أن نلتقي ابن خلدون وأبا مديَن معاً... عن قرية العبّاد بتلِمسان

السبت 8 فبراير 202004:07 م

تلِمسان، الواقعة في أقصى الغرب الجزائري، مدينة مشحونة بالتاريخ بكلّ حلقاته، و هي المدينة التي تجسّد بكلّ تنوعاتها نموذجَ الجزائر بكلّ مكوناتها. هناك معالم كثيرة في هذه المدينة، وربما النسبة الأكبر من المعالم الأثرية الوطنية تتواجد فيها.

من الأماكن التي تتميّز بها تلمسان، هي قرية "العباد" المتصلة بها والمطلّة عليها. تقع  القريةُ في أعالي مدينة تلمسان. المكان مشحون بالحال التي جعلته مستقرّّ المحطة الأخيرة للمتصوف أبي مدين. مكان يدخلكم أجواء خاصة، فعندما تتجوّلون في "العباد" تشعرون وكأنكم عدتم إلى الماضي، ودخلتم فضاءً أندلسياً مغاربياً؛ كلّ جزء يحيل ويعيد إلى استحضار ذلك الإرث، والعمارة تنطق بالإشارات، كما أن المتجولين في دروب القرية يسلكون أزقة ضيقة مشحونة بعبق التاريخ المغاربي الأندلسي، ويدخلون حالة خاصة تنبثق من روحانية المكان.

يرجع تاريخ نشأة قرية العباد إلى العهد المريني في القرن 14 الميلادي، وبالضبط بعد الحملة الثانية التي قادها السّلطان المعروف بالسّلطان الأسود. معالم متعددة تتجمع في هذا المكان، تجمع بين أنظمة الخطاب الثلاثة في العقل العربي حسب رؤية المفكر عابد الجابري في مشروعه الفكري، أي البيان و البرهان و العرفان. هنا تجتمع بصمات لمراحل تاريخية مختلفة، وتمثّل روحَ مدينة تلمسان كلّها كإحدى الحواضر المحورية في التاريخ المغاربي.

استفادت معالم العباد وبقية معالم تلمسان من الترميم بمناسبة احتضان المدينة لفعاليات عاصمة الثقافة الإسلامية في سنة 2011.


في العباد ضريح أبي مدين ومعالم أخرى. وارتبطت مدينة تلمسان باسم أبي مدين، و هي ظاهرة توجد في الكثير من المدن الجزائرية المرتبطة بشخصيات صوفية. وُلد أبو مدين في ضواحي إشبيلية الأندلسية، وتضاربت أقوال المؤرخين بخصوص سنة ميلاده بين 1115 و1116 و112، و عاش ظروفاً أسهب في التفصيل فيها من كتَب عنه، وغادر بلدَه بحثاً عن مراده الروحي.

ارتبطت مدينة تلمسان باسم أبي مدين، و هي ظاهرة توجد في الكثير من المدن الجزائرية المرتبطة بشخصيات صوفية

بعد رحلة طويلة في المشرق عادَ ليستقرّ في بجاية. يقول الشيخ عبد الحليم محمود: "لقد تثقّف سيدي أبو مدين كأحسن ما يكون المثقف؛ تثقّف من مصادر أصلية: القرآن الكريم، والسنن، والإحياء، والرعاية، والرسالة القشيرية، وكان يصاحب في دراسته القمم: السنة النبوية، والحارث بن أسد المحاسبي، وحجة الإسلام، والإمام القشيري. وقد درس الفقه أيضاً، وله فيه فتاوى نفيسة، ودرس التفسير، وامتزج قلبه بنور القرآن، وكان عابدًا، فاجتمع له العلم والعبادة، فكان الشخصية الإسلامية المتكاملة، فلقد كان متفنّنًا في علوم الإسلام المختلفة، نقليًّا وعقليّاً". وذلك في كتابه "شيخ الشيوخ أبو مدين الغوث حياته و معراجه إلى الله"، دار المعارف، القاهرة، 1985.

و لقد شارك أبو مدين في الجهاد ضدّ الصليبين، ومقابل ذلك تمّ تخصيص وقف باسمه في القدس.

يذكر عبد الحليم محمود في كتابه أنه بعد عودته من القدس، آثر أبو مدين النزول في مدينة بجاية. وبعد فترة جاء أمر السّلطان الموحدي لوالي بجاية حتى يرسل أبا مدين الذي تحرّك نحو عاصمة الملك في مراكش، ولما اقترب من تلمسان مرض، وحان أجله، ودفن في مكان تعلق به. ويقال إنه حين شارف تلّة العباد بتلمسان، قال: "هذه تربة العباد، ما أحلى بها الرقاد". وكانت وفاته سنة 594هـ، 1196م.

وكتب على باب الضريح: "الحمد لله أمر بتنميق هذه الروضة المباركة المشتملة على ضريح الشيخ سيدي أبي مدين أدركنا الله برضاه الأمير عبد الله السيد محمد باي أيده الله ونصره وجعل الجنة منزله عام ثمانية ومائتين وألف. انظر إلى الدرّ الأنيق تراه في جيد شريف فتى عشيق نظمه الهاشمي بن صرمشيق".

كان لأبي مدين تأثير على محي الدين بن عربي، رغم أنه لم يحدث لقاء بينهما، وهذا المرجح بخلاف ما ذهب إليه المستشرق بلاثيوس الذي ذكر احتمال اللقاء بالاستناد على أن ابن عربي يمكن أن يكون في طريقه إلى تونس سنة 590هـ قد مرّ ببجاية التي كان يتواجد فيها أبو مدين، ولكن كما يكتب الباحث المختصّ في التصوف ساعد خميسي في دراسته "تأثير أبي مدين في فكر و تصوف محي الدين بن عربي" المنشورة في مجلة جامعة منتوري قسنطينة 2000: "عندما نقرأ مؤلفات ابن عربي التي يتردد اسم أبي مدين في جلّها ـإن لم نقل في كلّهاـ لا نجد الإشارة إلى اللقاء".

إلى جانب ضريح أبي مدين قام السلطان المريني أبو الحسن سنة 747 للهجرة ببناء "مدرسة العباد" التي اشتهرت باسم "الخلدونية"، لأن ابن خلدون كان ممّن تولّوا التدريس فيها أثناء إقامته بتلمسان

ويعضد الباحث طرحه بما ذكره ابن عربي في "رسالة روح القدس في محاسبة النّفس" التي ألفها سنة 600هـ، بعد حوالي أربع سنوات من وفاة أبي مدين (مطبعة عالم الفكر، القاهرة، 1989). يقول فيها الشيخ الأكبر: "قعدت بعد صلاة المغرب في منزلي بإشبيلية في حياة الشيخ أبي مدين، وتمنيت أن لو اجتمعت به، والشيخ في ذلك الزمان ببجاية... دخل عليّ أبو عمران فسلّم... فقلت: من أين؟ فقال من عند الشيخ أبي مدين من بجاية، فقلت متى عهدك به؟ قال صلّيت معه هذا المغرب. فردّ وجهه إلي و قال: إن محمد بن العربي بإشبيلية خطر له كذا وكذا، فسِرْ إليه الساعة و أخبره عني بكذا وكذا ،وذكر لي من رغبتي في لقاء الشيخ، وقال لي يقول لك إما الاجتماع بالأرواح فقد صحّ، وإما الاجتماع بالأجسام في هذه الدار، فقد أبى الله ذلك فسكن خاطرك والموعد بيني و بينك عند الله في مستقرّ رحمته".

وقد وسم ابن عربي أبا مدين بـ"شيخ الشيوخ "، أما أبو مدين فلَقّب ابن عربي بـ"سلطان العارفين".

يقول ابن عربي: "شيخنا أبو مدين من الثمانية عشر الظاهرين بأمر الله، عن أمر الله، لا يرون سوى الله في الأكوان، وهم أهل علانية وجهر، مثبتون للأسباب".

إلى جانب ضريح أبي مدين قام السلطان المريني أبو الحسن سنة 747 للهجرة ببناء "مدرسة العباد" التي اشتهرت باسم "الخلدونية"، لأن ابن خلدون كان ممّن تولّوا التدريس فيها أثناء إقامته بتلمسان، ومثله تولّى التدريس فيها نخبة من كبار العلماء، وهي من مدارس تلمسان التاريخية مثل مدرسة "أولاد الإمام".

العبّاد تأكيد على ما صاغ المرجعية المغاربية صياغةً ارتبطت بالتصوف ارتباطاً دفع البعض إلى القول بأنه إذا كان المشرق أرض النبوّة، فإن المغرب أرض الولاية. وكلّ مدينة في الجزائر ارتبطت تقريباً بشخصية صوفية. ولقد تمّ استثمار ذلك من طرف الحكام المتعاقبين، فعلى سبيل المثال حمل الرئيس الأسبق هواري بومدين اسماً مركباً يجمع بين أبي مدين والإمام الهواري الذي تقترن به وهران، فقد اتّخذ هذا الاسم منذ الثورة، وقد كان اسمه الحقيقي محمد بو خروبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard