شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
جامع يدخله المسلمون واليهود وقلب الذئب يؤكل... أسرار مدينة تستور التونسية

جامع يدخله المسلمون واليهود وقلب الذئب يؤكل... أسرار مدينة تستور التونسية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

الخميس 3 فبراير 202207:17 م

فاتنة وساحرة ولم تبح بكل أسرارها بعد، من يسكن روحها لا بدّ له أن يعتنق زمنها هي لا زمننا الذهني الذي نعيش، ومن يتأمّل حتى تفاصيلها الحزينة يدرك أنّها لم تفقد غريزة الرغبة في الجمال وحرارة محبّة الحياة بكل ألوانها وألحانها.

ترتّل شعراً وتغنّيه "مالوفاً"، وترتدي "الحايك" فستاناً، وتتعطّر بـ"البهيرة" أو أزهار النرجس، وتجلس على الربوة شامخة كأنها تقول: يحدث أن تكون قلوبنا كما لو أنّها من أجسادنا أخرجت وطردت وهجّرت قسراً وأجسادنا خلقناها نحن هنا مرّة أخرى فكانت الجميلة تستور أو تيشيلّا جسداً بأرواح متعّددة.

تستور، أرض أجدادي، مدينة تونسية تفترش هضبة في حوض مجردة شمالي البلاد، تبتعد قرابة 76 كم عن العاصمة تونس، سمّاها الرومان تِيشيلّا Tichilla، ويقال إنّ أصل التسمية تعود للوبيين، وهم السكان الأوائل لتونس وأطلقوا عليها اسم تِيشيلّا أو تيكيلا، أو العشب الأخضر، لكونها تلامس وادي مجردة، الذي يغدق سهولها في فصل الأمطار، ما يجعلها أرضاً خصبة ومطمورة للخيرات لا تنضب.

على أطلالها الممتدّة على طريق قرطاج تبسة لم يبق من ملامحها الرومانية سوى آثار السور والطاحونة على مجردة، وهناك أسس الأندلسيون المهاجرون أو المهجّرون قسراً عام 1609 مدينة تستور، لتكمل دورة حياتها كفراشة ملوّنة مضيئة خرجت من شرنقتها.

في هذه المدينة فقط يصدق سكانها رواية وحيدة لسرّ هذه الساعة، رواية يقولها الأجداد بنبرة تختزل معاناة الأندلسيين من جور من هجّروهم

قيل إنّ تستور أو "تازاتور" باللغة القشتالية التي كان يتكلّمها الساكنون الجدد تعني البرج الشامخ. تختلف الروايات وبعضها يتقارب، عن أصل التسمية، ولكن الرواية التي لا يختلف فيها اثنان أنّ روح الأندلس لغة وأدباً وفنوناً وعادات وتقاليد بُعثت من جديد في أرض خضراء تمشّط خصلات شعرها مياه وادي مجردة، في امتداد لاخضرار أرض الأندلس، أرض الحنين.

سرّ الزمن التستوري أو الساعة اللغز

يبدأ هذا الحنين للأرض الأولى عندما نلاحظ أن الزمن في هذه المدينة غير زمننا الذي ندرك. يبدو الأمر خيالياً إلى أبعد الحدود أن نرى ساعة صومعة الجامع الكبير بتستور لا تشبه أيّ ساعة رأيناها في الحياة. تتربّع الساعة على صومعة الجامع المختلفة بزخارفها وأشكالها ونقوشها الرخامية ونوافذها المصنوعة من القرميد الأخضر والخزف المزركش بالألوان والنجمة السداسية تتوسط كل ذلك، وطيور اللقلق تطوف بالصومعة وتسكنها ما لم تكن مهاجرة.

هذا الطائر يشبه أهل تستور وساعتهم إلى حدّ بعيد إذ يقال إنه طائر وفيٌّ ومحبّ للمكان الذي يعيش فيه، إذ يعود إليه كلما مرّ مُهاجراً من فوقه، على ساعة تطلّ بعقاربها على أرض الأندلس البعيدة وكأن لسان حال تستور يقول: سأعود يوماً، دون أن ندري أنّها أعادت الزمان والمكان ولم يبق غير التاريخ شاهداً على خلقها الجديد بكل قصصه وأسراره.

كما لا تغادر صلوات أهل تستور جامعه الكبير، فإن حبّهم للغناء لا يغادر مجالسهم وسهراتهم وملتقياتهم

ساعة أنشأها المهندس الأندلسي محمد تغرينو عام 1630 م، أو ساكن تستور الجديد، في أعلى صومعة الجامع الكبير التي تشبه بدورها أبراج الأجراس الأراغونية الموجودة في جنوب إسبانيا، بناها المهندس بشكل جعل من عقارب الساعة تدور عكس الساعات العادية، أي من اليمين إلى اليسار، وتعتمد في آن ترتيب الأرقام نفسه للساعات المألوفة أو كأنها تدور أيضاً بنفس مسار دوران الدم في جسم الإنسان، وكلّما دقّت الساعة ينبض القلب حنيناً وشغفاً لحكاية لا يعلمها إلا أهل تستور.

في هذه المدينة فقط يصدق سكانها رواية وحيدة لسرّ هذه الساعة، رواية يقولها الأجداد بنبرة تختزل معاناة الأندلسيين من جور من هجّروهم: الزمن سيعود إلى الوراء ويرجع المهجّرون إلى أرض الأندلس يوماً ما. ربما لم يعرف أجداد الأجداد في ذلك الوقت أنّ الأندلس ولدت من جديد وبهيئة جديدة وكانت تتجمّل في كل مرّة وتصبغ شفاهها بأحمر "القرمود" أو "القرميد".

حكاية أحمر شفاه تستور

"القرمود" هو عبارة عن قطع من الطّين المعالج بالنار، وكأنه أنبوب مقسوم إلى شطرين، يشكّل أسطح أبنية تستور ما يمنع تراكم الثّلوج عليها، وما يجعل المدينة حيّة نابضة لا تتخلّى مطلقاً عن أحمر شفاهها.

طريقة صنع هذا "القرمود" وأسرار هذه الحرفة التقليدية ظلّت حكراً  على عدد قليل جداً من مالكيها القدامى من أصل أندلسي، ما يجعلها مهدّدة بالاندثار في غياب سياسة للدولة واضحة المعالم لحماية وتأمين تراثها المتعدّد المتنوّع، ولمصالحة الإنسان مع تاريخه وماضيه وجيناته وتركيباته ومكوناته، فتستور كما تونس تمتلك رصيداً متنوعاً متعدداً يمكن اعتماده كمنطلق للابتكار والتجديد لتكريس المقروئية المعرفية والاقتصادية لإدماج التراث بمختلف مكوناته وعناصره المادية وغير المادية والبيئية في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.

تستور المتسامحة

جمال الجامع الكبير بتستور، والذي يتربع وسط المدينة العتيقة ويتجمّل بفن العمارة الأندلسية، لا يقف عند ساعته الفريدة من نوعها في العالم، تلك الساعة الميكانيكيّة الإلكترونية التي تعدّلها الأقمار الصناعية بصفة أوتوماتيكيّة، والتي تحوّلت إلى مزار سياحي، ومبحث لمئات العلماء لفكّ ألغازها وأسرارها ونظام تشغيلها المعقّد، بل نراه ونتلمسه في سرّ آخر يعكس مدى تسامح سكانها وتقبلهم لبعضهم البعض واحترامهم للاختلافات، فعلى جامع تستور يمكن أن نرى باباً منقوشاً عليه نجمة خماسية يدخل منه المسلمون للقيام بصلاتهم، وباب آخر منقوش عليه نجمة سداسية يدخل منه اليهود عند صلاتهم، قيل إنّ المسلمين واليهود الهاربين من جحيم تهجريهم بنوا مكاناً واحداً للعبادة واقتسموه فيما بينهم، فقد تركوا كل ثرواتهم وأموالهم في أرض الأندلس.

تستور تغني المالوف

وكما لا تغادر صلوات أهل تستور جامعها الكبير، فإن حبّهم للغناء لا يغادر مجالسهم وسهراتهم وملتقياتهم، فعندما ننادي تستور يرجع إلى آذاننا صدى الشعر وارتعاشة النظم وهيبة الموشحات والأزجال والدوبيت والقوما الأندلسية، في مزيج عبقري بين المكونات الموسيقية المحلية وبين الموسيقى التي حملت في الأفئدة من أرض الأندلس.

إنها صارت تسمّى "المالوف" الذي يعتبر عموداً من أعمدة الترات الموسيقي التونسي، فستور أو "مدينة المالوف"، كما يحلو للبعض تسميتها تكابد وتجاهد للحفاظ على طابعها الموسيقى المتفرّد من خلال مجتمعها المدني وحفّاظ المالوف وفي ظل تراخي وغياب الدولة التي لم تستطع أن تلملم شتات تراثها المادي واللامادي في كل مكان.

حكايات تستور وأسرارها لا تنتهي ولا يمكن أن نختزلها هنا، فهي بحر من الروايات لا ينضب وحكايات شيّقة تخبرها الجدات وتختزلها أساطير تحوم في سمائها

طبعاً لا يمكن أن نختزل بحار المالوف بقطرات من الحبر هنا، ولكن المالوف والغناء محطّة لا بدّ منها عندما نتحدّث عن تستور؛ لا بدّ أن نتحدّث عن دار مارغريت مسيكة، المعروفة بـ"حبيبة مسيكة"، الفنانة اليهودية التستورية المولودة في أول القرن التاسع عشر من عائلة يهودية أندلسية، الفنانة التي لا يمكن أن ينساها أيٌّ من أهل تستور أو تونس، والتي التقت في عشرينيات القرن الماضي بالرسام الإسباني الشهير بابلو بيكاسو، الذي انبهر بها وتواعدا على اللقاء في تونس وإسبانيا، غير أنها رحلت في حكاية مأساوية قبل بلوغها سنّ الثلاثين بثلاثة سنوات.

من العادات المنسية الساحرة

وإلى اليوم في الأفراح والمسرات، وكلما التقت التستوريات، لا بدّ لهن أن يغنين ما حفظنه عن الأجداد والجدات، يرتدين الحايك، وهو لباس تقليدي تستوري من أصل أندلسي، حافظ سكان تستور على أسرار حياكته ولم يبدّلوا لونه الأبيض بلون آخر، تتدثر به العروس أيضاً ووصيفاتها في ذهابهن للحمام، وتحرص كل أمّ تستورية على أن تهدي حايكها إلى ابنتها حيث ينتقل من الجدات إلى الحفيدات.

عند اكتمال القمر تختار التسوريات أن يحففن من شعورهن ولا يرمين ذلك الشعر إلا في ماء يجري

وللتستوريات حكايات ساحرة لا تعرفها إلا المرأة التستورية، وهي بمثابة طقوس تقوم بها بعيداً عن أعين الرجال. لا أعرف لماذا بعيداً عن أعين الرجال صراحة، ولكن هذه الطقوس لا تكتمل إلا بوجود النساء فقط؛ مثلاً عند اكتمال القمر تختار التسوريات أن يحففن من شعورهن ولا يرمين ذلك الشعر إلا في ماء يجري، بالأحرى في وادي مجردة أو أجنحة تستور الخظراء، فالشعر مقدّس لا يرمى في أي مكان.

كذلك عندما تبلغ الرضيعة أسبوعها الأوّل تضعها والدتها في إناء ماء كبير وتضع معها كلّ حليها من الفضة، وحلي خالاتها وعمّاتها وقريباتها وأكثر من ذلك تضع والدتها العسل عليها، وتبرّر الأمهات هذه العادة أنّ بناتهن سيكون سعودهن أو حظوظهن وفيرة، ويكون لديهن القبول والمحبة لكل من يراهن.

ولعلّ حكاية قلب الذئب هي الأطرف في كل هذا، فبعض العائلات تحرص على أن تأكل ابنتها أو حتى أولادها صغاراً قلب ذئب. نعم كذلك. ليس رغبة في اصطياد الذئاب وانتزاع قلوبها لصالح الأبناء، ولكنّ الأسطورة تقول إنّ من يأكل قلب الذئب سيكون وفياً لقلبه من الخوف، ووفياً لوطنه وحامياً مخلصاً له، وسيكتسب كل صفات الذئب البهيّة.

حكايات تستور وأسرارها لا تنتهي ولا يمكن أن نختزلها هنا، فهي بحر من الروايات لا ينضب وحكايات شيّقة تخبرها الجدات وتختزلها أساطير تحوم في سمائها، وإن غادرناها لا بدّ أن نعود إليها كما يعود طائر اللقلق إلى تستور كل عام.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard