"وفاة نقيب في الحرس الوطني بلّغ عن الفساد"... تعيد المخاوف على مصير المبلغين عن الفساد في تونس

الثلاثاء 18 يناير 202205:30 م

أعادت حادثة وفاة مثيرة للريبة، لنقيب في الحرس الوطني في تونس، وهو محسن العديلي، الإثنين 17 كانون الثاني/ يناير الجاري، إلى الواجهة الحديث عن حماية المبلّغين عن الفساد، إذ كان الرجل قد بلّغ عن وجود حالات فساد في إسناد رخص إلى سائقي التاكسي، فيما ربطتها أوساط سياسية بقضية القيادي في حركة النهضة، نور الدين البحيري، وهو ما رفضته الحركة الإسلامية في بيان نشرته الإثنين الماضي.

وأعلن الناطق باسم الحرس، حسام الدين الجبابلي، عن العثور على العديلي مشنوقاً، يوم الأحد الماضي في منزله، في حادثةٍ وصفها بـ"المسترابة"، مشيراً إلى أنه كان سيقدم اليوم الإثنين شهادته في إحدى قضايا الفساد في النيابة العامة.

وقالت الناشطة السياسية، فاطمة المسدي، موجهةً اتهاماتٍ ضمنيةً إلى النهضة، إن "العديلي كان سيشهد اليوم (الإثنين) ضد البحيري، فتحرّك الجهاز السرّي للجماعة، وتم اغتياله، رحم الله شهيد تونس"، حسب زعمها.

واستنكرت النهضة بشدة هذه الاتهامات أمس الإثنين، مشيرةً في بيانٍ إلى أن ''التحريض الذي يطال الحركة من قبل مجموعات وصفحات قد يكون مخططاً للإعداد لإعلان وفاة البحيري الموضوع قيد الإقامة الجبرية.

ورأت الحركة أنّ "آخر حلقات هذا التحريض، تتمثّل في محاولة الزجّ بالبحيري في قضية الوفاة المسترابة للنقيب في الحرس الوطني الذي عُثر عليه مشنوقاً داخل غرفته في منزل عائلته، والحال أنّ القضية مرتبطة بإسناد رخص التاكسي التي هي من مشمولات (اختصاصات) لجنة إدارية في الولاية، ولا علاقة للنائب نور الدين البحيري بها"، ودعا البيان وزارة الداخلية إلى التوضيح.

بالموازاة، أعلنت السلطات التونسية عن فتح تحقيق في الحادثة التي تسلّط الضوء، بصرف النظر عن الاتهامات المتبادلة بين الأطراف السياسية، على وضعية المبلّغين عن الفساد الذين لم يترددوا في الأشهر الأخيرة في التنبيه إلى أنهم يعانون أوضاعاً صعبة.

وكان من المقرر أن ينظّم هؤلاء وقفةً احتجاجيةً، الخميس 13 كانون الثاني/ يناير، للمطالبة بإعادة فتح "الهيئة الوطنية المستقلة لمكافحة الفساد"، وهي هيئة دستورية جرى إغلاقها إثر قرارات الرئيس قيس سعيّد، في 25 تموز/ يوليو الماضي، لكن التحرك تم تأجيله بسبب العودة القوية لتفشي وباء كورونا.

وقالت المبلّغة عن الفساد، نوال المحمودي، إنه "بعد أن كنا مبلّغين عن الفساد، صرنا اليوم للأسف في قبضة الفاسدين، إذ تُسلَّط علينا ضغوط وتهديدات كبيرة".

حادثة مريبة لوفاة نقيب في الحرس الوطني  تسلّط الضوء على وضعية المبلّغين عن الفساد الذين لم يترددوا في الأشهر الأخيرة في التنبيه إلى أنهم يعانون أوضاعاً صعبة

وشدد عدد منهم على تعرضهم للتشويه، وحتى التنكيل، عبر نقلهم من وظائفهم، أو إثارة دعاوى قضائية ضدهم، وغيرها، ما يحتّم حمايتهم، خاصةً وأن لهم قرارات في ذلك.

وهناك قانون يحمي هؤلاء، وهو القانون عدد 10 لسنة 2017، الذي ينص على ضرورة أن توفّر الهياكل الحكومية في تونس الحماية الأمنية وغيرها للمبلّغين عن الفساد، وذلك إثر صدور قرار من الهيئة يدعو إلى ذلك.

تنكيل وتشويه

قامت تونس في السنوات الأخيرة، بتعزيز ترسانتها التشريعية الخاصة بمكافحة الفساد، إذ مسّت تلك القوانين العديد من الجوانب، على غرار الإثراء غير المشروع، لكن أيضاً المبلّغين عن الفساد الذين حاول القانون عدد 10 الصادر سنة 2017، توفير ضمانات لهم حتى يكون هناك مجهود تشاركي بين السلطات والمواطنين، في مواجهة هذه الآفة التي ما انفكت تشكل شعاراً يزايد به السياسيون في البلاد.

غير أن الحكومات المتعاقبة تبدو وكأنها تخلت عن التزاماتها إزاء هؤلاء الذين أعلنوا عن تحركات كانت ستنطلق الخميس، غير أن تفشي كوفيد19 حال دون ذلك، للضغط على الحكومة الحالية لتوفير حماية أمنية لهم.

تقول المحمودي، وهي متفقدة (مراقبة) سابقة في مركز الرقابة الصحية في ميناء مدينة سوسة الساحلية: "تبعاً للقرار القاضي بمنع التجمعات قررنا تأجيل تحركاتنا ثلاثة أسابيع. للأسف، رفعت الدولة التونسية رايةً بيضاء في مواجهة الفاسدين، لأن إغلاق الهيئة من دون توفير بدائل يشكّل خطراً على سلامتنا وحياتنا. نجحت الهيئة في توفير حماية ليست بالقوية، لكن على الأقل تبقى حماية. بوجود الهيئة، يمكننا المطالبة بحقنا، خاصةً وأن لدينا قراراً بحمايتنا".

وتابعت في حديثها إلى رصيف22: "شخصياً لدي ثلاثة قرارات حماية صادرة عن الهيئة، واليوم أجد نفسي في مواجهة دعاوى قضائية تمت إثارتها ضدي، بلّغتُ عن شبهات فساد في ملف النفايات الإيطالية، وشحنات قمح مسرطنة، ومواد غذائية يتم إدخالها من دون أدنى رقابة. لدي قرارٌ لحمايتي في ملف تم توقيعه من قِبَل رئاسة الحكومة، ووزارة الداخلية، وهيئة مكافحة الفساد، ومع ذلك أجد نفسي اليوم في مواجهة دعاوى قضائية في الملف نفسه".

والأمر نفسه ينطبق على محمد الحفصي، الذي يقول لرصيف22، إنه بلّغ عن قضية فساد في العام 2012، وتم إصدار قرار لحمايته سنة 2020، موضحاً: "في تلك الفترة، أي في العام 2020، تعرّضت لضغوط وتنكيل، وتم طردي تعسفياً من العمل، ثم في وظيفتي الجديدة نُقلت من مكان إلى آخر، وجرى ابتزازي من قبل الفاسدين".

ومع إعلانهم عن تحركاتهم، واجه المبلغون انتقاداتٍ، إذ ربط البعض هذه الاحتجاجات المرتقبة بالمناخ السياسي المتوتر الذي تعيشه تونس، غير مستبعدين أن يتم توظيفهم في سياق المعركة بين الرئيس قيس سعيّد، وخصومه من المعارضة.

"هذه التطورات تشكّل ما يشبه الردة في مكافحة الفساد، بصرف النظر عن الهيئة، وموقفنا منها، ويمكن أن تخضع هي للتدقيق ومراقبة الهياكل الرقابية، لكن هذا لا يمنع أن هناك مبلّغين عن الفساد لديهم قرارات حماية، ويجب توفيرها لهم".

وينفي الحفصي ذلك قائلاً: "على العكس، نحن مع توجهات رئيس الجمهورية، ونحن مع مكافحة الفساد، وهناك نقطة أهم بكثير، وهي أنه ليس لنا أي ثقة بالأحزاب السياسية. تلك الأحزاب خذلتنا، لذلك نحن نرفض حضور أي حزب في تحركاتنا، ونحن لا نستهدف الرئيس سعيّد، ولا الحكومة. نريد تفعيل قرارات لحمايتنا من الفاسدين فحسب".

وأوضح: "لدينا حتى اقتراحات على غرار وضع رئيس الجمهورية لشخص نزيه على رأس الهيئة، ما يجب أن نشدد عليه أنه ليس لدينا أي توجه سياسي، ولا نطالب بغير تطبيق القانون. نحن اليوم نعاني من تهديدات جدية ومن ضغوط".

هيئة مكافحة الفساد

في مواجهة هذه الضغوط، يُركّز المبلّغون عن الفساد في حملتهم على المطالبة بإعادة إحياء دور الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد التي يلف الغموض مستقبلها.

في آب/ أغسطس الماضي، تم إغلاق الهيئة بعد أسابيع من إقرار الإجراءات الاستثنائية، بعد تفعيل الرئيس سعيّد للفصل 80 من الدستور الذي ينظّم حالة الاستثناء، ليتم بعد ذلك وضع رئيسها السابق، شوقي الطبيب، قيد الإقامة الجبرية، ثم إقالة الكاتب العام للهيئة، أنور بن حسين.

يُركّز المبلّغون عن الفساد التونسيون في حملتهم على المطالبة بإعادة إحياء دور الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد التي يلف الغموض مستقبلها. خاصة أنهم يتعرضون لضغوط كبيرة

وفي ظل الغموض الذي يكتنف مصير الهيئة، طالبت منظمة "أنا يقظ"، وهي هيئة غير حكومية تُعنى بمكافحة الفساد، في أيلول/ سبتمبر الماضي، "بإعادة فتح جميع مقرات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في أقرب الآجال"، عادّةً أن في "مواصلة إغلاقها مساساً بحقوق الأفراد وتعطيلاً لمسارات التقاضي والتحقيق في قضايا الفساد المالي والإداري، وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع".

وشددت المنظمة في بيان، على أن "قرار إغلاق جميع مقرات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منذ 20 آب/ أغسطس الماضي، الذي تلته إقالة الكاتب العام للهيئة، وتعيين المكلف بالشؤون الإدارية والمالية لمباشرة جميع أعمال التصرف التي يقتضيها السير العادي لمصالح الهيئة، وذلك "بصفة مؤقتة". ومر على هذا القرار نحو شهر، طعنة في ظهر المبلغين عن الفساد، وتخلِّ من الدولة عن واجبها القانوني والأخلاقي تجاه هؤلاء المبلغين".

ورأى القاضي التونسي عمر الوسلاتي، أن "هذه التطورات تشكّل ما يشبه الردة في مكافحة الفساد، بصرف النظر عن الهيئة، وموقفنا منها، ويمكن أن تخضع هي للتدقيق ومراقبة الهياكل الرقابية، لكن هذا لا يمنع أن هناك مبلّغين عن الفساد لديهم قرارات حماية، ويجب توفيرها لهم".

وأضاف الوسلاتي لرصيف22، أنه "لا يوجد أي مبرر لتتبّعهم قضائياً، يجب حماية هؤلاء لأنهم قاموا بوظيفة مجتمعية مواطنية لم يتقاضوا عنها أموالاً. ما قاموا به يستحق الإشادة، وليس التنكيل".

وحول هيئة مكافحة الفساد، قال الوسلاتي، إن "الهيئة هي هيئة عمومية نشأت بمقتضى القانون، وإذا كان هناك إخلال، يمكن مقاضاة الناس الذين قاموا به. قانونياً يمكن تغيير مجلس أو أعضاء الهيئة، ولا يمكن غلقها لأربعة أشهر. هذه الهيئة التي أنشأها القانون، وهو الذي منحها صلاحيات، نقوم اليوم بإغلاقها ولأربعة أشهر بسبب شبهات أو إخلالات؟ استمرار غلق الهيئة غير معقول، وغير مبرر، وفيه انتهاك للقانون، ولحماية المعطيات الشخصية للناس الذين بلّغوا عن الفساد. هؤلاء لديهم ملفات داخل الهيئة، ومن حقهم أن يخافوا على ملفاتهم".

وخلص الوسلاتي إلى أن خيار الإغلاق كان يمكن أن يستمر مدة 30 يوماً "احترازياً"، لكن لا يمكن الاستمرار فيه، لأن نتائجه ستكون كارثيةً.

يأتي هذا في وقت رفعت فيه الحكومات المتعاقبة في تونس منذ 2011، شعار مكافحة الفساد، غير أن جهودها لم تثمر إلى الآن، نتائج ملموسةً، ما أثار تساؤلاتٍ في شأن ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard