسعى عدة جهات في المنطقة للعمل معهم بطريقة غير رسمية. تركيا ذهبت إلى أبعد من ذلك رغم أنها كانت ضمن تحالف الناتو في أفغانستان.

في فترة (الرئيس الأمريكي الأسبق) جورج بوش الابن، انقطع التحالف غير المعلن بين الولايات المتحدة وإيران، ولم يُعاد إحياؤه أبداً. وفي فترة رئاسة (الرئيس الأمريكي السابق دونالد) ترامب، تحوّلت إيران إلى العدو رقم واحد للولايات المتحدة في المنطقة، في وقت كانت واشنطن تخوض مفاوضات مع طالبان وتخطط للتخلي عن حكومة (أشرف) غني. لهذا، لم يكن مفاجئاً أن يراجع النظام الإيراني موقفه. الهزارة تحوّلوا إلى ضحية. النظام الإيراني أظهر دائماً أنه يستخدم الطائفية لخدمة مصالحه، لكن إذا ما اقتضت مصالحه، سيتخلى عن الشيعة كما الحال مع الهزارة. وقد أعلنت وسائل الإعلام المقرّبة من الحرس الثوري ذلك صراحة، وقالت للهزارة إنهم لا يمكن أن يتوقعوا الحماية. مع ذلك، من الممكن أن يصرّ النظام الإيراني على إشراكهم ضمن حكومة تشاركية، وهو ما طلبه بإلحاح من طالبان.

ـ كيف تصف المشهد السياسي في إيران، على صعيد الأحزاب السياسية الموجودة؟

هناك تخمة من الأحزاب السياسية في إيران، لكنّها لا تلعب أي دور مؤسساتي. أي تجمّع سياسي يظهر معارضة جدية لحكم خامنئي المطلق يُحظر وبالتالي لا يستطيع العمل. هذا يشمل "حركة حرية إيران"، وتسمّى أحياناً "حركة تحرير إيران"، وهي حزب إسلامي ليبرالي قديم ومحترم، كان يوماً ما متحالفاً مع (المرشد الأعلى السابق روح الله) الخميني. حتى الأحزاب المحافظة التي سبق وساندت الرئيس السابق محمد خاتمي حُظرت، كما الحال مع "جبهة مشاركة إيران الإسلامية"، و"منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية".

"في العقدين الأخيرين، قام النظام الإيراني ببناء شبكة موسّعة من الحلفاء، بعناية، واستعملهم لزعزعة الاستقرار وتسجيل نقاط ضد كل من الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى كالسعودية وإسرائيل"

في الدائرة الضيّقة للسياسات المسوح بها، هناك عائلتان سياسيتان أساسيتان: الإصلاحيون، وقد خسروا تقريباً كل تمثيلهم السياسي ويحتفظون فقط ببعض المقاعد في البرلمان؛ والمحافظون. وينقسم المحافظون بين مساندين للحرس الثوري، وبين مَن هم أكثر تكنوقراطية. كذلك هناك اختلافات جوهرية في وجهات النظر من سياسيات إيران الخارجية، فبعض الفئات مهتمة بالمصالحة مع الغرب، وبعض الفئات التي يتزايد نفوذها في قيادة الحرس الثوري تتمنى أن تصطف إيران أكثر مع روسيا و/أو الصين. هؤلاء المرشحون يُسمح لهم أحياناً بالتنافس في الانتخابات البرلمانية.

ـ "الناس لا يمكن أن ينخرطوا في التغيير ما لم يروا بديلاً جدياً ومقنعاً للنظام الحالي"، قلت في ندوة ضمن أعمال "منتدى الابتكار في السياسة" الذي نظّمته مؤسسة "فريدريش ناومان من أجل الحرية" الألمانية في تونس، في كانون الثاني/ ديسمبر 2021. أي بديل يمكن أن يجذب الناس نحو التغيير في إيران وكيف يمكن له أن يتشكّل في مناخ قمعي؟

هناك شريحة واسعة من الإيرانيين، من مختلف التوجهات السياسية، تعارض النظام الإيراني وتؤمن بأن إيران تحتاج إلى ديمقراطية. مع الأسف، هم أيضاً منقسمون جداً في ما بينهم. هناك مَن هم من خلفية إسلامية، بما في ذلك مَن ساندوا حكومة خاتمي، وبعضهم داخل إيران وبعضهم في المنفى، وهناك مَن يساندون الملكية البهلوية وولي العهد السابق رضا بهلوي، وهناك اليساريون. وهناك الكثير من الإيرانيين الذين يجدون أنفسهم في مكان بين هذه التجاذبات المنظمة.

وبما أن ملايين الإيرانيين يتواجدون خارج البلاد، وبينهم الكثيرون من الناشطين السياسيين، أقل ما يمكنهم فعله هو تأسيس جبهة معارضة موحدة في الخارج ومحاولة تقديم بديل سياسي جدي. هكذا جبهة موحّدة قد تمنح الإيرانيين في الداخل أملاً بأن هناك بديلاً ممكناً للنظام الحالي. هكذا نجح "المؤتمر الوطني الإفريقي" الذي حُظر وقُمع بشدة من قبل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في تقديم نفسه كبديل موثوق. وهناك أيضاً تجارب أخرى لقيادات معارضة في المنفى في إسبانيا وتشيلي ودول أخرى. إذا امتلكت القيادات الإيرانية في الخارج الإرادة السياسية، فإن تكوين جبهة معارضة موحّدة ممكن وستشكّل تغييراً في قواعد اللعبة.

ـ تتحدث عن ضرورة تنظيم الحركات الاجتماعية، حتى يكون لها فعل سياسي. ما هي القوى الاجتماعية الأكثر قدرة على التأثير في المشهد الداخلي الإيراني؟ وإذا كنّا سنرى قوة أو قوى تواجه النظام الحالي من أين ستأتي؟

أكثر الجماعات أهمية هي الحركات العمالية التي تتضمن الأساتذة، سائقي الحافلات، إلخ. هناك حراكات عمالية دائمة ضد النظام الإيراني، واحد من الأمثلة الحديثة والمثيرة للإعجاب هو تحرك الأساتذة. سبق ورأينا الدور المهم الذي لعبته نقابة "تضامن" العمالية البولندية في إسقاط النظام الستاليني هناك. الحركات العمالية أساسية في أي انتفاضة ديمقراطية داخل إيران، لأنها تشرك أشخاصاً من مختلف جهات البلاد، ومن قطاعات استراتيجية. طبعاً، ستحتاج إلى أن ترتبط بقيادة سياسية، وأن تحدد لنفسها أهدافاً سياسية مشتركة، لتنجح.

ـ تشغل مسألة خلافة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي الساحة السياسية في إيران. مَن الشخصية الأبرز لقيادة مرحلة ما بعد خامنئي؟

ليست لدي معطيات خاصة ولذلك لست متأكداً. عادة، الخليفة يقرر هويته مجلس الخبراء الذي يهيمن عليه الموالون لآية الله خامنئي. فإذا كان قد اختار مَن سيخلفه سرياً، كما يقول البعض، ستكون لهذا الشخص حظوظ وافرة. الرئيس الحالي، آية الله (إبراهيم) رئيسي، مرشح مثالي لأنه ضعيف جداً وقابل للإخضاع، ولهذا اختير ليكون رئيساً، وقد تدعمه أجهزة الحرس الثوري في سياق عملها أيضاً على حماية أسس سلطة المؤسسة الدينية. إذا صار رئيسي مرشداً أعلى، سيخسر المنصب من رمزيته وستصير للنظام الإيراني قيادة جماعية من قبل رجال الدين، وسيصير النظام أشبه بدكتاتورية عسكرية بقيادة قوات الحرس الثوري. بمرور الأيام، ومع وفاة الأعضاء المسنين في المؤسسة الدينية بدون تعيين بدلاء عنهم، سيصير حكم الحرس الثوري أكثر تماسكاً. هل هناك إمكانية لوصول شخص قوي وذي شخصية قيادية وغير قابل للإخضاع كرئيسي، إلى خلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى؟ لا أرى حالياً أن هناك شخصاً بهذه المواصفات.

ـ أي دور للنفوذ الإيراني في شمال إفريقيا وما هي آفاقه؟ هل تسعى إيران إلى لعب دور مشابه لدورها في الشرق الأوسط؟

يمتلك النظام الإيراني رؤية عامة، يعمل بموجبها على نشر نفوذه في كل مكان وبشكل خاص في العالم الإسلامي. في شمال إفريقيا، يرغبون في في نشر إيديولوجيتهم الشيعية، لكنهم يعرفون أن ذلك مقيَّد بشدة في معظم بلدان المنطقة. لذلك، يعملون على عقد تحالفات براغماتية والتركيز على قضايا كمعاداة إسرائيل، بجانب تأسيس علاقات ديبلوماسية براغماتية كما الحال مع تونس والجزائر.

"ظّل أكبر إنجاز للجمهورية الإسلامية هو تأسيس حزب الله في لبنان سنة 1980، والذي صار حليفها الموثوق في المنطقة، وبقي دائماً كذلك"

ولطالما حاول النظام الإيراني أن يؤسس علاقات متينة مع المغرب. سبق وأجريتُ مقابلات مع ديبلوماسيين كانوا مسؤولين في "ملف الرباط"، وحاولوا تنظيم فعاليات إسلامية هناك. لكن المغرب كان دوماً مرتاباً من هكذا نشاطات، لأسباب بديهية مثل علاقات الرباط الوثيقة بالغرب ومساندة إيران لجبهة البوليساريو. وفي الوقت الحاضر، وفي ظل تطبيع الرباط مع تل أبيب، صار الأمر أكثر صعوبة.

في ليبيا، يبدو أن إيران كانت أقل ظهوراً، لكن قوات الحرس الثوري كان حاضرة هناك منذ سقوط نظام (الزعيم الليبي معمّر) القذافي، كما أكد مؤخراً وزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي.

اختارت إيران أن يكون حضورها مخففاً في شمال إفريقيا، ولا تستطيع التركيز أكثر في المنطقة، كما أنها لا تريد الإضرار أكثر بعلاقاتها مع مصر، وهي قوة إقليمية أساسية هناك. فرغم أن لا علاقات ديبلوماسية بينهما، إلا أن إيران ومصر حافظتا على الحد الأدنى من العلاقات العملية.

ـ فرض العقوبات على إيران يعمّق من معاناة المواطنين. أما تخفيف الحصار، فيزيد من قدرات النظام الإيرانية التوسعية. ما الحل لهذه المعضلة؟ كيف يمكن دفع إيران إلى تغيير سلوكها في منطقة الشرق الأوسط؟

العقوبات لم تتسبب فقط بمزيد من البؤس ولكنها، بطريقة ما، ساعدت في تمتين النظام وعناصره الصلبة. دمّرت العقوبات الطبقة الوسطى التي كانت قاعدة صلبة لدعم المعارضة الديمقراطية للنظام. وبترافقها مع سياسات عسكرية عدوانية، ساعدت العقوبات في إضفاء طابع أمني على السياسات الإيرانية.

أفضل الطرق لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة هي العمل مع المكونات الإقليمية في كل بلد: في العراق، هذا يعني تقوية الحكومة والمؤسسات الديمقراطية، لأنه من الواضح أن الأحزاب الموالية لإيران هناك ليس لها دعم شعبي واسع. وهذا ينطبق على لبنان أيضاً. بالنسبة إلى سوريا واليمن، فإن إنهاء الحروب الأهلية، ومأسسة حضور الجماعات المختلفة وتشكيل حكومات مستقرة سيحدّ بشكل فعّال من التأثير الإيراني، مهما كانت قدرة النظام على الوصول إلى أموال. من الممكن أيضاً فرض عقوبات محددة ضد أجسام النظام وشخصياته، ما يجعل حياتهم وعملياتهم صعبة.

لكن النظام الإيراني يواجه حالياً أثقل حزمة عقوبات في التاريخ، ورغم ذلك يستمر بل إنه أيضاً يمنح حلفاءه مساعدات بملايين الدولارات. وهذا لأنّه مهما حوصر وعوقب هذا النظام، فإنه يبقى مسؤولاً عن بلد واسع فيه ملايين البشر، ولديه ارتباطات بقوى غير غربية كروسيا والصين، يسعدها أن تتجاوز العقوبات طالما أن ذلك يصبّ في مصلحتها. العقوبات هي أفشل السياسات مهما كانت الزاوية النظر إليها.

ـ بالتأكيد يأتي المستقبل ويحمل معه متغيرات نجهلها الآن، ولكن وفق ما نمتلكه حالياً من معطيات، أين ترى إيران ونفوذها في الشرق الأوسط بعد 10 سنوات؟

أنا متفائل بطبعي وإيماني ببلادي عزيز عليّ. لهذا أود أن أقوم بتوقع إيجابي بأنه من الممكن أن نرى سقوط هذا النظام الرهيب الذي لم يأتِ إلا بالبؤس على الإيرانيين. أودّ أن أرى ديمقراطية في إيران، أو على الأقل نظاماً يحقق أكثر المصلحة الوطنية ويستجيب أكثر لمطالب شعبه، يوقف تمويل المجموعات الإرهابية في المنطقة... وينهي سياسته القائمة على زعزعة الاستقرار في المنطقة كوسيلة لمحاربة الأمريكيين. بدل ذلك، أود أن أرى إيران تركز على إقامة علاقات اقتصادية من أجل شرق أوسط مستقر وسلمي ومزدهر. هذا يصبّ في المصلحة الوطنية بشكل واضح، ووحدهم الإيرانيون مَن بيدهم توجيه بوصلة البلاد نحو مستقبل كهذا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard