فرحة لم تتمّ... ريان "البطل" خرج من غياهب الجبّ ميتا

الأحد 6 فبراير 202212:36 ص

بعد خمسة أيام من عمليّة إنقاذ بدت شبه مستحيلة، أخرجت فرق الإنقاذ المغربية الطفل ريان من بئر عميقة، لكن أُعْلِن دقائق قليلة بعدها عن وفاته.

ونقلت وسائل الإعلام المغربية بياناً للديوان الملكي يعزي فيه الملك محمد السادس عائلة الصبي، ويقول إن الملك اتصل بوالد ريان لتعزيته.

وقال بيان الديوان الملكي الذي نشرته وسائل الإعلام المغربية إن الملك تابع شخصيا القضية التي شدّت أنظار العالم، وأنه أعرب لعائلة الطفل الفقيد "عن أحر تعازيه وأصدق مواساته لكافة أفراد أسرة الفقيد في هذا المصاب الأليم، الذي لا راد لقضاء الله فيه، داعيا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يلهم ذويه جميل الصبر وحسن العزاء، في فقدان فلذة كبدهم".

سقوط الطفل والآمال بخروجه سالما خلقت حملة تضامن واسعة للملايين، مع الطفل "البطل" الذي قاوم الجوع والظلام والبرد في قعر البئر الذي لا يتعدى محيطه عشرين سنتيمتراً لعشرات الساعات وكان أنينه كل مرّة يدمي، ويشفي الرجاء في الآن ذاته بنجاته.


وبعد مجهود ناهز أكثر من أربع وعشرين ساعة في المرحلة الأخيرة من عملية الإنقاذ التي تميزت بالنبش الأفقي البطيء لإنقاذ الطفل وتوقفات بسبب المخاوف من انهيار التربة، استطاع نحو أحد عشر تقنيا مختصا في التنقيب المنجمي حفر نحو ثمانية أمتار والوصول إلى جثة الصبي. وكان كثيرون فرحين بصورة المنقب علي الصحراوي، الذي غامر بحياته للحفر مع رفاقه للوصول إلى مكان الطفل، وهو يرفع شارة النصر حين خرج من النفق وتزايدت الفرحة في شبكات التواصل الاجتماعي بعد أن أخرج الطفل قبل ساعتين من نهاية ليلة السبت 5 شباط/فبراير. لكنها الفرحة التي لم تتمّ بعد أن نزل البيان "المفجع".

في غياهب الجبّ

عاش المغاربة ومعهم آلاف العرب والأجانب، لحظاتٍ طويلةً من الترقّب والجزع على مصير الطفل الذي يبلغ عمره خمس سنوات، بعد أن سقط في بئر ضيقة في قرية تمروت التابعة لإقليم شفشاون في شمال المغرب. سقط الطفل في الجبّ الخالي من المياه، ليقاوم بجسده الصغير عشرات الساعات في انتظار الفرج، وزادُه الوحيد الأوكسجين الذي تمده به طواقم الإنقاذ عبر أنابيب، حسب الهلال الأحمر المغربي.

وكان ذلك يوم الثلاثاء 2 شباط/ يناير 2021، واستلزم الأمر خمسة أيام بلياليها، لتصل إليه أيادي المسعفين، بسبب الطبيعة الصعبة لأراضي المنطقة، إذ إنها ترابية هشّة، وأنذرت أكثر من مرة بالانهيار الذي كاد يغمر جسده الصغير.

بعد خمسة أيام من سقوطه في بئر عميقة، أخرجت جثة الطفل المغربي ريان. مجهودات خارقة قام بها المنقذون لحفر "جبل". لكن الفرحة لم تتمّ

عشيّة الثلاثاء، لاحظت العائلة غياب طفلها الصغير، الذي اعتاد اللعب بالقرب من البئر، ما دفع الأم للبحث عن طفلها، لتكتشف الأسرة أنه عالق في قاع البئر. أشعرت العائلة السلطات الأمنية بالأمر، لتبدأ قصة صمود الطفل ريان، ومعها محاولات يائسة لإنقاذه.

في البداية، تم اللجوء إلى حلول تقليدية بسيطة في محاولات إنقاذ ريان، لكن ذلك لم يحقق أيّ نتيجة، ما دفع إلى استدعاء الوقاية المدنية (رجال الإطفاء)، وأفراد الدرك الملكي من مدينة شفشاون، لتبدأ مرحلة البحث عن حل ينقذ الطفل الذي سيقضي ليلته الأولى في البئر الضيقة يعاني من آلام كدمات وجراح أصابته.

سرعان ما انتشر الخبر على الصفحات المحلية والجهوية، لتصل صورة الطفل العالق في مساحة ترابية ضيقة (20 سنتيمتراً)، إلى كل المدن المغربية، وإلى العالم وتصبح قضيته حديث الملايين.


تسارعت التدوينات على الشبكات الاجتماعية، كلها رجاء ومطالب بالتدخل السريع والدعاء لريان، مشبّهةً "معجزته" بقصص الأنبياء. فكتب روّاد وسائل التواصل الاجتماعي متوسّلين خروجه حيّاً الآية القرآنية "فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن"، وشبّهوه بالنبي يوسف في غياهب الجب، وبالنبي يونس في بطن الحوت. وكان الرجاء والأدعية، على الصفحات المغربية والعربية، لسان من يعجزون أمام الصورة المؤلمة للصبي. لكن السماء لم تستجب.

تعالت أصوات كثيرة أخرى تدعو السلطات لإنقاذه وتنتقده، مقارنةً إياها بدول أخرى شهدت حالاتٍ شبيهةً لأطفال سقطوا في وضعيات معقدة، وتدخلت فرق الإنقاذ لإخراجهم. لكن بالموازاة مع هذا سخّرت السلطات عشرات رجال الأمن لتأمين محيط البئر وعشرات المسعفين والمختصين في حفر الأنفاق للقيام بالعملية المحفوفة بالصعاب إلى جانب مروحية كانت مهمتها نقله بأسرع وقت إلى المستشفى في حال خروجه حيّاً.

كتب روّاد وسائل التواصل الاجتماعي الآية القرآنية "فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن"، وشبّهوه بالنبي يوسف في غياهب الجب، وبالنبي يونس في بطن الحوت. لكن ريان لم يخرج حيّا من البئر

ورغم انتقادات عدة لتأخر عملية الإنقاذ، كتب كثيرون أنه لا يمكن مقارنة حادثة ريان بحوادث أخرى، وأن الثقة بالطواقم المغربية، وبخبرتها للتعامل مع الطبيعة الخاصة بالمنطقة، وحدها الكفيلة بإخراج الصبي بأقل الأضرار الممكنة، وللحفاظ على حياته.

لكن اللافت أن الحكومة المغربية لم تتفاعل بشكل سريع مع الحادث. وبعد صوم حكومي عن الكلام دام اليومين الأولين صوّب كثيرون جام غضبهم على هذا الصمت الذي لم يتخلّله إلا تصريح مقتضب للمتحدث باسم الحكومة بعد اجتماع حكومي، يومين بعد بداية الحادثة.

وقال مصطفى بايتاس، الوزير والمتحدث باسم الحكومة، الخميس، إن وزير الداخلية قدّم تقريراً للمجلس الحكومي عن الموضوع، كما أكد "أن عناصر الإنقاذ وضعوا مجموعة سيناريوهات لإخراج الطفل ريان من البئر، بتوجيهات من وزيري الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية، تحت إشراف رئيس الحكومة".

الوزير قال أيضاً إن الدولة "ليست لديها مشكلة في الآليات والخبرة، كما أنها تتوفر على الإمكانية والقدرة والتجربة والحس للتدخل وأن لجان الإنقاذ تعمل ليل نهار لإنقاذ الطفل ريان، لكن طبيعة التربة تصعّب مهمة التدخل".


لكن عمليات الإنقاذ لم يرافقها تواصل كافٍ يقدّم المعطيات الدقيقة ولم ينظم إلا في اليوم الأخير من العملية. وفي كل مرّة نُقل عن المنقذين، في الصحف الإلكترونية وعبر قنوات التلفزيون الحكومية, أن ساعاتٍ قريبةً تفصل عن إنقاذ الصبي، قبل أن تصير أياماً. سوء التواصل استغلته الصحافة الصفراء للبحث عن أكبر عدد من المتصفحين لمواقعها، ونشرت أخباراً كاذبةً بعناوين برّاقة سرعان ما ثبت أنها محض شائعات، ما دفع المجلس الوطني للصحافة لإدانة هذا السلوك ودعت إلى احترام أخلاقيات المهنة والابتعاد عن نشر الشائعات.

منذ اليوم الأول، حج الآلاف إلى قرية ريان الواقعة منطقة جبلية ذات تضاريس وعرة، كل يرجو أن يشهد بأم عينيه على "المعجزة" ومنهم من حاول المساعدة في عملية الإنقاذ. وحاول شابّان الأربعاء الماضي، النزول إلى قاع البئر للوصول إليه، لكن دون جدوى. فعلى مساحة لا تتعدى أمتاراً منه، كان يستحيل لجسد شخص بالغ أن يصل إلى القاع، حيث يوجد الصبي العالق. صبي آخر مراهق يبلغ 14 عاماً، انتقل مشياً عشرات الكيلومترات إلى المكان، بعد أن سمع الخبر، وطلب أن يُنزَل إلى عمق البئر لإنقاذ ريان، لكن السلطات رفضت طلبه، بحكم أنه قاصر.

صور هذا التضامن غير المحدود، الذي تحول إلى بكاء من طرف أحد من حاولوا إنقاذ ريان دون جدوى، والرغبة في التضحية بالذات لإنقاذه، أثلجت قلوب كثيرين، وأظهرت أن التضامن ما زال عملةً رائجةً بين المغاربة.

قاوم الصبي العالق في البئر البرد والخوف، وسُمِح في اليومين الأولين لوسائل الإعلام بأن تطّلع على صور كاميرا رجال الإطفاء، التي تنقل مباشرةً وضعه من داخل البئر، قبل أن تُمنَع من الوصول إلى "غرفة القيادة"، ومن نقل صوره، بعد أن قامت وسائل الإعلام "الصفراء"، بنقل صوره مباشرةً، ولم تحترم حقّه في الصورة والكرامة.

بأفئدة فزعة، التفّ حول مكان الحادث المئات، وتابع الملايين في بث مباشر عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية، الحدث الذي ألّف القلوب في العالم العربي وفي دول أجنبية،

وبعد يومين من بداية محاولة إنقاذه قرّرت السلطات بمعيّة مهندس وتقنيين مختصين في الجيولوجيا، أن تحفر الجرافات الأرض بموازاة البئر، مع الحفاظ على مسافة ثمانية أمتار منها لكيلا تنهار، بعمق 32 متراً، ثم أن تحفر الأمتار الأفقية الثمانية لانتشاله، وسط ترقب كبير.

توالت عشرات الساعات، وفي كل مرّة كانت تتوقف العملية إما لانهيار جزء من التربة وتساقط صخور، أو لمخاوف من أن يحدث انهيار أكبر يقضي على كل أمل. كانت النظرية تبدو سهلةً، لكن الأشغال كانت أكثر تعقيداً بكثير.

الأم الثكلى

لحظة إخراج جثة الصبي من البئر كانت تبدو السكينة على والدي الطفل، وكانت أمه التي شدّت الأنظار إليها، في انتظاره. لم يكشف إلى حد الآن إذا ما كانت تعرف بخبر وفاته، أم أنها صلابة الأم الثكلى التي تريد أن تحضن ابنها مرة أخيرة قبل أن يوارى الثرى بكرامة.

كانت تحلم بعودة فلذة كبدها إلى حضنها. هذا ما نقله الإعلاميون الذين استجوبوها، وهو ما ردّدته برباطة جأش وتسليم بالقدر. وكانت تصريحاتها للصحافة تبدو جليةً فيها الحرقة على ابنها، ورغبتها في أن تستعيده سالماً.


وتوالت الحوارات مع أفراد الأسرة، ومنهم الأب والعم، وكلها تتميز بالصبر، وتتأرجح بين الأمل ببقائه على قيد الحياة، والخوف من مآله في البئر المظلمة.

لحظات حزن وفرح، كأنها طاحونة هواء تعلو ثم تنخفض، عاشتها العائلة القلقة على حال الصغير ريان. فرح لصموده وصبره على الشدائد وتجاوبه أحياناً بجسده الهشّ الذي تظهره كاميرا فريق الإنقاذ، وهلع عندما كان يفقد الوعي. ومع تقدّم الحفر، والبحث عن حل، لم يكن الضغط يزداد على طواقم الإنقاذ وحدها، بل على الأسرة والأم التي كانت صامدةً، تترقب كل خبر مفرح يخرجها من حالة القلق التي دامت أياماً. لكنها استقبلت ابنها جثة هامدة.

جهود إنقاذ بطولية

خاطر العشرات من العاملين في مهمة إنقاذ ريان بأرواحهم وهم يعملون في بيئة طبيعية غادرة قد تنهار عليهم في رمشة عين، وأياديهم على قلوبهم وهم يسابقون الساعة للنجاح في مهمتهم.

بعد ليال مظلمة قضاها رجال الإنقاذ، ولجنة اليقظة، يعملون بلا كلل، تواصلت عمليات الحفر الجمعة في محيط البئر بحذر، مخافة انهيار التربة، ليتم توسيع نطاق الحفر في ما بعد، واستعملت خمس جرافات في مجهود الحفر، لكن العملية تميزت بالبطء وضبط الأعصاب مخافة وقوع أي "كارثة" تصيب الصبي أو عمال الإنقاذ بمكروه.


وفي كل مرّة تم تداول أخبار عن أن الطفل ريان يملك القدرة على تحريك يديه ورجليه داخل البئر، لكن بدأت ملامح الغياب عن الوعي والإنهاك تظهر عليه من حين إلى آخر، من دون أن يستسلم، وتُظهر حركة خفيفة لجسده أنه على قيد الحياة، ما دفع كثيرين إلى وصفه بـ"المقاوم"، و"البطل" الذي "يناضل للانبعاث من رماده من جديد"، و"يصر على معانقة الحياة" لكن الموت كان له رأي آخر ورحل الطفل في انتظار أن يكشف الطب الشرعي الأسباب المباشرة لوفاته.

تضامن دولي

تفاعل المغاربة مع قصة الطفل ريان، فمنهم من غرّد، ومنهم من دعا إلى إعادة النظر في تدبير الأزمات، ومنهم من وجّه سهام النقد إلى الحكومة، لكن الإنسانية لا وطن لها، وهي عابرة للحدود. الدعاء بأن يظل هذا "الملاك الصغير" حيّا أصبح حديث كل لسان عبر وسم #أنقذوا_الطفل_ريان، على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتصدّر "تراند" المنشورات في أكثر من بلد، مثل الجارة الجزائر، التي أبدى شعبها تضامناً غير محدود مع الطفل.

وانطلقت حملات التضامن الدولية لينشر مواطنون من كل من مصر وتونس والأردن والعراق والسودان وموريتانيا وكل الأقطار العربية ودول غربية عدة، دعواتهم وتضامنهم وتعاطفهم مع حادث الطفل الصغير.

حملة التضامن امتدت إلى مشاهير، مثل قائد المنتخب الجزائري رياض محرز، والمدرب هيرفي رونار، ولاعب المنتخب الفرنسي عصمان ديمبلي ونجم الكرة أشرف حكيمي، والفنانين المصريين محمد هنيدي ومحمد منير، إلى جانب عشرات الفنانين المغاربة.

حملة تضامن انتهت بخاتمة حزينة، تخوف منها الملايين الذي نظروا إلى الصبي كأنه فرد من عائلاتهم، وربما وفاته هي "جنازة" في كل بيت مغربي ومُتضامن تشبّت بأمل أن يظل على قيد الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard