شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
خليل صويلح في

خليل صويلح في "حفرة الأعمى".. يصّوب الرواية نحو الهدف

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 4 فبراير 202205:00 م

في إصداره الجديد "حفرة الأعمى" يقدم لنا الروائي خليل صويلح خريطةً متسعة لهندسة السرد الروائي. الكاتب السوري المشغول بالعوالم الخفية لبناء النص وتطور تقنياته باعتبارها نصوصاً موازية أو جدراناً استنادية للعمارة الروائية كما يصف. يتابع ما قدمه في "قانون حراسة الشهوة"، "ضد المكتبة"، "نزهة الغراب".

"حفرة الأعمى" في السرد الروائي هي المُنزلَق الذي يسقط فيه الكاتب خلال بناء روايته فتعيق عمله لجهة "الكثافة والاختزال والمحو، ودقة التصويب نحو الهدف"، وهنا لن يفيده حتى العُكاز، في تناصٍّ مع بيت للمتنبي استهلّ به صويلح الكتاب:

ويرى أنه البصير بهذا .....  وهو في العُمي ضائعُ العكاز.

بنودٌ وإرشاداتٌ وملاحظات يقدمها صاحب "سيأتيك الغزال" حول كيفية تشكيل النسيج الروائي والتهذيب السردي، شحْذه وتغذيته وتشذيبه، بلغة قوية ورصينة، لا تخلو من السخرية في بعض مقاماتها.


الكاتب الذي اعتاد القراءة كثيراً حول كل ما يخص الثيمة التي يشتغل عليها، يعزز جديده بأمثلة كثيرة تعطي سجادته مزيداً من الغنى لتجذب القارئ مع كل سطر يعبر أمامه.

في إصداره الجديد "حفرة الأعمى" يقدم لنا الروائي خليل صويلح خريطةً متسعة لهندسة السرد الروائي. وهو الكاتب السوري المشغول بالعوالم الخفية لبناء النص وتطور تقنياته باعتبارها نصوصاً موازية أو جدراناً استنادية للعمارة الروائية، كما يصف

عن الرواية البدينة والقارئ الغشيم

بضربات قاطعة ولغة ساخرة يشهر ابن الشمال السوري سيفه الصارم بوجه ما يسميه الروايات البدينة المتورمة، وأصحابها، كتّاب مواضيع التعبير الذين أنتجوا روايات طفيلية على المشهد الروائي والثقافي.

مخلِصاً لحذافير حكاياته الشخصية ومتسلحاً بيقين الفوضى العمومية في اقتناص لقب روائي، يبدأ هاوي السرد ببناء إصداره "يكفي أن تتسلل إلى شبكة الانترنت، وتقرأ اقتباسات وأقوال المشاهير، فتصطاد على عجل عبارة من كافكا، وأخرى من نيتشه، وثالثة من جلال الدين الرومي، وترصّعها على صفحتك في الفيس بوك حتى تنتسب إلى نادي الكتّاب بجدارة.

مانحتاجه، زاوية مختلفة، تحديقة مركزة، نحو الأشياء، لا تكرار المنظر نفسه بعبارات مشابهة، نظراً لفرط الاستعمال، كما يحدث في كتابة موضوع إنشاء مدرسي سقيم بإكراهات بلاغية مضجرة".

العطب ليس داء السرد فقط بل طال أيضاً اهتمامات القراء، أو ما أسماه صويلح القارئ المستجد والغشيم الذي يقرأ دون بوصلة، ويتابع الروايات الرائجة إعلامياً ونقدياً أو افتراضياً، بينما عناوين مهمة جمالياً ومعمارياً تبقى خارج الاهتمام.

"بُغتةً يبرز اسم في الخريطة العالمية، يجري تداوله إعلامياً، كما لو أنه ماركة شامبو، فتتنازعه دور النشر العربية على الفور، لتصديره إلى القرّاء بطبعات متتالية، ثم يهجم باعة الأرصفة على السلعة بطبعات مقرصنة".

لا يطالب صاحب "ورّاق الحب" بمنع الروايات المسلية والممتعة من التداول كي يكون القارئ جدِّيّاً، إنما إعادة السرد العميق إلى مجرى النهر وحسب.

مجرى النهر الذي ضل طريقه وأصاب "عصر القارئ" بالاختلال، يشير إلى أعضاء نوادي القراء الذين اقتحمو الساحة مسلحين بنخوة بدوية في إعلاء شأن كتّاب شعبويين قدموا من الشوارع الخلفية للكتابة. "لا مرشد حقيقياً اليوم لاستبصار ما هو نوعي في الكتابة أمام طوفان النشر من جهة وعشائرية النقد من جهة ثانية، بالإضافة إلى رسوخ النقد الزبائني، في المدونة العربية".

"حفرة الأعمى" في السرد الروائي هي المُنزلَق الذي يسقط فيه الكاتب خلال بناء روايته فتعيق عمله لجهة "الكثافة والاختزال والمحو، ودقة التصويب نحو الهدف"

خديعة الاستمارة الأمنية

اهجر كل ما هو غير لازم، وما سوف يورط نصك الروائي، اكتفِ بالشخصيات التي تعرفها عن كثب ثم أحطها بسور منيع. وصايا يقدمها الكتاب، يضيف وصفة غرائبية "لمعت في ذهني فجأة، بقصد التخلص من الدهون الضارة في الكتابة السردية: لماذا لا نستفيد من الطريقة التي نتبعها "بمكر سردي"، في الإجابة على بيانات "الاستمارة الأمنية".

لحظة الانزلاق إلى الكارثة السردية تكمن في الإجابة الكاملة على البنود المطلوبة. إذا المطلوب تشذيب النص الروائي، بالتخلي عن ثلاثة أرباع الإجابات كي يخلصه من الأعشاب الضارة.

يحدثنا عن فضائل الاختزال والاقتصاد اللغوي في بناء سرد جمالي محكم دون ملل أو حمولة زائدة. يستحضر كتابات من ذات الطراز للكاتب المصري ابراهيم أصلان والتونسي حبيب السالمي والإيطالي دينو بوتزاتي.

ثم يشير إلى فضائل جدته عليه فيما أسماه هندسة السرد أو "هجنة السرد، بالاتكاء على خلائط سردية، تبدو غير متجانسة، تبعاً للقواعد لكن هذه الأخطاء الرائعة، ستمنح العين يقينا بأنها جزء أصيل من المشهد". كانت الجدة أهدته نسيجاً صوفياً حاكته بقرون غزال رسمت عليه بخيوط ملونة أشكالاً غرائبية على هيئة حصان ونخلة وطلاسم بمشهديات متجاورة دون الاكتراث لحجم الحصان مقارنة بحجم النخلة.

 عطايا الجدة وضعته على أول سلم للقراءة، سيرد الدين بعنوان روايته "سيأتيك الغزال"، عبارة كانت ترددها له ابنة البادية التي علمته التجربة معها أن "هناك من يزن الكلمات بميزان الذهب، بوحدة الغرام، وهناك من يبطش بها مستعملا ميزان البضائع، وإذ به يؤكد، من دون التباس معنى المثل العربي القديم "أحشفا وسوء كِيلة؟!".

فرمٌ فغربلةٌ فتقطير فتذوّق

مجددا يهاجم مؤلف "عزلة الحلزون" بحبره اللاذع كتّاب العجلة الذين يطبعون ما يرونه فقط "الوليمة تحتاج حطب الرواية قبل إشعال الموقد وتوهجه بنار التخييل" بينما مطحنة الرواية اليوم تمزج القمح والزؤان في وعاء واحد "يقول أحدهم، اسمع هذه الحكاية، إنها تصلح رواية، اكتبها، إن شئت. كأن مهمتك في الكتابة هي تدوين الحكايات كما يرويها الآخرون، لا إعادة تركيبها على نحو آخر. هذا الطراز من الكتابة يكتفي بالحكي لا الخطاب، بالشفوي لا المكتوب، وبما يتشكل على سطح القماشة البيضاء، لا ما يتراكم عليها من أصباغ".

الخطوة الخاطئة غالباً ما تنزلق بصاحبها إلى مستنقع أو حفرة الأعمى أو نعيق غراب، قد يجلب إلى رفوف المكتبة جيفاً لا تُحصى من الكلمات المتفسخة لعطبٍ في الموهبة والذائقة

يطلب أن تعاش تجربة الكتابة مرتهنةً للشغف والاكتئاب والوحدة والإرهاق والحيرة دفعة واحدة "وكأنك تعيش مخاض الفرس بانتظار ولادة مهرة أصيلة تخرج بطمأنينة من غشاء المشيمة، لا مخاض السلحفاة التي تدفن بيوضها في الرمل وتغادرها بلا ندم أو شكوك بمصيرها".

كل هذه التقنيات سوف تطهى في المطبخ الروائي، كما يسميه الكاتب، الحذف والإضافة التقطيع والفرم الغربلة والتقطير وتعيين مقادير الملح والتوابل اللاذعة في تدبير أحوال الجملة، يحذّر من دلق المقادير كيفما اتفق، مع ضرورة إصلاح الصنبور، كي لا يتسرب الماء\ الحبر، من بين الشقوق، فوق رخام السرد.

يستحضر قولاً للروائي الفرنسي غيوم ميسو الذي يضيف كلمة "التذوق" إلى مطبخه الروائي. في حديثه حول مرجعيات شخصياته يقول ميسو إنه يتذوق الآخرين خلال تواجده في الشوارع أو المطارات أو محطة الميترو أو المقاهي. الانتباه إلى تفصيل عابر هنا، وحركة الأجساد هناك، وتخزينها في ذاكرته أو تدوينها في كمبيوتره مباشرة.

كي لا نغرق بالهراء

في مقام آخر يحدثنا خليل صويلح عن العدد المفزع لروائيين مجهولين أصدروا روايات عن سرديات أوجاع الهجرة والنزوح، وليست بالروايات. بحسب الإحصاءات النقدية 400 رواية عن الزلزال السوري وحده "ثلاثة أرباع هؤلاء أتوا حقل الرواية فجأة، ليقينهم أن الحكايات التي سيروونها عن مكابداتهم في النزوح تستحق التدوين، بصرف النظر عن المهارة السردية المطلوبة واللغة الموازية التي تواكب حجم الكارثة".

يتابع "سوف تخسر مثل هذه الروايات المزعومة رهان الإقامة، فهي مدونات عبور مؤقت لا أكثر، وبمعنى آخر، طعام مستشفيات، حساء بلا طعم، ينقصه ملح التجربة السردية، لا إغراء الحكاية".

ما نحتاجه وينقص رفوف المكتبات، نصوصٌ توقظ حواس القارئ، تُقرَأ بمتعة تجعلنا ننسى الصفحة التي قرأناها ما إن ننتقل إلى التالية، بتعبير الكاتب الكندي البرتو مانغويل.

يؤكد ذلك خليل صويلح، يحكي عن والده الذي كان يقيس أطوال أقدامه وأخوته بخيط قنب، طلباً للدقة، قبل شراء الأحذية، ثم يزيد دقته بقياس المسافة بالشبر. "ما نحتاجه في قياس صلاحية نصّ ما، هو خيط القنّب المشدود بصرامة، كي لا نخوض الماء بأحذية فضفاضة، أو نغرق بالهراء.

الخطوة الخاطئة غالباً ما تنزلق بصاحبها إلى مستنقع أو حفرة الأعمى أو نعيق غراب، قد يجلب إلى رفوف المكتبة جيفاً لا تُحصى من الكلمات المتفسخة لعطبٍ في الموهبة والذائقة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard