العالم الخفي في القرية المنسية... "ناس وأماكن"

الأربعاء 2 فبراير 202205:53 م

إلى أقاصي الماضي، يرتحل الكاتب والروائي عادل عصمت (1959)، عبر ذاكرته الشخصية، وذاكرة الكبار، ليؤرخ في كتابه "ناس وأماكن" (دار الكتب خان للنشر) لمدينته الأثيرة طنطا، وقراها المحيطة، راصداً التحولات والتغيرات، التي أزالت واقعاً اجتماعياً واقتصادياً، خالقة واقعاً آخر، بقيم وسلوكيات جديدة، في القرية والمدينة على السواء، لكن صاحب روايات "الوصايا"، "صوت الغراب"، و"جنازة السيدة البيضاء"، يتجاوز في مؤلفه المفهومَ التقليدي للتأريخ.

لا يكتفي عصمت بالرصد، والوصف، بل يطرح عبر السرد تحليلات ورؤى فلسفية مدهشة لتحولات الزمن، ولفكرة التغيير، وما تحمله من قيم وأفكار، تدفع بالبشر إلى الانتقال إلى نمط مغاير من الحياة؛ فثمة تأويل فلسفي لدى عصمت لكلِّ جديد يحدث، وهو لا يُدين هذا الجديد، ولا يبكي على الماضي، بل يتأمل، ويرصد، ويعتصر الماضي والحاضر، وتفاصيل الحياة، ليصل في النهاية إلى سردية شديدة الخصوصية لمدينة طنطا والأرياف المحيطة بها، وهذه السردية عن التحولات التي شهدها هذا الإقليم المصري، إنما تمثل تحولات بلد بأكمله خلال "نصف قرن من الزمان".

الهوية الجماعية

تنطلق سردية عادل عصمت من "قرية منسية"- عنوان الفصل الأول- وهذه القرية هي "أبشاواي الملق"، مكان نشأة الكاتب، وهي إحدى القرى المحيطة بمدينة طنطا، عاصمة الدلتا. ثمة عالمان في القرية؛ عالم مرئي، والآخر خفي، وهو منبع الحكايات الخرافية والأسطورية، وهو أيضاً ثابت، لا يخضع لفكرة التطور والتحول، لأنه مجهول وغير مرئي، بخلاف العالم المرئي، الذي يطاله التجديد على السطح وفي العمق.

يُقدم عصمت وصفاً جغرافياً وعمرانياً لقريته، ثم يرصد ويُحلل تأثيرات هذا الشكل العمراني والبنائي للقرية، على العلاقات الاجتماعية بين البشر، فحتى نهاية الستينيات من القرن الماضي كان "جسم البلد الأساسي، كتلة من البيوت الطينية في حارات ضيقة تنفتح أحياناً على أجران واسعة ومناطق خالية في وسطها طلمبات بأحواض حجرية لشرب البهائم. كل حارة لها طابع خاص. البيوت في أطراف البلد كبيرة، والشوارع واسعة، أما في وسط البلد فالبيوت متضامة متراصة. الحارات ضيقة، المرور فيها للبشر وللبهائم فقط".

هذا الالتصاق والتساند والقرب، هذا الاندساس في جدران البيت المجاور، يراه عصمت "نوعاً من الاقتراب؛ من قرابة ما، تتجلى مجسدة في الأبنية، أو ربما خوف من مجهول، يفسره الجغرافيون بأنه بقايا التضامن الذي قامت عليه حياة المصريين في مواجهة الفيضان السنوي للنيل".

تنطلق سردية عادل عصمت من "قرية منسية"، هي "أبشاواي الملق"، مكان نشأة الكاتب، وهي إحدى القرى المحيطة بمدينة طنطا. ثمة عالمان في القرية؛ عالم مرئي، والآخر خفي، وهو منبع الحكايات الخرافية والأسطورية

التضامن الذي كان السمة الغالبة بين فلاحي القرية، بل قرى الدلتا جميعها، صاغ ما يُسمى بـ"الهوية الجماعية"، فحتى حقبة التسعينيات لم يكن هناك وجود للذات الفردية؛ كانت القرية محكومة بروح الجماعة "تشعر بالأخوة والحياة الجماعية في هذه الحارّات، تشم رائحة الطبيخ ويعرف الجيران أكل الآخرين، ويسمعون تهامسهم وعلى السطوح يتقارب الحطب والصوامع، فلا تعرف كيف تفرق بين بيت وآخر. الحياة متلاصقة ليس فقط في الدور، بل أيضاً في الغيطان؛ جيران الأرض جيران في الدار، وجيران في المقابر. والتعاون شرط أساسي للاستمرار".

الشقاء والسلطة

"القرية مكان قاتم، الحياة مخنوقة رمادية، ربما بسبب العمل المتواصل، أو بسبب الهم الغامض الذي يعلق بالناس كغبار الأجران. الأفراح قليلة، الأعراس متباعدة، والإضاءة خافتة بالليل، الجسد مهدود، الناس مزمومو الشفاه في غالب الأحيان".

"الشقاء" هو ما يصبغ حياة الناس في القرية؛ هناك دائماً تشبث بالأرض، وخوف من فقدها، فلم تكن هناك موارد أو أنشطة أخرى بعد. وكانت السلطة ممثلة في "الجمعية الزراعية"، فهي المتحكمة في محصول الأرض، وفي رزق الفلاح، وهذه السلطة مثلت دوماً للفلاحين شيئاً هلامياً غامضاً، ومخيفاً في الأعماق. يقول عصمت: يندهش الفلاحون من أن تخلفهم عن توريد الأرز، يعني قضية "أمن دولة". يُرددون العبارة، غير قادرين على إدراك الخطر الكامن في عدم توريد محصول الأرز الذي يتحول إلى أمر يشبه خيانة الوطن. الغموض يحيط طول الوقت بإجراءات السلطة، ويجعلها قوة هلامية لا يستطيع المرء أن يتنبأ بتصرفاتها.

وفي ذاكرته، يحتفظ الروائي المخضرم، بصورة قاسية، لمجموعة من الفلاحين وهم يُساقون إلى نقطة البوليس في مساء شهر تموز/يوليو، بعد عودتهم من غيطانهم متعبين من العمل في رعاية محصول القطن أو الأرز، بعضهم يقضي ليلته في النقطة إن لم يكن هناك "واسطة"، ويرحل إلى المركز في الصباح التالي. يقول إن الغموض يحيط برجل يُساق إلى مركز الشرطة لأنه لم يُرسل ابنه إلى "الدودة"، أو لأنه لا يملك ابناً.

ولكلمة "الدودة"، تاريخ طويل وقاسٍ لدى الفلاحين، وهي نشاط، كان مكرساً للصبية والأطفال في عموم الوطن، حيث تقرر الجمعية الزراعية أن يُرسل كل فلاح صبياً إلى جيوش جمع "اللطع" التي تنتشر في شهر تموز/يوليو على امتداد حقول القطن، وإذا لم يُرسل الفلاح طفله الذي يحتاجه لمساعدته في العمل، فإن "الخولي" يعطي أسماء المتخلفين إلى المشرف الزراعي، وبدوره يرسلها إلى قسم الشرطة، "وفي المغرب ينطلق في حواري البلد خفير يحمل بندقيته على كتفه، ومعه كشف بأسماء الفلاحين".

مشهد الخفير والعساكر وهم يجرون الفلاحين إلى الحبس، يراه عادل عصمت صدى لأعمال السخرة القديمة، عندما كان الفلاحون يُساقون إلى تنظيف الترع والقنوات في الأزمان القديمة؛ يقول: "يستعين الفلاح بما ترسب في وجدانه من أفكار عن طبيعة السلطة من أيام السخرة لكي يواجه بها الغموض العبثي لموقفه. الثورة التي وهبتهم أرضاً كانت مملوكة لبشر يطيرون في سماء حياتهم، هي التي تسحبهم إلى الغرف المظلمة دون ذنب واضح".

هذه القرية التي رأت البشر يتحدثون ويتحركون أمامهم في شاشة صغيرة للمرة الأولى في منتصف السبعينيات، كانت قد ودعت حياتها القديمة للأبد، اضمحلت الصورة القديمة، وانبثقت صورة جديدة من قلب عملية التطور

بمرور الزمن، وربما بشكل بطيء نسبياً، تفككت هذه الحياة الجماعية، وولدت وبزغت الذات الفردية، وكان ذلك نتيجة مباشرة للتطور، ومع بروز هذه الذات الفردية، أصبح الارتباط بالأرض هشاً، والانتماء لم يعد راسخاً في النفوس والأذهان كما من قبل، وصارت العلاقات أكثر تعقيداً بين أهل القرية. فهذه البلدة التي كانت غارقة في الظلام، حتى الثمانينيات، يضيء ليلها الثقيل "قناديل الليل" من لمب الجاز، واللمبة الصفيح، والسهراية، وفي أحسن الأحوال "الكلوب". هذه القرية التي رأت البشر يتحدثون ويتحركون أمامهم في شاشة صغيرة للمرة الأولى في منتصف السبعينيات، كانت قد ودعت حياتها القديمة للأبد، اضمحلت الصورة القديمة، وانبثقت صورة جديدة من قلب عملية التطور.

الأرض أصبحت هشة

ثمة حدثان فارقان، انتقلا بقرية عادل عصمت إلى حياة جديدة؛ هما دخول الكهرباء، وشق الطرق، وخط السكة الحديد. فبعد عقود طويلة عاشتها القرية في الظلام، دخلت الكهرباء القرية في منتصف الثمانينيات، وعُمرت البيوت بالأجهزة الكهربائية واستعمل الناس الماكينات في العمل اليدوي، وانتشر التليفزيون في بيوت القرية، وأدرك الناس أن ثمة عالماً آخر مجهولاً بالنسبة إليهم.

هذا العالم سينكشف أمامهم، مع تطور وسائل النقل والمواصلات، ومن ثم التنقل بسهولة إلى المدن القريبة "حدثت النقلة الكبرى في ارتباطنا بالمدن، عندما شق طريق ترابي، يمس البلد من الخارج، ويعبرها إلى القرى والمدن القريبة". في الثمانينيات أيضاً تلاشت المسافة بين القرية والمدينة، وازدهرت حركة التعليم، بعد أن أصبح بإمكان طلاب الجامعات السفر في الصباح والعودة في المساء بعد انتهاء المحاضرات.

ومع هذه الاكتشافات الحديثة، وهذا التطور، أصبحت هناك أنشطة جديدة يقوم بها الناس، مثلت للكثيرين منهم بديلاً عن العمل في الأرض، وبعد فترة كان السفر إلى الخليج، حلماً زاهياً للشباب، وأصبح الارتباط بالأرض هشاً، ومعه تفككت الهوية الجماعية، وبرزت الهوية الفردية، وولدت أخلاقيات جديدة مثل التصارع والتحايل والرشوة والأنانية، وتلاشت أخلاقيات المجتمع الزراعي.

يقول عصمت: في العقود القليلة الماضية تحول الناس عن سكن البيوت الطينية، التي استمروا يتوارثون طريقة بنائها آلاف السنين، وبدا لهم أنه من الممكن، في الزمن الحديث، أن يتخلصوا من الخوف من ضياع الأرض، فلتضع الأرض، هناك موارد أخرى، وطرق أخرى للحياة. فموضوع ملكية الأرض لم يعد ملحاً واكتشف الناس طرقاً جديدة للتجارة، وانتشرت الدكاكين في كل مكان، واشترى بعض الفلاحين سيارات الميكروباص والنصف نقل، وسافر الناس إلى البلاد العربية".

السرّ الغامض لروح المدينة

في القسم الثاني من الكتاب، يُقدم عادل عصمت، سيرة شخصية لمقاهي مدينة طنطا: الأقصر، والمصرية، والتجارية، والعثمانية، ويرصد أثر التحولات الاجتماعية، والاقتصادية على صمودها من عدمه؛ فمقهى الأقصر الذي كان توفيق الحكيم أحد رواده في تلك الأيام البعيدة، عندما كان نائباً في الأرياف، انتهى نهاية درامية، حيث تم هدمه في عز توهجه في نهاية الثمانينيات، وبني محله برج على الطراز الحديث، ومقهى التجارية الذي تميز باتساعه المهول، تحول إلى محل لتجارة الجملة.

ثمة حدثان فارقان، انتقلا بقرية عادل عصمت إلى حياة جديدة؛ هما دخول الكهرباء، وشق الطرق، وخط السكة الحديد

أما مقهى العثمانية فيحمل في خيال الكاتب، طيفاً لحادثة نصب دبرها بعض الشباب على جده الشيخ الأزهري، الذي عاد إلى قريته مهموماً، حزيناً على محفظته التي خُطفت منه في وضح النهار، "ظلت العثمانية تحمل في خيالي طيفاً مما حدث لجدي، حتى بعد أن انتقلنا لنعيش في المدينة، إدراكاً نائياً بأن هذا المقهى يحمل روحاً (لِعَبية)، لها صلة بالسرّ الغامض لروح المدينة. الوجود في هذا المقهى يفرض عليك مزيداً من اليقظة والانتباه، إنه ملموس بالألاعيب التي تحدث حول السيد البدوي".

يذهب عصمت إلى أطراف المدينة، ويحكي عن أماكن الحب السرية: كافتيريا البوريفاج، والجوهرة وطنطا السياحي، تلك التي أنشئت على الطريق السريع، عندما "لم يكن الحب شائعاً بعد". يقول: "إذا عبرت الطريق السريع، فقد أصبحت خارج المدينة وإذا اجتزت الحدود، فربما أنت قادر على اجتياز التقاليد. وجود تلك المحلات على الجانب الآخر من الطريق كان يعني تقسيماً بشكل ما، نصاً تقول جملته: إذا كنت تريد أن تتحرر قليلاً من المدينة فعليك أن تذهب إلى الجهة الأخرى".

ثمة روح قاتمة للدلتا، يُبرزها عادل عصمت طوال صفحات كتابه الفريد. هذه الروح لمسها قديماً دي بواـ إيميه، أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر، حين رحل مع بعض أعضاء البعثة من ميناء بولاق، في ضواحي القاهرة، يوم 27 أيلول/سبتمبر 1799، في طريقهم إلى أعماق الدلتا، ليشقوا فيها طرقاً عسكرية.

يختتم عصمت رحلته بتأمل رحلة دي بواـ إيميه، وهو على ظهر أحد المراكب، متجهاً إلى هذه المنطقة القاتمة؛ يقول: "في ذلك المساء عاش دي بواـ إيميه لحظة شعرية، وصفها بدقة علمية حافظ عليها التاريخ من النسيان. عند رؤيته لأحد الصبية وقد توقف بلا حراك، خيل لـدي بوا أنه يرى في وقفة وهيئة الصبي واحداً من تماثيل مصر القديمة وقد عادت إليه الحياة. عندئذ توقف المشهد الخارجي عن إثارته وغرق في أفكار حزينة، وتداعيات كئيبة عن المسيرة الشاردة للحياة الإنسانية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard