سيخرج ريان من حفرته ونبقى نحن في فخ "المزايدة" و"الأنانية"

السبت 5 فبراير 202207:05 م

تخيّل أن طفلاً في الخامسة من العمر يقبع في بئر ماء عميقة (نحو 32 متراً)، وضيقة، بالكاد يعُدّل وضع جسده فيها، لنحو أربعة أيام متتالية (نحو 90 ساعةً)، وحيداً في الظلام، وفي البرد بلا غطاء، ومن دون أم أو ونيس، وكذلك بلا طعام أو شراب لفترات طويلة، علماً أن جراحه الناتجة عن سقوطه هذه المسافة الكبيرة لم تُطبَّب بعد.

تخيّل مع هذا أن الكثيرين "يحسدونه" على "الاهتمام الإعلامي الواسع" بمحاولات إنقاذه، و"توحّد العالم العربي" في الدعاء إليه والتعاطف معه! بل ويرونه "أفضل حالاً" من أطفال المخيمات والنازحين في سوريا واليمن وفلسطين، بينما يتسابق آخرون على بث أخبار كاذبة عن مصيره من أجل "اللايك والشير".

منذ عصر الثلاثاء 1 شباط/ فبراير، علق الطفل المغربي ريان في ثقب مائي قريب من منزله، في مركز تمروت، في مدينة شفشاون (شمال المغرب)، وتستمر محاولات إنقاذه حتى لحظة نشر هذه السطور.

أكبر خطر هدد المراحل الأخيرة من عملية الإنقاذ كان، حسب مصدر محلي لجريدة "هسبريس" المغربية، "خطر الإغماء بسبب ضعف الأوكسجين داخل الثقب"، الذي حُفِر للوصول إليه، فما بالك بالطفل الذي عاش بالفعل داخله لأيام وليالٍ متتالية؟ تلفَتْ أعصابنا ونحن نتابع تطورات عملية إنقاذه فحسب، فكيف هو؟

"محظوظ" بالاهتمام الإعلامي؟

عبر وسم #أنقذوا_ريان، آلاف التغريدات المتعاطفة مع الطفل المغربي والمتضامنة مع جهود إنقاذه (نحو 250 ألف تغريدة حتى كتابة المقال)، من جميع الدول العربية، بالإضافة إلى آلاف المنشورات المماثلة خارج الوسم، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، وعشرات التقارير الإعلامية في جميع أنحاء العالم.

هذا الزخم الإعلامي والشعبي مع طفل يواجه مأساةً يفوق احتمالها خيال أي بالغ منّا، فضح الكثير من المزايدين ودعاة الفضيلة الذين لا يعون في أعماقهم أن التضامن الإنساني لا ينبغي أن يتجزأ، وأنه لا يقبل المزايدة والمقارنة أصلاً.

الزخم الإعلامي والشعبي مع طفل يواجه مأساةً يفوق احتمالها خيال أي بالغ منّا، فضح الكثير من المزايدين ودعاة الفضيلة الذين لا يعون في أعماقهم أن التضامن الإنساني لا ينبغي أن يتجزأ، وأنه لا يقبل المزايدة والمقارنة أصلاً

ذهب بعضهم ليلوم المتضامنين مع ريان على عدم التضامن بالقدر نفسه -حسب زعمهم- مع أطفال فلسطين وسوريا واليمن المشردين في الخيام. وقرأنا عباراتٍ مثل "كم من ريان في العالم العربي؟"، و"أطفال المخيمات جميعهم ريان"، "اعتبرهم ريان وتضامن معهم"... إلخ. كما وقع إعلاميون، وحقوقيون حتى، في هذا الفخ... فخ المزايدة والتسلق على قضايا الآخرين.

من هؤلاء، الإعلامي فيصل القاسم الذي قال عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي: "كم أنت محظوظ يا ريان. وسائل الإعلام كلها تتابع محنتك لحظة بلحظة. نحن نتمنى لك النجاة من أعماق قلوبنا، لكننا نغبطك أيضاً على هذا الإعلام العالمي بقصتك، بينما يعيش ملايين الأطفال السوريين واليمنيين وغيرهم، في أسوأ ظروف بشرية، في الخيام والعراء بلا طعام كافٍ ولا تدفئة ولا عناية، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء".

عقب هجوم شديد عليه، حذف الإعلامي تغريدته. لكنه عاد ونشر منشوراً بالمعنى نفسه تقريباً، مانعاً خاصية التعليق عليه، ما يعكس إصراراً على مضمونه. كتب: "لا بأس أن تحثّوا الإعلام العالمي على أن يهتم بأطفال سوريا وفلسطين واليمن والعراق، لكن يجب على الجميع أن يؤازر أيضاً عائلة الطفل المغربي ريان، ويشكر جهود الذين يحاولون إنقاذه بكل الوسائل... القضايا الإنسانية لا تتجزأ".

لست أفهم في حقيقة الأمر إن كانت "المعاناة" قدراً محتوماً على الأطفال العرب، لكن المؤكد أنه لا ينبغي أن يعاني أي طفل في أي مكان في العالم ما يعانيه ريان، أو أطفال اللاجئين والنازحين.

وعوضاً عن "غبطة" ريان، والدعوة إلى التعاطف مع أطفال المخيمات، كان أحرى بالمزايدين مثلاً، المطالبة بوقف معاناة جميع الأطفال. خلف ستار "الإنسانية لا تتجزأ"، تجرّدوا هم من الإنسانية، وميّزوا بين معاناة أطفال جميعهم في أشد الحاجة إلى كل تضامن.

ومما يفضح خبث هذه المقارنة بين وضع ريان، وما يلاقيه أطفال المخيمات، هو تضامن أطفال يواجهون ويلات الحروب والاحتلال وتداعياتهما في سوريا وفلسطين ومناطق أخرى، مع ريان، وأمنياتهم ودعواتهم لأن يخرج في أسرع وقت حيّاً معافى.

وهو أمر ليس بالغريب، فأكثر من يتعاطف مع المتألم من ذاق الألم نفسه. كما شاهدنا في تسابق فلسطينيين، بمن فيهم لاجئون، يتبرعون لصالح لاجئين سوريين في الآونة الأخيرة. مع ذلك، لا يُنكر وجود بعض "الأنانيين المتسلقين على قضايا الآخرين" في سوريا وفلسطين وغيرهما.

محنة ريان أظهرت أسوأ ما فينا، كما أظهرت أفضل ما فينا، وأوقعتنا جميعاً في حفرة أيضاً...

جنون "الريتش"

في سياق آخر، ووسط مشاعر الخوف والترقب والقلق على مصير الطفل المغربي، وجد البعض ممن يعانون "هوس اللايك والشير"، فرصةً سانحةً في التعاطف الكبير مع ريان، ومع المشهد المؤلم لوالدته وإخوته وهم يفترشون الأرض قرب الحفرة التي سقط فيها، لحصد المشاهدات والتفاعل.

راح بعضهم يروّج أخباراً وصوراً ومقاطع كاذبةً ومفبركةً، بعضها يدّعي أنه خرج، والبعض الآخر يزعم توقف أنفاسه، لا قدر الله، وكل همهم في ذلك كسب التفاعلات. لا يهمهم في أي حال القلوب التي تكاد تتوقف وهي تراقب المشهد آملةً أن تنتهي الأزمة بخبر مفرح. هؤلاء أيضاً ليسوا أقل أنانيةً وخبثاً واستشرافاً، أو أكثر إنسانيةً.

ولم يخلُ الأمر ممن يسأل: "هل هو مسلم حتى ندعو له؟". واستغل البعض الحادثة لأغراض خبيثة، فاتهموا السلطات المغربية بالتخاذل أو التخلف من حيث معدات الإنقاذ أو سياساته، وهو ما نفته مصادر عديدة تحدثت عن تعقّد الأمر بسبب الخوف من حدوث انهيارات في التربة من شأنها أن تؤذي الطفل.

بالأحرى أقول إن محنة ريان أظهرت أسوأ ما فينا، كما أظهرت أفضل ما فينا، وأوقعتنا جميعاً في حفرة أيضاً... هذه الحفرة هي حقيقتنا كشعوب منقسمة في ما يتعلق بالإنسانية والتعاطف، بين فئة تتضامن بتجرد وبشكل غير مشروط مع حقوق الإنسان، وفئة تُفاضل بين المآسي الجماعية والمعاناة الفردية وتحسبها بالكم، وأخرى أنانية لا ترى إلا مصلحتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard