رواية "كوتسيكا" لغادة العبسي وتاريخ الجالية اليونانية بمصر

الأحد 24 أكتوبر 202104:15 م

 نجحت الروائية غادة العبسي في روايتها  الجديدة "كوتسيكا"، بأن تقدم لنا ضفيرة متناغمة وحبكة محكمة، أرّخت عبرها للوجود اليوناني بمصر خلال العصر الحديث، والذي كان وجوداً لافتاً دفع اللورد كرومر للقول: "كلما حرّكت حجراً في مصر وجدت تحته يونانياً".

وتنقلت العبسي  برشاقة روائية تمتلك أدواتها وتجيد قبضتها على مداد قلمها، بين الإسكندرية معشوقة اليونانيين، وبين مصر القديمة التي تحتضن مقام السيدة نفيسة قبلة الملهوفين، ثم طرة التي شيد بها كوتسيكا "فابريقة" الكحول ليصير ملك السبرتو في مصر، مجسداً حلم الثراء والنفوذ الذي دفع العديدين إلى الهجرة من هيلاس "اليونان" إلى راكوتيس "الإسكندرية".

 درست العبسي الطب وتخصصت  في أمراض الدم  التشخيصية بجامعة عين شمس، وبعد حصولها على الماجستير، قررت أن تكتب دون أن تترك الغناء الذي عشقته منذ سألت مدرسة الموسيقى عمن يهوى الغناء، فلم تتردد غادة في رفع يدها، لكن الكتابة أخذتها كما النداهة، فهي، كما تقول، وكأنها أحبت الكتابة وهي في رحم أمها.

في روايتها  الجديدة "كوتسيكا"، قدّمت لنا الروائية غادة العبسي إطلالة على الوجود اليوناني في مصر خلال العصر الحديث، الذي كان وجوداً لافتاً دفع اللورد كرومر للقول: " كلما حرّكت حجراً في مصر وجدت تحته يونانياً"

حول روايتها الأخيرة "كوتسيكا " التي لاقت صدى بين القراء والنقاد، والتي صدرت عن دار المحروسة للنشر، بدأت حواري معها:

التوغل في تاريخ الجالية اليونانية بمصر روائيًا تجربة فريدة من نوعها. ما الذي أغراك بخوضها؟

لم تكن المصادفة وحدها كافية لخوض هذه المغامرة، صحيح أن محطة كوتسيكا التي صادفتها لأول مرة أذهب فيها إلى حلوان عن طريق مترو الأنفاق هي التي دفعتني إلى البحث عميقاً وراءها، وكان هذا قبل أكثر من 5 أعوام، ولكن ربما تلبستني روح عربية هامت بالحضارة الإغريقية، فِكراً وفنّاً وسياسة، ونقلتها إلينا منذ مئات السنين، ربما هو الحنين لرؤية مصر في زمان عجيب كثرت فيه التناقضات، فقد أسّس لنهضة صناعية وتجارية وفنية تحت مظلة الاحتلال، وفي غمار ضياع حقوق المصريين.

زمن استوعب عدة أعراق عاشت في تآلف ومحبة دون اضطهاد، إلا من حوادث قليلة يذكرها التاريخ،كان لها عميق الأثر في الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر.

ربما هو الحدس الذي أتبعه كل مرة أجد نفسي مأخوذة بالكامل للكتابة عن شيء ما-دون سبب مقنع- وإن كنت لا أعرف عنه سوى القليل، عكس المتبع عادةً في عالم الكتابة، في الأغلب يروي الكاتب ما عرفه وعاينه، ولكني أتخذ في كثير من الأحيان مراحل الكتابة ذاتها للوصول إلى معرفة أعمق وأوضح، تأخذني لفتوحات جديدة تكشف لي أكثر عن ذاتي والعالم.

فعندما تقرر الكتابة عن فابريكة كوتسيكا للكحول والبيرة، لابد وأن تطالع بجدية ما كتب عن الصناعة ومراحل تطورها، ولم يكن في الحسبان أنه وبعد سنوات سيصير الكحول واحداً من أهم وأغلى السلع في حياة كل إنسان يعيش على وجه الأرض في ظل جائحة كورونا، الأمر الذي شجعني على الاستمرار في اختيار موضوعات قصصي ورواياتي بشكلٍ عشوائي وغير منطقي، معتمدةً فقط على هذا الشيء الغريب المسمى بالحدس.  

لماذا كان كوتسيكا تحديداً مدخلك لدراسة تاريخ الجالية؟

كوتسيكا هو الاسم اللاتيني لكوزيكا، العائلة اليونانية التي هاجر الابن الأكبر فيها، تيوخاري تيودور كوزيكا، إلى مصر قبيل ضرب الإسكندرية، ثم لحق به أخوه بوليخروني، وقد استطاعا تكوين ثروة كبرى من خلال تأسيس مصنع للكحول والبيرة في منطقة طرة، غير أن الأخوين كان لهما امتداد من خلال أبنائهما فاق ما صنعه كلاهما نجاحاً وثروة وشهرة.

كوتسيكا ليست مفردة تعبر عن شخص واحد، ليست فقط تيوخاري أو بوليخروني أو عمهما أو أبنائهما أو زوجاتهم اليونانيات، هي سيرة مكان سكنه الهلينيون في العصور الغابرة، في مصادفة أذهلتني عندما اختار تيوخاري منطقة طرة تحديداً ليحوّلها إلى طروادة جديدة على ضفاف نيل مصر.

هي الفابريكة اليونانية التي قامت بفضل أيد مصرية تخيّلتُ شخوصهم وعائلاتهم وشكل الحياة الذي عاشوه في ظل الاشتغال بصناعة محرمة من وجهة نظر دينية ومجتمعية. وبرغم ثراء كوتسيكا الإنسان والمكان والزمان درامياً إلا أنه لم يتطرق أحد إليها من قبل، فكان لذلك دور كبير في إصراري على دخول هذا العالم وإدخال القارئ فيه.

عملية البحث التي تسبق كتابة رواية تاريخية عملية مرهقة. كيف بدأت وإلى أين انتهت؟

لا أعتبر كوتسيكا رواية تاريخية، وما زلت لا أرتاح إلى هذه التسمية عموماً، فليس من المفترض أن تعيد الرواية كتابة التاريخ، ولكن ليس مقبولاً كذلك أن نكتب عن مكان أو شخوص ونتجاهل البعد الزمني للحكاية.

هي عناصر كلها تتضافر لإقامة البناء الروائي الذي يعتمد بالأساس على الخيال، حتى فيما يتعلق بالكتابة عن شخصيات حقيقية، فربما بحثت لسنوات في وثائق وكتب بأكثر من لغة لمعرفة أكبر قدر ممكن عن عائلة كوزيكا وتواريخ دخولهم مصر وخروجهم منها.

تاريخ مصر واليونان في تلك الفترة المليئة بالحروب والثورات، بحثت طويلاً لكي أحصل على صور داخلية وخارجية للفابريكة القديمة، ولكن كل ذلك لا يمثل سوى خلفية للعمل الروائي المتخيّل الذي يعكس رؤية وفلسفة الكاتب الخاصة، أساس متين يقنع القارئ بمصداقية العمل الفني. الحرفة والموهبة معاً هما ما يجعلان القارئ مؤمنا بأصالة العمل وأنه بصدد شيء جديد غير متكرر، يخاطب عقله وقلبه، يعيش طويلاً بداخله، وهذه هي النهاية المرجوة لرحلة الكتابة بكل مراحلها.  

تنقلت برشاقة بين المجتمعين اليوناني والمصري بين ثنايا الرواية. حدثينا عن نقاط التماس التي حرصت عليها ما بين العالمين؟

هناك تقارب اجتماعي وديني بين المصريين واليونانيين، منذ قديم الأزل. هناك تشابه كبير فيما يتعلق بالمعتقدات الشعبية، ولم أغفل بالطبع اجتماع الشعبين على التأثر بالثقافة العثمانية، وكذلك الموسيقى التي أثرت بالموسيقى اليونانية والمصرية تأثراً كبيراً، مما أثمر عن تراث خاص بكل منهما يحمل طبائع شرقية يجعل كلا منهما مألوفاً لدى الآخر.

هل تواصلت مع الجالية اليونانية عندما شرعت في الكتابة؟ ما أهم ردود الأفعال التي وصلتك فيما يتعلق بالرواية من الجانب اليوناني؟

تواصلت مع الجالية اليونانية عن طريق ما كُتب على ألسنتهم في العديد من الإصدارات الورقية المهمة والأفلام التسجيلية والمراجع العلمية، وحتى رسائل الدكتوراه، ولم أتواصل بالشكل المباشر مع أي فرد من الجالية، ولكني تواصلت مع ألكسندر كيترويف، المؤرخ والبروفيسور اليوناني بجامعة هارفرد، صاحب دراسات وكتب مهمة عن يوناني مصر ودورهم في بناء مصر المعاصرة.

غادة العبسي: "سدرة" الصادرة عن روافد رواية من أدب التجربة، وفيها أشارك مع القارئ مشاعر وظروف فقدان ابنتي الوحيدة سدرة، والتي أعدت اكتشاف ذاتي وعالمي من خلالها"

وقد اطلعت على أعماله كافة وكان سعيداً بكتابة رواية عن عائلة كوزيكا، وأتمنى مع انعقاد معرض القاهرة الدولي المقبل للكتاب ووجود اليونان كضيف شرف أن تحظى كوتسيكا بقراء من الجانب اليوناني.

لماذا في اعتقادك لم يتطرق الروائيون لتناول تاريخ الجالية اليونانية في مصر، وظل اليوناني دوماً في الرواية أو الدراما على هامش الأحداث؟

لا شك أن الاتجاه القومي المتنامي منذ قيام ثورة يوليو وما عانته مصر من تيارات متشددة أثّر على الوعي الجمعي بأهمية التواصل مع الأقليات عموماً، غير أن هناك حلقة وصل مفقودة بين الروائيين اليونانيين الذين كتبوا عن مصر بسبب عائق اللغة، أيضاً تسليط الضوء على الشاعر اليوناني السكندري الشهير كفافيس وترجمة أشعاره مهّدت طريقاً إلى نشاط حركة الترجمة باتجاه الشعر اليوناني أكثر منها للنثر.

ومن الجدير بالذكر أن هناك كاتب يوناني اسمه ميقوس أرمانوروس، عاش في مصر حتى أوائل الستينيات من القرن الماضي، كتب رواية "ابن البلد" عام 1980 وترجمها إلى اليونانية د.نعيم عطية عام 2001، وقد صدرت في طبعة محدودة، وهي رواية تتحدث عن الطبقة الشعبية من اليونانيين وكيف عاشوا وامتزجوا بالمصريين لعقود، ولا نغفل الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد الذي أبدع فيما كتب عن الإسكندرية بأعراقها المتعددة، بما فيها اليونانيين الذين اعتبروا أنفسهم على الدوام بناة الإسكندرية، هناك أيضاً روايات هامة مثل حياة ثانية لكفافيس للروائي طارق إمام، وتسالونيكي للكاتب شريف العصفوري.    

سدرة، حالة روائية مختلفة صدرت تقريباً في التوقيت نفسه. حدثينا عنها؟

"سدرة" الصادرة عن روافد رواية من أدب التجربة، وفيها أشارك مع القارئ مشاعر وظروف فقدان ابنتي الوحيدة سدرة، والتي أعدت اكتشاف ذاتي وعالمي من خلالها، كأنثى وكاتبة وطبيبة وإنسانة، أتحدث بلسانها، تبوح روحي بما يساور القلب والعقل بشكل لا إرادي في أغلب السرد، الذي كان بمثابة دفقة شعورية كتبت على مراحل متفرقة، من قلب تجربتي الأليمة والمضيئة في نفس الوقت.

الرواية بمثابة عزاء لكل من عاش فقداً، أو من اختير ليعيش ورطة الاستثناء بأن تكون تفاصيل حياته مختلفة عن السير المتوقع والطبيعي لحياة البشر.

"ليلة يلدا" وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، وهي تجربة متميزة في مسيرتك الروائية، لمسنا فيها ذلك الجانب الصوفي، فإلى أي مدى تعد مقدمة لدراسة ديوان حافظ الشيرازي؟ 

"ليلة يلدا" مزيج من الرواية التاريخية والرواية الصوفية، وفي النهاية هي رواية إنسانية، فحافظ الشيرازي، الذي تشكل حياته الخلفية التي استمدت منها الرواية أفكارها الكبرى حول الحياة والحب والأخلاق والشعر، شاعر إنساني كوني، تناول جميع المشاعر الإنسانية ولم يدّع التديّن أو أنه عارف بالله، وهو القائل "لم أجد أحداً غارقاً في الخطايا مثلي". والشيرازي هو الأعظم في تاريخ الفرس وأشعاره الصوفية متميزة، وقد قرأتها بالعربية ثم في لغات أخرى ووجدت أن الترجمات العربية ظلمت أشعاره لأنها لم تكن دقيقة. وقررت تعلم الفارسية كي أقرأ ديوانه باللغة الأصلية التي كتبت بها.

"ليلة يلدا" مزيج من الرواية التاريخية والرواية الصوفية، وفي النهاية هي رواية إنسانية، تستمد أفكارها الكبرى حول الحياة والحب والأخلاق والشعر، من حافظ الشيرازي.. شاعر إنساني كوني كان يقول "لم أجد أحداً غارقاً في الخطايا مثلي"

ثم عثرت على كتاب عباس كيارستمي، أشهر مخرج إيراني، وهو فنان تشكيلي وشاعر ووجدته قد قدم بعض قصائد الشيرازي في شكل قصيدة "هايكو"، والتي تتكون من بضعة ألفاظ بسيطة .وشعرت بالغيرة لأنه حاول تقريب شعر حافظ الشيرازي للناس، ففكرت أن أقوم بالمثل ولكن من خلال الرواية، حيث سنرى حافظ الشيرازي يعيش زمن المغول والطاعون ويلتقي الحلاج وابن عربي وابن الفارض، ويزور سيبويه، ونطلع على بداية الاختلاف الشيعي السني، ودور الشعراء في إخراج الناس من تلك الفتنة الطائفية.

أعتقد أن "ليلة يلدا" مقدمة ستساعد الناس على فهم ديوان حافظ الشيرازي.

إلى أي مدى ساهمت الجوائز الأدبية في إنعاش حركة النشر الروائي؟

أصبح هناك تنافس كبير بين الجوائز العربية، وغالبيتها تستمد أهميتها وشهرتها من خلال القيمة المادية للجائزة وترجمتها للأعمال الفائزة إلى لغات أخرى، وهذا مطلب مهم جداً يطمح إليه كل كاتب في العالم: أن يُقرأ بلغات أخرى، أصبح الكثير الآن يكتب فقط بغرض الحصول على جائزة، وأتفهم ذلك في ظل الإحباط الذي يصيب الكُتّاب من ضعف المقابل المادي والقصور الشديد في إقبال القراء على الأدب الجاد، وتركيزهم فقط على ما يُعلن عنه أو يروَّج له بغض النظر عن المحتوى.

تصبح هنا الجائزة الأدبية تعويضاً عن هذا الإحباط الذي يمنع الكاتب في كثير من الأحيان من الاستمرار في ممارسة الكتابة، يظل الكُتّاب المواظبون على الكتابة برغم التجاهل النقدي وضعف المقروئية وانعدام المقابل المادي نادرين في الوسط الأدبي، ولكنهم الضمان الحقيقي لإثراء الأدب المصري والعربي بنصوص حرة ومدهشة ومختلفة، لا تخضع لقوانين الشللية والبيست سيلر والرداءة.       

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard