عُزّل يطاردون الإرهابيين... حين يواجه المدني التونسي المسلحين بصدرٍ عارٍ

الخميس 3 فبراير 202206:14 م

ككل يوم جمعة، التقيت بحبيبتي ميساء في شارع الحبيب بورقيبة، لنحتسي فنجان قهوة ينسينا ضيق أسبوع بأكمله من العمل المضني. وبينما كنت أتأمل بخار قهوتي المتصاعد، وأستمتع بسيجارة، إذ بحركة وضوضاء تسودان الشارع، لم أفهم مصدرهما. مواطنون يركضون في اتجاه واحد، ركضت معهم علّي أظفر بمعلومة تشفي فضولي، فإذ برجل يحمل "ساطوراً وسكيناً"، ويتجول وسط الشارع ذهاباً وإياباً، وسط هتاف المتجمهرين. بدا لي وكأنه غليان، ولم يرسخ في ذاكرتي المشوشة آنذاك.

هكذا يحكي لنا حاتم، الشاب العشريني عمّا عاشه ولن ينساه زمناً طويلاً. "انطلقت راكضاً في محاولة بائسة لتوثيق ما يحدث؛ تارةً أقفز على الحواجز لأرى عن كثب، وتارةً أعود إلى حيث كنت، بعيداً عن مسرح الحادثة. راودتني فكرة أن أركض وراء "المجرم"، لكني عدلت عنها، فهل بهذا الجسد النحيل المنهك سأواجه مسلّحاً؟ لكن لا بأس بالهتاف مع المجموعة، لإرباكه ودعم الوحدات الأمنية معنوياً".

قصص متشابهة

حاتم من ضمن عشرات التونسيين الذين ركضوا وراء "إرهابي شارع الحبيب بورقيبة"، بكل شجاعة، ولم يتوانوا ولو لدقيقة في الذود عن وطنهم والصدح بأعلى أصواتهم: لا للإرهاب، في مشهد يؤكد للعالم بأسره أنه لا وجود لحاضنة شعبية للإرهاب في تونس.

وقد لعب المواطن التونسي دوراً معنوياً مهماً في الحرب على الإرهاب، بالتوازي مع مجهودات الدولة في مكافحة العمليات الإرهابية، والقضاء على مرتكبيها. 18 أيار/ مايو 2011، هو تاريخ أول حادثة إرهابية شهدتها تونس بعد الثورة، وراح ضحيتها عنصران من الجيش الوطني، فيما تم القضاء على إرهابيين، والقبض على آخرَين حوكما بالسجن لمدة 20 سنةً. "حادثة الروحية" تلتها العديد من العمليات المسلحة، تصدت لها قوات الجيش ووحدات الأمن التونسي بكل بسالة، كما سجل المواطن التونسي الأعزل حضوره في ساحة المواجهة، بدافع الحماسة، بينما كان الرصاص ينطلق من كل جهة، ولعلّ "ملحمة بن قردان"، خير دليل، والشاهد الأبرز على هذه الشجاعة، يوم اختلطت دماء القوات المسلحة بدماء المدنيين.

"ها هُم هنا" كانت كفيلةً بأن توجه جحافل الحاضرين إلى المكان المشار إليه من دون خوف من عواقب تقفّي إرهابيين مسلحين، فسلاح المواطنين العُزّل كان حب الوطن

ويُعدّ يوم 7 آذار/ مارس 2016، يوماً فارقاً في تاريخ تونس، تمكنت فيه القوات المسلحة، بجميع أجهزتها، من التصدي لمحاولة إرهابيين السيطرة على مدينة بن قردان الحدودية، والقضاء خلال الملحمة التي امتدت طوال ثلاثة أيام، على 50 إرهابياً، فيما استشهد 12 عسكرياً و7 مدنيين.


يحكي لنا مصور صحافي، يفضّل عدم الكشف عن هويته، أنه فور انتشار خبر هجوم مسلحين داخل مدينة بن قردان، تم تكليفه بتغطية أحداث أصبحت تُلقّب بـ"الملحمة"، فلبّى نداء الواجب، ولم يتسنَ له حتى جمع أغراضه الشخصية.

تسلّح بالكاميرا والميكروفون فحسب، ليتوجه مع الطاقم الصحافي إلى المدينة التي تسلّل إليها مسلّحون تابعون لتنظيم "الدولة الإسلامية" في ليبيا، أرادوا إعادة المشاهد نفسها التي شهدتها الأخيرة، من انتشار للتنظيمات المسلّحة، داخل المدينة الحدودية، والسيطرة عليها. "استغرقت رحلتنا من تونس إلى بن قردان ست ساعات، خُيّل إلي أنها يوم بأكمله، إذ بدا لي وكأن عقارب الساعة بطيئة، والسيارة أشد بطءاً. كانت هناك حواجز أمنية في كل مكان، وتفتيش دقيق لكل سيارة تمر. كنت أظن أني متجه نحو مدينة مقفرة من سكانها، لكن ما راعني إلا أن طلقات الرصاص لم تثنِ سكان الجهة عن دعم القوات المسلحة التونسية معنوياً، والتواجد في ساحة المواجهة. كلمة "هام هنا"، أي أن الإرهابيين موجودون في هذا الاتجاه، كانت كفيلةً بأن توجه جحافل الحاضرين إلى المكان المشار إليه من دون خوف من عواقب تقفّي إرهابيين مسلحين، فسلاح المواطنين العُزّل كان حب الوطن".

يضيف الصحافي: "فور وصولي وفريق العمل مساء يوم 7 آذار/ مارس المشهود، كان الهدوء يخيم على المدينة، والقوات المسلحة التونسية مسيطرةً على الوضع. توجهنا نحو المستشفى الجهوي هناك، لمتابعة حالة ضحايا العملية الإرهابية الغادرة، كما تسنت لنا مواكبة عملية تصفية إرهابيين كانوا يتحصنون داخل منزل في الجهة، وأتذكر جيداً مشاركة الآلاف في تشييع جثامين ضحايا المواجهات الأمنية مع الإرهابيين. مكثنا في بن قردان أسبوعاً بأكمله، وأنجزنا العديد من الريبورتاجات مع مواطني الجهة، أكدوا فيها استعدادهم للدفاع عن الوطن من أيادي الغادرين".

ردّ تلقائي

يرى الخبير والباحث الأكاديمي في الجماعات الإسلامية، علية العلاني، أن الانخراط المعنوي للمواطن التونسي في الحرب على الإرهاب يرجع إلى العديد من العوامل، أبرزها اكتواء التونسي بالإرهاب سنواتٍ طويلةً، وتالياً أصبح رد فعله تلقائياً.

ويضيف في حديثه إلى رصيف22، أن مثل ردود الأفعال هذه تؤكد أن الثقافة المجتمعية مناهضة للإرهاب، وتنبذه، كما أنها مؤشر على تطور ثقافة المواطنة لدى التونسي، وضعف الحاضنة الشعبية للإرهاب، متابعاً: "على الرغم من أن حاضنة الإرهاب في تونس ضعفت مؤخراً، إلا أن هذا لا يعني أنها لن تعود مرة أخرى، إذا ما أصبح السلم الاجتماعي مهدداً، وضعفت هيبة الدولة، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، لأن الحاضنة الشعبية فيها جانب فكري وجانب آخر مادي".

"نموت نموت ويحيى الوطن"، هو بيت من النشيد الوطني الرسمي يُلقَّن للمواطن التونسي منذ نعومة أظافره، فيزرع فيه حب الوطن والاستعداد للتضحية في سبيله والتصدي لكل محاولات تخريبه. شعار يُردَّد في كل المناسبات الوطنية، وفي التدريبات العسكرية، وفي ساحات المواجهة، فيشحذ الهمم، ويربك الأعداء الذين يهابونه... شعار رددته نسوة بن قردان في فيلم "حارس الحصن 2"، للمخرج فتحي الناصري، وهو الفيلم الذي وثّق أحداث بن قردان، مقبرة تنظيم "داعش" الإرهابي الذي أراد تكرار سيناريو انتشاره في سوريا والعراق وليبيا.

ويحكي فتحي الناصري، وهو الآخر مصور صحافي من محافظة جربة، أنه تلقى يوم 7 آذار/ مارس 2016، اتصالاً هاتفياً من صديق له أخبره فيه بحدوث تبادل إطلاق للنار بين أمنيين ومجهولين: "حينها كنت بين خيارين، إما أن أخاف وأواصل نومي، وإما 'يكون عندي قلب'، وأؤدي مهمتي بأمانة. فأنا أعمل مع وكالات أنباء أجنبية ووسائل إعلام محلية".

كان الأهالي موجودين في كل مكان. كانوا يعرضون المساعدة، ويتطوعون للقتال جنباً إلى جنب مع الأمنيين. ذكرى ملحمة بن قردان

ويضيف محدث رصيف22: "لقد عملت في الصف الأول، وأنا من التقطت صورة أول شهيد سقط في المواجهات. كنا نصور الرصاص يُطلق من كل جهة في السماء، تحت جنح الظلام، ونتابع عن كثب، لكننا لم نكن ندرك ماذا يحصل، إلى أن انبلج الصبح، وأدركنا أنه عمل إرهابي".

وأكد الناصري أن قوات الأمن تمكنت من السيطرة على الوضع في غضون ساعة ونصف، فيما تواصلت المطاردات بحضور التونسيين الذين كلما سمعوا عن وجود إرهابيين، يركضون وراءهم: "كان الأهالي موجودين في كل مكان. كانوا يعرضون المساعدة، ويتطوعون للقتال جنباً إلى جنب مع الأمنيين، لكن الوحدات الأمنية لها إستراتيجية عمل تقتضي الحفاظ على سلامة المواطنين، لذا كانوا يحاولون قدر الإمكان إبعاد المواطنين عن مسرح الأحداث".

وفي ما يتعلق بالفيلم الذي أنتجه، يؤكد المصور الصحافي أن الفكرة راودته يوم الجنازة، يوم هبّ كم هائل من المواطنين إلى المقبرة، ففكر في إنتاج فلم توثيقي، واستعمل الأرشيف الذي في حوزته، وحرص على أن يكون الفيلم موثقاً للأحداث من دون إخراج ولا سيناريو ولا إعادة للأحداث، فأدرج فيه مقاطع الفيديو التي التقطها، وشهادات المواطنين، لينتج فيلمين: الأول سنة 2016، والثاني سنة 2020. فيلمان يوثّقان جزءاً من شجاعة التونسي الذي يواجه الإرهاب بصدرٍ عارٍ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard