"مدمّرة"... قصة أطول رحلة نزوح قسرية للعرب في إيران

الأحد 12 ديسمبر 202104:40 م

لا يشبه مخيم اليرموك في سورية، ولا مخيم شاتيلا في لبنان، كما أنه لا يشبه سائر أحياء مدينة مشهد الواقعة شرقي إيران والمصنفة ثانية بعد العاصمة الإيرانية طهران، اقتصادياً، وتجارياً، ونمواً من حيث الإعمار. حي العرب في مدينة مشهد يصارع الزمن متمسكاً بهويته العربية وسط مدينة تعتبر أكبر حاضنة للأدب الفارسي.

عند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980) نزح بعض أهالي الأهواز في جنوب غربي البلاد إلى وسط إيران كإصفهان وطهران وُقم، وأجمع ثلة منهم بعدد نحو 20 ألف نسمة على النزول في مدينة مشهد التي تحتضن مرقد ثامن أئمة الشيعة الإمام علي الرضا، فسار العرب من جنوب غربي إيران إلى شمال شرقيه، وشكلوا بذلك أبعد رحلة نزوح قسرية علی بعد 1800 کلم من مسقط رأسهم.

المدينة علی وشك السقوط، دبابات الجيش العراقي تتجول في وسط المحمرة ومازالت المحاولات لإقناع أبو موسی للخروج من منزله لم تثمر. أمام كلمة "أموت هنا ولن أترك داري"، أضطر ضباط الجیش الإيراني أن يفرضوا قوتهم لخروج من في "الدار". یتذكرها اليوم موسی ذات الـ73 عاماً، ولا يزال مندهشاً علی فعلة أبيه قبل أربعين سنة، الرجل المسن الذي اضطر إلى النزوح لكنه لم يقبل بمدينة مشهد موطناً بل اختار الفلاحية، المدينة المجاورة لمسقط رأسه، والتي كانت هي الأخرى تحت نيران القصف.


سكان المحمرة قاوموا النزوح بكلّ ما يمتلكون حتی أنهم دفنوا ممتلكاتهم تحت أراضي بساتينهم ومزارعهم وخرجوا علی أمل العودة بأسرع وقت ممكن؛ تقولها أم جواد وصوت حسرتها یملأ الغرفة. لم تعرف أم جواد ماذا ستخبئ الأيام لها حيث سوف تضطر للبقاء في مدينة مشهد لأربعة عقود.

لماذا هربتم؟

سارت سيارات الجیش بسرعة، حاملةً العوائل من المناطق الحربية إلی برّ الأمان، وعند وصولها خُرّم آباد، المدينة الواقعة علی طریق طهران – الأهواز، حيث محطة لأخذ قسط من الراحة لأولئك المتعبين من ويلات الحرب وضجيج الدبابات وسقوط الأبرياء، رحب من رحب بهم والتف من التف حولهم لمشاهدة ضحايا الحرب فقدموا لهم الفواكهة والطعام. ارتاحت الأنفس قلیلاً، وهدأ الأطفال للحظات بعيداً عن القذائف، لحظات كان يسودها غموض المصير المقبل.

سكان المحمرة قاوموا النزوح بكلّ ما يمتلكون حتی أنهم دفنوا ممتلكاتهم تحت أراضي بساتينهم ومزارعهم وخرجوا علی أمل العودة بأسرع وقت ممكن

دخلت سيارات الجیش محطةَ الوقود وبدأت المفاجئة عندما قاوم من بیده القرار، تزوید السیارات بالوقود وصدرت أوامر بعدم مساندتهم، فبدأ الشجار بنبرة عالية: لماذا هربتم؟ لماذا تركتم الخط الأمامي؟ لماذا تركتم ساحة القتال؟ وهكذا حدثت معركة ذات ضجیج وغوغاء بين النازحين والمعنيين في خُرّم آباد فوجدوا أنفسهم نازحين من ساحة القتال إلی ساحة المساءلة والمطالبة بالبقاء هناك.

كان الليل كفیلاً بأن يهدأ الجميع ويُترك الأمر إلی اليوم الآخر. ولكن الفجر حمل أثقل عبارات الحياة للنازحين فكلمة "الموت للهاربين" كانت تلتف حول محيط الأهوازيين وسط خرّم آباد؛ رواية تتذكرها المعلمة پَري، التي كانت وسط المعركة، وتصرخ اليوم لتردّ على التّهم التي وجهت لها قبل 40 سنة، وهي في السبعين من عمرها: نحن لم نهرب ولم نقبل بالهرب خیاراً، بل أُجبرنا علی الرحيل والنزوح. وهل على النساء والأطفال من حرج؟

النازحون أم الهاربون؟

قضت أيام خُرَّم آباد وتوزع النازحون علی المدن الإيرانية، فقدمت السلطات المحلية في مدينة مشهد، مُجمّعاً سكنياً، كان قد شيد قبل سقوط نظام الشاه لضباط الجيش، إلی النازحين القادمين من المحمرة (خُرَّمْشَهر)، وجزيرة صَلبُوخ (جزيرة مينو)، وعبادان (آبادان)، والقصبة (اروَند كِنار)، والفلاحية (شادِگان) من المدن العربية في الأهواز.

كلمة فَراري (بالفارسية الهاربون) لم تفارق النازحين كلما جالوا في مدينة مشهد، حيث أنهم كانوا يعيشون في مجمع سكني يفصلهم عن الآخرين. وعند الوقوف في طابور المخبز يواجهون كلمة أخری باستهزاء: "عَرَبا اومَدن (جاء العرب) ومن ثم يلوذ المتنمرون بالفرار من النازحين. ومنذ ذلك الحین بات سكان المدينة يطلقون على مجمع الشهيد بِهِشتي للنازحين، اسم "مقطن العرب".


التشنیع والكره هذان طبعا في مخيلة الأسَر النازحة عدم ارتیاح من سكان المدينة مما جعل العرب مصرّين على العودة إلی الأهواز مهما كلف الثمن.

عودة إلى الديار بعد ثماني سنوات من الحرب

مرّ الزمن وانتهت الحرب وعادة الآمال إلى نفوس الأهالي بالعودة إلى مسقط رأسهم. عام 1988 وعند التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار، رافق حكيم والده بالعودة إلی المحمرة. کان أبو حکيم متلهفاً لرؤية بُستان نخيله الذي يضم 1700 نخلة، فسلك الطریق الطويل بين مشهد والمحمّرة وهو یخطط لإحياء بستانه، وما إن وصل عتبة المدينة سجد علی ترابها وأوعدها بإعمارها وأن یطوي ملف النزوح.

سار أبو حكيم نحو بيته القديم بلهفة فإذا به يرى مشهداً مختلفاً تماماً؛ الأرض نفسها ولكنها محملة بالذخيرة الحربية ومخلفات الحرب. أما النخيل فلم تبق سوى مئتين نخلة منه. حینها مزق دشداشته ولعن الساعة التي بات فيها نازحاً، ثم سالت دموعه علی لحيتيه. يقول حکیم: كنت أجلب لوالدي الفحم حتى لا تنطفئ أرجيلته ليومين متتاليين دون طعام.

ثماني سنوات من الحرب دمرت ثلثي المحمرة، إضافة إلی دمار حلّ بمدن عبادان والقصبة والفلاحية. العودة كانت محفوفة بالمخاطر وكانت بحاجة لمجازفة، تماماً كما كانت عملية النزوح. قبل بعض النازحين بالعودة، وبقي من تأقلم مع الموطن الجديد عبر قبول وظیفة أو عدم قبول أطفاله بالعودة وغير ذلك لیبقی مجمع بهشتي السكني یضم نحو 8 آلاف شخص حتى اليوم.

أول فلم وثائقي عن أطول رحلة نزوح قسریة داخل إيران

حكاية النزوح هذه سردتها المخرجة خديجة نیسي في فيلمها الوثائقي الأخير "المدمرة". وقد التقينا بها في حي العرب. محاولة خديجة لروایة هذا النزوح بلغة السينما كانت الأولى في رصد هذه الثلة من النازحين التي قررت أن تقطن أبعد نقطة من مسقط رأسها.


وحاز الفيلم علی إعجاب السینمائين والفنانين الأهوازين عندما عرض علی شاشة السینما في عبادان والأهواز في شرين الثاني/نوفمبر عام 2021.

سار أبو حكيم نحو بيته القديم بلهفة فإذا به يرى مشهداً مختلفاً تماماً؛ الأرض نفسها ولكنها محملة بالذخيرة الحربية ومخلفات الحرب. أما النخيل فلم تبق سوى مئتين نخلة منه. حینها مزق دشداشته ولعن الساعة التي بات فيها نازحاً، ثم سالت دموعه علی لحيتيه

الفيلم الذي أُعدّ بعد أربعة عقود من الحرب، استطاع أن یروي قصة منسية من قصص الحرب التي حلت بعرب إيران وراح ضحیتها نحو 12 ألف شخص منهم. في مدينة مشهد يجلس صاحب محل خياطة الملابس العربية خلف ماكينته وعلى يساره بعض من أشرطة كاسيت غناء مصري وعراقي قديم، وعند استفسار المخرجة عن المحمرة ما قبل الحرب، يقول لها وعيناه تلتهفان حسرة على ذاك الزمن: "كنا نغلق محلاتنا في أول المساء ونقضي لیالینا في النوادي الليلة. كان الفرح يسود أيام شبابنا".

حي عربي وسط مدينة حاضنة للأدب الفارسي

الفيلم یحكي قصة أكبر وهي عدم تأقلم السكان مع البیئة الجدیدة التي فرضت عليهم خلال الـ40 عاماً، فلعبة "المحیبس" الشعبية مازالت تشكل جزءاً من ترفیه الشباب، والضرب علی الدفوف في "لیلة الحنّا" حاضرة بقوة رغم التغییر الذي طرأ علی الفتیات، وارتداء الزي العربي في المناسبات الدينية كعید الفطر يصارع موضات العصر، وحتى المسامرات اللیلة النسوية والرجالية لم تنته مع الحداثة.


خارج أسوار حي العرب تبدأ مدينة مشهد، فكل شيء في الحي يختلف عن هيكل المدينة ليكون بمثابة "محمّرة" ثانية لمن ابتعدوا عن مسقط رأسهم، ومن هذا المنطلق شكل النازحون سوقهم الخاص الذي يضم كل ما يحتاجونه وفق ثقافتهم، واحتفضوا بسننهم وتقاليدهم.


ولعل ما كتبه الباحث الاجتماعي في جامعة روتجرز الأمريکية، عقیل دَغاقلة، الأهوازي الأصل، عن الفيلم يوضح أهميته بشكل جدير: "إذا لم یعرف المشاهدون محل تصویر الفلم فسیظنون أنه سجِّل في أحياء الأهواز" دلالة علی أن النازحين شيدوا لأنفسهم نسخة مشابهة لمسقط رأسهم في بيئة أخرى لا تشبههم.

لماذا لم تعودوا إلی أوطانكم؟ ويأتي الرد مختصراً: وهل بقي وطن؟

محاولة الفيلم الأخرى كانت إبراز مدی التمسك بالهوية لدی جيل شهد النزوح ومزيد من الحرب والدمار لیبقی سؤال الفيلم يتردد بالحي: لماذا لم تعودوا إلی أوطانكم؟ وليأتي الرد مختصراً كل العبارات: وهل بقي وطن؟ ثم ردّ أم جواد التي سجلت عنوان الفيلم بعبارتها النارية: "المحمَّرة مدمَّرة".

من جديد موجات نزوح دون حرب

"بلادي وإن جارت عليه عزيزة.." التي قالها السبعيني موسى وبكى، تضم بين كلماتها حجم التوق والشوق للمحمرة التي فارقها وترك فيها كل ذكرياته الجميلة ولم يستطع أن يرجع لها. أما عن الشباب الذي لم ير المحمرة قط إلا خلال زيارات سنوية تكون شبه رحلة سياحية مع العائلة، فلا تفكير يراودهم في العودة إلى موطنهم، بل باتت مشهد الموطن الأول بالنسبة لهذا الجيل الذي لا يرى في تواجده نزوحاً من الحرب إلى هنا.

ذروة المفاجأة بالنسبة للمشاهدين حتى يتعرفوا على حجم الدمار الذي لم تتخلص منه مدينة المحمرة حتى بعد نحو 32 عاماً على نهاية الحرب يأتي عندما يظهر الجيل الجديد من أبناء وأحفاد النازحين أمام أسئلة المخرجة، فيقولون لها: لا نعود! الكثير من أقاربنا هربوا لتوّهم إلى مدينة مشهد لشدة التلوث البيئي في المحمّرة، وانعدام الخدمات العامة، وعدم توفر المياه للزراعة. موجة نزوح بلا حرب تشهدها المحمّرة من جديد، والقادمون (النازحون) الجدد يبحثون اليوم عن وظيفة كمترجمين في الفنادق والأسواق حوالي مرقد الإمام الرضا على أمل الحصول على لقمة عيش بعيداً عن أوطانهم. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard