تعاون أم صِدام وتوتّرات؟... ماذا ينتظر علاقة إيران بـ"دولة طالبان"؟

الثلاثاء 12 أكتوبر 202104:43 م

اتجهت أنطار المجتمع الدولي نحو أفغانستان من جديد بعد بسط حركة طالبان سيطرها على كامل الأراضي الأفغانية في آب/ أغسطس 2021، وهو ما فتح الباب نحو المزيد من التساؤلات والتكهنات حول السيناريوهات المتوقعة لتعامل حكومة طالبان مع دول الجوار، وخصوصاً إيران التي شهد تاريخها مع الحركة بعض التوترات في بداية سيطرتها على أفغانستان.

فما هي السيناريوهات المتوقعة للعلاقة بين الطرفين، خاصةً في ظل ذهاب البعض إلى تفسير انسحاب أمريكا بعد سنوات من القتال وإفساحها المجال أمام طالبان للعودة إلى الواجهة من جديد على كونه جزءاً من مخطط يهدف إلى إشعال فتيل صدامات طائفية بين دولة سنّية يحكمها فصيل متشدد كطالبان وإيران ذات المرجعية الشيعية؟

تاريخ العلاقات بين إيران وطالبان

لم يكن بزوغ نجم حركة طالبان وسيطرتها على مقاليد الحكم بين عاميْ 1996 و2001 مجرد شأن داخلي أفغاني لا يعدو أن يكون سوى صراع على السلطة بين مجموعة فصائل انتهى ببسط أحدها سيطرته على مقدرات الدولة، فقد وضعت طالبان أفغانستان في بؤرة اهتمام محيطها الإقليمي ولم تلبث تمرّ سنوات قليلة حتى جعلتها في طليعة الاهتمام العالمي عقب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان أربكت حسابات دول الجوار، من الهند وباكستان وطاجكستان وتركمانستان والجارة الشمالية الصين وبالطبع إيران التي رأت في الحركة خطراً متنامياً لا يمكن غض الطرف عنه لاعتبارات وأسباب كثيرة.

لنعد خطوة إلى الوراء. بعد اكتمال انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان عام 1992، تنفيذاً لاتفاق جنيف، وسقوط نظام محمد نجيب الله على يد الأحزاب والحركات الإسلامية، دخلت الأخيرة في صراع عسكري على السلطة دام لسنوات، ومعه بدأت أولى مراحل الصراع الطائفي.

في تلك الظروف، نشأت الحركة الإسلامية الدينية المعروفة باسم "حركة طالبان" في ولاية قندهار، جنوب غرب أفغانستان، على الحدود مع باكستان عام 1994، على يد الملا محمد عمر مجاهد، وهو أبو طالبان، بمساعدة طلبة مدارس دينية بايعوه عام 1994 أميراً لطالبان. وأعلنت الحركة أن هدفها هو القضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي وإعادة أجواء الأمن والاستقرار إلى أفغانستان.

اشتدّت المعارك بين طالبان والقوات الحكومية الموالية للرئيس برهان الدين رباني ونائبه أحمد شاه مسعود الذي كان وزيراً للدفاع حينها، وانتهى النزاع بانتصار طالبان.

في فترة الصراع تلك، هاجم مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي طالبان ورماها بالبعد عن صحيح الدين. وتحركت إيران على خطين متوازيين: أحدهما التأييد العسكري لقوات الحكومة الأفغانية بقيادة أحمد شاه مسعود، والآخر العمل الدبلوماسي من أجل تشكيل حكومة جديدة تمثل جميع القوى السياسية الأفغانية، بما فيها "حزب وحدت" (حزب الوحدة الإسلامي) المدعوم من إيران.

دفعت الانتصارات العسكرية التي أحرزتها قوات طالبان في أيلول/ سبتمبر 1996 إلى تعزيز التعاون الروسي الإيراني، مع سعي طهران إلى بناء تحالف لإيقاف التقدم الذي أحرزته حركة طالبان، ومع خشية موسكو من تسرب نفوذ طالبان إلى جمهوريات آسيا الوسطى بل وإلى روسيا نفسها.

ونشطت الدبلوماسية الإيرانية لكسب تأييد دول آسيا الوسطى الإسلامية بالإضافة إلى كسب روسيا والهند لصالح ائتلاف الشمال الأفغاني وتأييد حكومة رباني-مسعود، بحسب ضاري سرحان الحمداني في كتابه "سياسة إيران تجاه دول الجوار".

الصِدام العسكري عام 1998

عام 1997، اتهمت حركة طالبان إيران بتجاوز التأييد السياسي لمناوئيها إلى تسليحهم. وجرت أبرز التطورات عام 1998 مع قيام حركة طالبان بقتل تسعة دبلوماسيين إيرانيين وصحافي في وكالة الأنباء الإيرانية، في مدينة مزار شريف. حينها، شهدت العلاقات بين إيران وطالبان توتراً كبيراً وصل إلى حد المواجهة بين الطرفين، إلا أن الرئيس الإيراني محمد خاتمي أدرك أن مواجهة كهذه يزيّنها له المتشددون في الداخل وبعض القوى الإقليمية في الخارج من شأنها أن تكون باهظة التكلفة وغير مأمونة العاقبة، لأن هذه المواجهة غالباً ما كانت ستتخذ شكل حرب عصابات ستستنزف إيران بشرياً ومادياً لأجل غير محدد.


سيناريوهات العلاقة بين إيران وطالبان، في ظل ذهاب البعض إلى تفسير انسحاب أمريكا من أفغانستان على كونه جزءاً من مخطط يهدف إلى إشعال فتيل صدامات طائفية بين دولة سنّية يحكمها فصيل متشدد وإيران الشيعية

وبعد أن حشدت إيران وحركة طالبان قواتهما على حدودهما المشتركة، وكانتا على شفير الحرب، امتنعت إيران عن التصعيد، وبعدها قامت طهران بإجراء مناورة عسكرية ضخمة على الحدود الفاصلة بين البلدين سُمّيت بـ"عاشوراء 3"، على مساحة 50 ألف كيلومتر وامتداد 700 كيلومتر، شارك فيها 200 ألف جندي إيراني، وفقاً لضاري سرحان الحمداني.

إيران بعد إسقاط طالبان

بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، شنّ الجيشان الأمريكي والبريطاني الحرب على أفغانستان، في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، بهدف إسقاط نظام طالبان الذي كانت تتهمه الولايات المتحدة بتوفير الملاذ الآمن لتنظيم القاعدة.

وجود دولة سنّية في أفغانستان تحكمها حركة طالبان التي تتغلف بغلاف "جهادي"/ انتحاري، على حدود الدولة الإيرانية-الشيعية، وارتباط طالبان بعلاقات قوية مع تنظيم القاعدة كان يشكل خطراً على أمن واستقرار إيران، لذلك وجدت الأخيرة في ما يجري فرصة لهدم الحائط السنّي الذي يعيق تحركاتها وتمددها.

كان لإيران دور في التحالف الأمريكي البريطاني، فقد عرضت إيران خلال الاجتماعات التي كانت تُعقد في جنيف ونيويورك عبر مجموعة (2+6) على الولايات المتحدة ما لديها من معلومات استخبارية عن المواقع الحصينة لطالبان في أفغانستان، مع تشكيل جيش على الأرض قوامه الشيعة الهزارة الأفغان وقوات تحالف الشمال، لاحتلال العاصمة الأفغانية كابل.

لم يقتصر الدور الإيراني على ذلك، بل تخطاه بكثير، عبر تقديم الدعم اللوجيستي وكذلك المشاركة على الأرض بجانب قوات التحالف، حسبما يشير خالد بن فيحان الزعتر، في كتابه "إيران الخميني شرطي الغرب".



"تحاول إيران مغازلة طالبان بتقوية أواصر الشراكة التجارية واستغلال استقرار الأوضاع داخل أفغانستان للسعي نحو مزيد من الانفتاح الاقتصادي"

وبعد سقوط طالبان، حدث نوع من تفاهمات بين الحركة وبين إيران، خصوصاً بعد تصنيف الأخيرة من قبل الإدارة الأمريكية كجزء من محور الشر الذي ضم حينها العراق وكوريا الشمالية وطالبان، وهو ما دعا الحكومات الإيرانية المتلاحقة إلى السعي نحو تحالفات ومواءمات بين القوى المناهضة لواشنطن.

المصالح الإيرانية في أفغانستان

تُشكل المصالح الإيرانية في أفغانستان ركيزة أساسية في سياساتها في التعامل مع الملف الأفغاني، بما يشمل الأبعاد السياسية والاجتماعية والطائفية والاقتصادية. سعت إيران دائماً إلى الحيلولة دون تمكن أي قوة إقليمية أو دولية من بسط نفوذها في أفغانستان وبالتالي الحيلولة دون استخدام الأراضي الأفغانية قاعدةً لتقويض استقرار إيران أو لتشديد الحصار عليها أو الإضرار بمصالحها الاقتصادية.

في فترة حكم طالبان الأولى، عملت إيران على إخماد بؤرة التوتر في أفغانستان التي تمتد حدودها المشتركة مع إيران إلى 936 كيلومتراً، لأن استمرار هذه البؤرة في الاشتعال من شأنه أن يهدد أمن المناطق الإيرانية المتاخمة للحدود، ويؤدي إلى استمرار تدفق اللاجئين الأفغان إلى إيران التي لا يمكنها تحمل هذا العبء الاقتصادي إلى ما لا نهاية، فضلاً عن إفساح المجال واسعاً أمام تجارة المخدرات عبر الحدود بين البلدين.

في الوقت ذاته، سعت طهران إلى الحفاظ على علاقات وتعاون مع السلطة المركزية في كابول، والسعي إلى الحفاظ على حقوق الهازارا في تركيبة السلطة الحاكمة.

وجهة نظر إيران مفادها أنه لا يمكن لأي مجموعة إثنية أن تحكم أفغانستان من دون مساهمة فاعلة من المجموعات الإثنية الأخرى، ما يدفعها دوماً إلى العمل على قيام حركة ائتلافية في أفغانستان تشارك فيها كل الفصائل الأفغانية، لأن من شأن ذلك الحيلولة دون هيمنة أي طرف أجنبي في أفغانستان، بحسب علي جوني في كتابه "الأزمة بين إيران وطالبان: الخلفيات والمضاعفات".

لا تعتقد طهران أن بوسعها فرض هيمنة كاملة على جارتها أفغانستان، وتسعى إلى ضمان مصالحها التي تشمل تأمين حدودها الغربية، والحفاظ على تدفق المياه من الجانب الأفغاني ومكافحة المخدرات، والتعامل مع العدد الكبير من اللاجئين الأفغان المتواجدين على أراضيها. ولذلك كانت طهران تحرص على الحيلولة دون تحقيق حركة طالبان نصراً كاملاً في أفغانستان ودون توسع النفوذ الباكستاني.

وبعد احتلال أمريكا لأفغانستان، كان هدف إيران ألا يكون الوجود العسكري الأمريكي طويل الأمد.

روابط طائفية وثقافية تستخدمها إيران

لتحقيق أهدافها في أفغانستان، تستند الحكومة الإيرانية إلى مجموعة متنوعة من الوسائل، فالروابط الثقافية والدينية لإيران تسمح لها بأن تمارس نفوذها على المجموعات العرقية والدينية الرئيسية في أفغانستان بمَن فيها الطاجيك والهزارة وعلى أحزابهم السياسية أيضاً.

وهناك الكثير من القواسم المشتركة التي تجمع بين إيران وجزء واسع من الأفغان من بينها اشتراكهما في لغة واحدة، وروابط تاريخية وثقافية وطيدة، بل واشتراكهما في نفس الأعداء أحياناً، لذا يتوقف أمن واستقرار كل طرف على أمن واستقرار الطرف الآخر.

ولكن في حين يرى بعض الأفغان في إيران جاراً صديقاً، بل وحامياً محتملاً، يبدي كثيرون استياءهم مما يرونه بمثابة تدخل إيراني سافر في شؤون بلادهم.

في المقابل، ولأن الكثيرين من الأفغان أيضاً، لا سيما الطاجيك والهزارة وبعض البشتون، ينتابهم قلق خاص حيال باكستان وحليفتها حركة طالبان (يهيمن عليها البشتون)، من المغري لإيران أن ترى في نفسها القوة الطبيعية لموازاة نفوذ باكستان والحامي للأقليات الأفغانية.

ومن هنا، دعمت طهران قادة المجاهدين الطاجيك والشيعة (الهزارة) أثناء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، كما قدّمت لاحقاً مساعدات لتحالف الشمال ضد طالبان، وفقاً لدراسة بعنوان "النفوذ الإيراني في أفغانستان، الآثار المُترتبة على انسحاب الولايات المتحدة" صادرة عن مؤسسة راند.

سيناريوهات متوقعة

يرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد أبو النور إنه لا توجد فرص لوجود صراعات محتملة بين إيران وحركة طالبان بعد سيطرها على الحكم، لأنه تربطهما مصالح مشتركة اقتصادية وجيوستراتيجية أكبر بكثير من أن تؤدي الاختلافات العرقية والعقائدية إلى التفرقة بينهما.

ويضيف أبو النور: "لو تحدثنا عن التاريخ القريب سنجد أنه كان يوجد صراع بين إيران وطالبان، تورطت فيه الأخيرة في العملية الشهيرة التي جرى فيها قتل دبلوماسيين إيرانيين سنة 1998، وهناك بعض التقارير التي تشير إلى أن مَن قام بهذه العملية هم عناصر من المخابرات الباكستانية".

ويشير أبو النور إلى أنه خلال الأعوام العشرين الماضية، لم تشب العلاقات الإيرانية مع طالبان أي شائبة سوى حادث مزار شريف، بل شهدت تعاوناً على الصعد الاقتصادية والاستراتيجية وأيضاً في السياسة المائية نظراً لسيطرة طالبان على المنطقة الشمالية لأفغانستان الواقعة على الحدود الغربية الإيرانية والتي تحتوي على نهر هلمند الذي يغذّي مناطق يعيش فيها نحو خمسة ملايين مواطن إيراني، إذ لم تشهد الفترة الماضية أي تهديد من جانب طالبان للموارد المائية المغذية للمناطق الإيرانية المتاخمة للحدود المشتركة.

ويعزز أبو النور فرضية متانة العلاقات بين طالبان والجانب الإيراني باستشهاده بالجانب الاقتصادي، لافتاً إلى أن طالبان لم تقْدم على غلق المعابر الحدودية التي يحدث عبرها تبادل تجاري بين الطرفين، بما فيه النفط الإيراني الوارد إلى الداخل الأفغاني، منذ سيطرتها على المنافذ الحدودية قبل عامين أو ثلاثة أعوام، وهو ما يؤكد على التعاون الرفيع بين الجانبين.

ويتوقع أبو النور حدوث تعاون على أعلى مستوى بين إيران وطالبان خلال الفترة المقبلة حتى إنْ لم تلتزم طالبان بالتوصيات الإيرانية المطالبة بإشراك طائفة الهزارة في الحكم، مذكراً بعدم مساندة إيران لأحمد مسعود في أقليم بنجشير أثناء مواجهاته مع طالبان والتي أسفرت عن هزيمته على الرغم من مطالبات بعض الكتاب الإيرانيين نظامهم الحاكم بدعم مسعود.

بدوره، يستبعد الخبير في الشأن الإيراني أحمد العناني التصادم أو التوتر بين إيران وطالبان، متوقعاً المزيد من التعاون بين البلدين لا سيما في الجانب الاستخباري والأمني، حتى تضمن إيران عدم استغلال الأراضي الأفغانية كمأوى للجماعات التي قد تشكل تهديداً مباشراً لها.

وعن اعتراضات إيران بشأن تشكيل الحكومة الأفغانية، يؤكد العناني أن إيران ترى نفسها لاعباً في المعادلة السياسية الأفغانية نظراً لوجود بعض العرقيات الشيعية كالهزارة، مضيفاً: "الكرة الآن في ملعب طالبان وأعتقد أنها ستبتعد في كل الأحوال عن مناطق الصدام".

ويضيف أن طالبان في 2021 فرضت نفسها على الأرض وأرغمت الولايات المتحدة وإيران على التعاون معها بسيطرتها الكاملة على أفغانستان وأصبح المجتمع الدولي ملزماً بالتعامل معها.

ويتوقع العناني حدوث تعاون اقتصادي بين الطرفين وانفتاح تجاري أكثر مما كان في عهد حكومة الرئيس أشرف غني، مشيراً إلى أن إيران لم تثق بتأمين تجارتها مع الحكومة الأفغانية السابقة لضعفها وعلمها باقتراب زوالها، ومن المجازفة ضخ استثمارات في ظل وجود معلومات استخبارية بتقدّم طالبان على الأرض وإحكام سيطرتها.

ويتابع: "الآن تحاول إيران مغازلة طالبان بتقوية أواصر الشراكة التجارية واستغلال استقرار الأوضاع داخل أفغانستان للسعي نحو مزيد من الانفتاح الاقتصادي بما ينعكس بالإيجاب على الاقتصاد الإيراني وينعش خزينتها في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard