عودة "الزعيم الخالد"... إدريس لشكر يخلف نفسه في زعامة الاتحاد الاشتراكي المغربي

الاثنين 31 يناير 202204:25 م

تحولت مؤتمرات الأحزاب المغربية، إلى مناسبات لفضح الصراع على المواقع داخلها، إذ لا يتوانى مناضلوها عن التراشق بالكراسي والصحون، كما حدث في مؤتمر حزب الاستقلال، أو عن تبادل الاتهامات في ردهات المحاكم، كما جرى مع حزبي الأصالة والمعاصرة سنة 2020، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في مؤتمره الحادي عشر، والذي عُقد الجمعة 28 والسبت 29 كانون الثاني/ يناير الجاري، في مدينة بوزنيقة، نواحي العاصمة الرباط، فقد تغيرت دوافع نشوب الصراعات داخل الجسم الحزبي الواحد، بحيث لم تعد متعلقةً بالبرامج والأيديولوجيا والمواقف السياسية؛ وإنما بسبب الامتيازات التي سيحصل عليها كل تيار من التيارات المتناحرة داخلها.

تعديل لـ"سواد عيون" الزعيم

كما كان منتظراً، نجح إدريس لشكر، في العودة إلى زعامة حزب الاتحاد الاشتراكي، أكبر أحزاب المعارضة في المغرب، بعدما تمكن تياره من هزم خصومه بعد تعديل القانون الأساسي للحزب، بما يسمح له بالاستمرار في الكتابة الأولى لولاية ثالثة، وذلك بحصوله على 1،158 صوتاً، مقابل 77 صوتاً لمنافسه طارق سلام، فيما بلغ عدد الأصوات الملغاة 109 من مجموع أصوات المجلس الوطني.

وفي الكلمة الختامية لأشغال المؤتمر الوطني الحادي عشر للاتحاد، مساء السبت 29 كانون الثاني/ يناير الجاري، في مدينة بوزنيقة، دعا إدريس لشكر، منافسيه، إلى "نسيان الماضي والتوجه نحو المستقبل..."، لأن الغاية من المنافسة على المسؤوليات، تتجلى في تقوية "الوحدة الداخلية للحزب"، حسب تعبيره.

دعوة الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لم تلقَ الصدى المنتظر، من قبل شقران أمام، الرئيس السابق للفريق النيابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في مجلس النواب، وأحد المرشحين المنسحبين من سباق الكتابة الأولى، والذي شكك في تصريح لرصيف22، في دعوة لشكر فور إعادة انتخابه، بالقول: "يبدو أن المصالحة التي يتحدثون عنها مصالحة شكلية، وليست حقيقيةً، لأن السلوكيات والممارسات التي تسببت في مغادرة مجموعة من الاتحاديين والاتحاديات الحزب، ما زالت هي نفسها".

من جهتها، نفت حنان رحاب، عضو المكتب السياسي لحزب الوردة، تشكيل لجنة من الحكماء لجمع شتات الاتحاديين، مبرزةً في تصريح لرصيف22، أن "الوضع التنظيمي لا يحتاج إلى أي لجنة من الحكماء، لأن الحزب له أجهزته، وله لجنة للأخلاقيات والتحكيم، وأبوابه مفتوحة للجميع، وسبق أن نظّم يوماً وطنياً للمصالحة، ولا يمكنه أن يعيد اختراع العجلة".

أكد إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، في تصريحات صحافية، أنه لم يكن يرغب في ولاية ثالثة على رأس الحزب.

لكن الحسن أشهبار، أستاذ القانون العام في جامعة شعيب الدكالي، رأى في تصريح لرصيف22، أن مثل هذا الخطاب لا يمكن أن يقبل به في حال من الأحوال في الوقت الحالي، بعدما تغيّر مفهوم الحزب، ولم يعد تلك المؤسسة الراديكالية التي تنتصر للمبادئ المؤسِّسة له، ولا تنفتح على التحارب الحزبية المقاربة.


وأكد أن لشكر، حاول "أن يضمن لنفسه سبل الفوز في انتخابات الكتابة الأولى للحزب، وقد أفلح في ذلك إلى حد بعيد، خاصةً أنه عدّ أن جائحة كورونا كظرفية استثنائية، تعطيه الحق للمطالبة بتعديل القانون الأساسي للحزب".

وأضاف أن الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دعا إلى تعديل القانون الأساسي للحزب، حتى يتسنى له الترشح لولاية ثالثة، مبرزاً أنه لم يقُم بذلك إلا بعد "صياغته مجموعةً من الحجج التي هدف من خلالها إلى صبغ الشرعية على طلب التعديل".

وشدد أستاذ القانون العام، على أن إدريس لشكر، يريد أن تبقى الأمور على ما هي عليه داخل الحزب، على مستوى الأطر الحزبية الحالية، لكي تبقى هي السائدة، مؤكداً أن التصرف "يتعارض مع منطق تجديد النخب الحزبية، وإعطاء نفسٍ جديد للممارسة داخل الأحزاب، من خلال إعطاء الفرصة للشباب والنساء، وكذلك جعل معيار الكفاءة شرطاً أساسياً لولوج الوظائف والمناصب داخل الحزب".

مؤتمر بطعم الانسحاب

لعل أبرز ما ميّز المؤتمر الحادي عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، هو انسحاب جل المرشحين من سباق الكتابة الأولى لحزب الوردة.

وفي هذا الإطار، قاطع كلٌّ من عبد الكريم بن عتيق، الوزير السابق، وحسناء أبو زيد، البرلمانية السابقة، أشغال المؤتمر الحادي عشر، وذلك بعد رفض المحكمة الابتدائية في الرباط، طلب تأجيل انعقاده، فيما أعلن كل من شقران أمام، ومحمد بوبكري، سحب ترشيحيهما بدعوى أن الصراع حُسم لصالح إدريس لشكر، لأن تياره اختار مؤتمرين على القياس.

كما كان منتظراً، نجح إدريس لشكر، في العودة إلى زعامة حزب الاتحاد الاشتراكي، أكبر أحزاب المعارضة في المغرب، بعدما تمكن تياره من هزم خصومه بعد تعديل القانون الأساسي للحزب. "الزعيم" يخلف نفسه

وفي تصريحه لرصيف22، أفاد شقران أمام، بأنه سحب ترشيحه لأنه لا يمكنه أن يتناقض مع المواقف التي عبّر عنها بخصوص تعديل القانون الداخلي، والذي أعيد على إثرها انتخاب الكاتب الأول.

وأضاف: "أرى أن التعديل غير قانوني، وانسجاماً مع هذا الموقف، وفي غياب ظروف التنافس الشريف، قررت الانسحاب، لأن مالية الحزب وجميع إمكاناته، تصبّ في اتجاه فوز مرشح وحيد، ولتمكين إدريس لشكر، من الولاية الثالثة".

وأردف موضحاً: "بسبب غياب تكافؤ الفرص، لم يكن ممكناً استمرار ترشحي، لكيلا أعطي شرعيةً لشيء غير شرعي".

وفي الوقت الذي أكد فيه المحامي في هيئة الرباط، أنه سيواصل النضال من داخل حزب القوات الشعبية، وفق ما أسماه "اقتناع مؤسَّس على قيم حزبي الذي أعتزّ بالانتماء اليه ومبادئه، والإخلاص لرموزه التاريخية ومرجعياته التأسيسية وأفق نضاله والتزامه الشعبي"، فقد كشف في بيان انسحابه من سباق الكتابة الأولى، أنه اتخذ هذا القرار في ظل ما عدّه "غياب أدنى مقومات التنافس الشريف".

من جهته، اتّهم القيادي الاتحادي محمد بوبكري، إدريس لشكر، بتزوير أشغال المؤتمر الحادي عشر للاتحاد الاشتراكي، إذ أكد في بلاغ، أنه "ما دام الزعيم قد قام بتعيين المؤتمرين، وانتقل بعد ذلك إلى تعيين أعضاء المجلس الوطني، ومجالس الجهات، فإن ذلك سيمكّنه من التحكم بتعيين أعضاء المكتب السياسي. تبعاً لذلك، فإن هذا المؤتمر مزوّر، ولا شرعية له، لأنه بُني على التزوير، ما جعل نتائجه باطلةً".

أما عبد الكريم بنعتيق، الوزير الأسبق، فقد كان يراهن على القضاء لتأجيل المؤتمر الحادي عشر، الأمر الذي لم يتحقق، فقرر بدوره الانسحاب، مشدداً في بيان على أنه فوجئ بعد مدة طويلة من المرافعات والدفوعات القانونية، برفض المحكمة لطلب تعليق أشغال المؤتمر".

النص القانوني لا يكفي

وفي معرض تعليقه على الصراع الذي ينشب بين قيادات الأحزاب مع تنظيم المؤتمرات، أو عند كل محطة انتخابية، أكد أشهبار، أن انتخاب هياكل الأحزاب، سواء على المستوى الترابي أو المركزي، تتخلله مجموعة من المظاهر التي تسيء بشكل كبير إلى فلسفة الممارسة الحزبية بشكل عام.

وأضاف أنه كلما اقتربت المؤتمرات الوطنية للأحزاب، أُطلق العنان لمجموعة من الاتهامات والاتهامات المضادة، من خلال سعي المرشحين إلى اتهام المرشحين الآخرين، ونعتهم ببعض النعوت التي تسيء بشكل كبير إلى الأداة الأساسية للممارسة الديمقراطية بالنسبة إلى كل الدول، والمتمثلة في الأحزاب.

كما كان متوقعا انتخب ادريس لشكر لولاية ثالثة بعد تعديل قوانين حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي. عودة "الزعيم" تطرح تساؤلات حول العمل الحزبي وحول صراع المواقع في التنظيمات الحزبية المغربية والتشبت بالكراسي

ويرى الخبير القانوني أن المغرب ساهم في صياغة مجموعة من القوانين التنظيمية المتعلقة بالأحزاب، وأن كل قانون تنظيمي يأتي بمجموعة من المستجدات، التي تهدف إلى تخليق الممارسة الحزبية، والتأصيل لديمقراطية حقيقية، تفضي إلى إنتاج نخب حزبية تتميز بالكفاءة والقدرة على المساهمة في الورش الديمقراطية، خاصةً أن من وظائف الأحزاب الأساسية الوصول إلى تدبير الشأن العام.

لكنه خلص إلى أنه لا يمكن للنص القانوني وحده أن يغيّر هذا الواقع الحزبي المتردي، وأن يؤدي إلى إنتاج أحزاب ديمقراطية حقيقية في ظل غياب الوعي على مستوى مكونات الأحزاب وأطرها، بضرورة تغيير العقليات، من خلال السهر على تنظيم انتخابات شفافة وذات مصداقية تفرز وصول نخبة حزبية قوية ذات بعد إستراتيجي وذات قدرة على تطوير الأحزاب، والسير بها نحو احتلال المراتب الأولى، خاصةً خلال الانتخابات التشريعية، لأن المنافسة الحزبية قائمة على أساس أن تتوفر في مرشحيها للانتخابات مجموعة من الشروط، كالكفاءة والنزاهة واحترام مبادئ الحزب والفلسفة التي يقوم عليها.

تمديد مبرّر؟

بالنسبة إلى أنصار لشكر، فإن التمديد نابع من قوانين الحزب. وفي تصريحها لرصيف22، كشفت حنان رحاب، المحسوبة على جناح لشكر، أن المجلس الوطني للحزب، لم يصادق على أي تعديل مرتبط بمؤسسة الكتابة الأولى للحزب، موضحةً أن ما وقع، هو "أن القانون الأساسي للحزب كان يمنح لأعضاء مكاتب الفروع والمكاتب الجهوية وغيرها من الأجهزة حق العضوية لثلاث ولايات في المكتب، وولايتين على رأسها، وبسبب جائحة كورونا والسنة الانتخابية، التي لم تسمح بتجديد الأجهزة القاعدية والقيادية، أُجري تعديل في القانون الأساسي يجعل الثلاث ولايات تنسحب على العضوية في المكاتب، وفي رئاستها، وتم تعميم الأمر على كل الأجهزة".

وأضافت عضوة المكتب السياسي للحزب، أن ما يحصل اليوم داخل الحزب، مجرد نقاشات عادية جداً، مبرزةً أنها قد تكون حادةً أحياناً، وقد تكون متخللةً أحياناً باتهامات لا سند لها، وتحرّكها طموحات للوجود داخل الأجهزة الحزبية.

وأضافت في تصريحها لرصيف22، "إذا استقرأت تصريحات الأخوات والإخوان الذين يصرحون بمعارضتهم للقيادة الحالية للحزب، لن تجد عندهم تصوراً للمرحلة أو للخط السياسي أو للتحالفات أو لقراءة المرحلة، مختلفاً عما هو موجود في تصريحات قيادة الحزب، أو مشاريع أوراقه للمؤتمر، أو برنامجه الانتخابي، وهو ما يبيّن أن كل ما يحصل مرتبط بالتمثيلية داخل الأجهزة، وبطموحات شخصية تبقى مشروعةً إذا اقترنت بالعمل الميداني داخل أجهزة الحزب واحترام أخلاقيات تدبير الاختلاف".

وأردفت رحاب أن حديث البعض عن الانشقاق في حزب الوردة، فيه مبالغة.

مستقبل الحزب

بدأ صيت حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالخفوت، وتراجعت قوته الاجتماعية، نتيجة مجموعة من المشكلات بعد الانشقاقات الداخلية والتدبيرية والصراع على مناصب المسؤولية داخل الحزب.

فكل هذه النقاط، كان لها وقع سلبي بالنسبة إلى أهمية الحزب داخل المجتمع المغربي، وكذلك مصداقيته، التي بدأت تتعرض للمساءلة، بسبب انزياح الحزب عن فلسفته الأصيلة.

ويرى أشهبار أن هذا التخبط على مستوى الخط الأيديولوجي للحزب، بدأ في مرحلة تدبير الاتحاد للشأن العام، عندما كان يرأس الحكومة في عهد عبد الرحمن اليوسفي، وقاد مجموعةً من القطاعات الوزارية، أثارت مجموعةً من الانتقادات، وطرحت تساؤلاً حول "هوية الحزب وهل هي هوية اشتراكية حقيقية، أم هي اشتراكية اجتماعية، أم أن الأمر يتعلق بحزب ليبرالي؟".

إذاً، فسياسة الحزب ومشكلاته الداخلية، وغياب الديمقراطية الداخلية داخله، وسيطرة بعض الوجوه على قرارات الحزب، وغياب ثقافة تجديد النخب داخله، أدت حسب أشهبار إلى فقدان الثقة فيه، وتراجع شعبيته وقوته الجماهيرية.

وخلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، قام الحزب باستقطاب وجوه بعيدة كل البعد عن مبادئه، وعن قواعده، ورسّخ وكرّس تلك الصورة التي كانت سائدةً عند عموم الطبقات الاجتماعية، بأن هذا الحزب أصبح نخبوياً يستعين هو الآخر بالأعيان، ويبحث عن بروفايلات سياسية فحسب بإمكانها أن تضخ دماءً جديدةً فيه، بل كان يبحث عن وجوه انتخابية ينظر إليها كأصوات وليس ككفاءات بإمكانها أن تعيد الحزب إلى مجده السياسي وتوهجه.

ونبّه شقران أمام، الرئيس السابق للفريق النيابي في البرلمان، في حديثه إلى رصيف22، إلى أنه ليس ضد انفتاح الحزب على كفاءات جديدة ومناضلين جدد، مبرزاً أن هذا الأمر، "جيد ومفيد"، لكنه ضد أن يصبح الوافدون الجدد "مبرراً لإقصاء المناضلين، وتعويضهم بأشخاص لا يحملون أحياناً حتى مبادئ الحزب وقيمه، ويتم إنزالهم في المؤتمر للتحكم بنتيجته.

وأكد المتحدث أن هذا "غير مقبول، لأن فيه إقصاءً لمجموعة من المناضلين في أقاليم عدة، لفائدة أشخاص لم يلتحقوا بالحزب إلا قبل أسابيع قليلة".

وأضاف أن المطلوب من الاتحاديين الذين يدافعون عن الفكرة الاتحادية الأصيلة، "أن يكون لديهم النفس الطويل"، لأن هذه المرحلة حسب تعبيره، "بمثابة مرحلة جزرٍ ستجعل الحزب مستقبلاً يعود إلى وهجه، وقاطرته إلى سكتها الأصلية". فهل يستطيع لشكر في الولاية الثالثة، أن يعيد للاتحاد هالته التي كانت لدى المغاربة زمن جيل المؤسسين الكبار؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard