لقاء مع المسرحيّة مي سعيفان (II)... أنصدق ما نراه وأعيننا مغمضة؟

الخميس 3 فبراير 202202:38 م

نحاور في هذا اللقاء المقسوم إلى جزئين الكوريوغراف والمؤدية والمخرجة السورية- الألمانية مي سعيفان، في محاولة للإضاءة على مشروعها المتعلق بالأحلام، إذ بدأت سعيفان بجمع منامات السوريين منذ عام 2011، طارحة سؤال، ماذا يرى حين ينام من يعيش تحت الخطر الدائم في حالة الطوارئ؟

تمتلك سعيفان أرشيفاً من المنامات المدونة التي جمعتها ضمن "مشروع منامات سوريّة" منذ بداية الثورة في سوريا، وعملت من خلال الفرقة المسرحية "تنوين" التي أسستها مع زياد عدوان على عدد من العروض والأفلام التي توظف هذا الأرشيف، وتسائل الحرب وصدمة العنف التي تهدد الفرد وعلاقته مع ذاته وما حوله، كما في ثلاثية "التخريب للمبتدئين"، و العرض - الانستليشن "قيلولة" و فيلم "الشرنقة" ، تفضل سعيفان استخدام كلمة "منامات" عوضاً عن أحلام، كون الأخيرة "توقع القارئ أو المتلقي في اشتباه، كون الأحلام تفهم غالباً على أنها آمال، أما المنام فهو أدق، كونه ما نراه أثناء النوم.

أحاور سعيفان وكلانا خضعنا لاستثناءين، الأول يتمثل بالثورة في سوريا وما ورثناه من عنف وصدمات، والثاني هو حالة الطوارئ العالمية التي نخضع لها جميعاً، وجعلت الواحد منا "عدواً" محتملاً للآخر، يحمل العدوى في جسده و نَفَسِه، نركز في هذا الحوار على العرض الأخير لفرقة "تنوين" بعنوان Reality check، الذي فضلت سعيفان الحفاظ عليه باللغة الإنكليزيّة لما يحمله من معان متعددة، لا تلتقطها الترجمة العربيّة، لكن سنستخدم "التحقق/ التيقن من الواقع" للإشارة إلى التقنية المستخدمة للتأكد والإجابة عن سؤال: هل نحن في حلم أو لا؟ كما يستخدم أيضاً لتحفيز بما يعرف بالحلم الواعيLucid dreaming.

نحاور في هذا اللقاء المقسوم إلى جزأين، الكوريوغراف والمؤدية والمخرجة السورية- الألمانية مي سعيفان، في محاولة للإضاءة على مشروعها المتعلق بالأحلام، إذ بدأت سعيفان بجمع منامات السوريين منذ عام 2011، طارحة سؤال ماذا يرى حين ينام من يعيش تحت الخطر الدائم؟

إحدى إشكاليات هذا العرض أنه لا يمكن تلخيص حكايته، أي لا يمكن القول إننا أمام مسرحية تفاعلية حكايتها كذا وكذا، إذ ينام الجمهور والمؤدون أثناء العرض لما يقارب الـ30 دقيقة، يحدث خلالها "عرض" لا يمكن رؤيته، هو ملك لكل نائم، وبعد الاستيقاظ تجسد بعض المنامات من قبل المؤدين آنيت آسمي، جيزم أكمان، بسام داوود، عمر قرقوط، فاتنة ليلى، رؤى ريشة، إينيكو سانز، ليال سعيفان، كما نسمع في العرض طبلاً يقرع، ونشاهد محاضرة علمية عن عالم الأحلام يلقيها الفنان البصري والباحث في الأحلام ميريت أكبال، يتزامن ذلك من ضيافة لطيفة للجمهور من قبل المؤديين، وموسيقا يلعبها صالح كاتبة، ودراماتورج يحاول ضبط حدود العرض وتحريكها باتزان، زياد عدوان.

أحاول أن أخدش ما أعرفه عن الأحلام بعرض Reality check وأسائل سعيفان مشككاً، كونها تتعامل مع "الحلم" و"اللاوعي" و"المنام" كمادة فنية أوليّة شديدة الخطورة، صعبة الضبط والتعيين، وتتعامل مع مفاهيم مختلف عليها بشدة في القطاع العلمي والفني، بل إن كل قطاع يقدم قراءته الخاص حولها ومدى "جدوى" و"معنى" استثمارها، ستتداخل الأسئلة والأجوبة على طول اللقاء، ما أسأله أو استغربه سيكون بالخط العريض، ومي بالخط العادي.

أتردد حين الحديث عن الحلم، و"تصديق" أنه نداء الجسد أو تلبية لحاجة ما، خصوصاً أن مصدره في البداية هو اللاوعي، المساحة شديدة التناقض، ناهيك أننا في نهاية العرض نجد أنفسنا أمام ملخصات مكتوبة لأحلام، قراءتها تنفصل عن أًصحابها بالنسبة لي، وأضعها في ما يمكن تسميته "خطاب الأحلام المريب"، كيف تقرأين هذه الأوراق، وما علاقتها مع واقعنا الآن؟

برأيي أن المنام غالباً هو رسالة من اللاوعي، عاطفة ما بحاجة لمساحة من التعبير، أو حاجة لا بد من تلبيتها، مثلاً، كان معنا ممثلة تمر بحالة نفسية سيئة جداً، وحين انضمت إلى العرض كانت منهارة، لكن لما بدأنا بجلسات "النوم"، حوالي ساعتين من النوم في كل بروفة، كانت ترى دوماً أشياء جميلة، أمير يتلمسها وريش يحيط بها، والكثير من صور الكليشيهات، التي كانت دائماً تضحكنا بسبب هذه المفارقة، إذ كنا متخوفين لما قد تراه خلال الرحلات الحلمية. بالتالي ما تراه/ نراه في المنام لابد أن يكون تعبيراً عن "شيء ما" بالنهاية، ربما حاجة جسدية أو رغبة دفينة غريزية بسيطة ومباشرة، كحلمك الشخصي بأن تلعب رياضة بصورة منتظمة، أو أن تكون فجعاً تلتهم كل ما في وجهك، أليس هذا نداء من جسدك؟

برأيي أنه من الضروري أن نشغل أنفسنا بأحلامنا ونفكر بها، خصوصاً أن الأحلام شديدة التعقيد، وتستهلك وقتاً كبيراً من حياتنا، أرى أن الحلم عتبة لنفهم أنفسنا، وحين نقوم بـ"التحقق من الواقع" وندرك أننا نحلم بوعي، نكتشف أننا لا نمتلك رقيباً ولا نتائج لأعمالنا، ولا أي عائق يقف في وجهنا، لا أخلاقي ولا جسدي، وهنا يظهر السؤال الأشد أهمية: ما الذي سأفعله حين أدرك هذا السياق؟ خصوصاً أننا أثناء الحلم الواعي نمتلك سلطة تغيير المنام و التحكم بعناصره، وتحويل الكابوس إلى رحلة أو مساحة للعب .

تمتلك سعيفان أرشيفاً من المنامات المدونة التي جمعتها ضمن "مشروع منامات سوريّة" منذ بداية الثورة في سوريا، وعملت من خلال الفرقة المسرحية "تنوين"، التي أسستها مع زياد عدوان، على عدد من العروض والأفلام التي توظف هذا الأرشيف

هناك صيغة دينية – ما ورائية، ترتبط بتبادل الأحلام و تناقلها و"فهم" معانيها، الأهم، كيف يمكن لنا أن نضبط ما يحدث في الحلم أو ندلل احتمال تصديقه دون أن نراه كانهيار في جدول المعاني العقلية، أو تدفق حر للكلمات والصور لا تضبطه سوى الرغبة الصرفة أو المعرفة المتخيلة، وما هو موقفك أنت كـ "مسرحية" تقدم هذا الشكل الذي نتوقع في النهاية أننا سنحصل منه على معارف وخبرات جمالية لدينا توقعات مسبقة عن طبيعتها؟

أفترض في العرض بداية أن الحلم هو مساحة للتفكير في الذات، كما أن له وظيفة أخرى (حسب بعض الثقافات و المراقبات) هي التنبؤ، الناس تحلم بأشياء ثم تحصل لاحقاً في الواقع، و هو أمر قديم لا جديد فيه، ولطالما امتلك الحلم معاني متعددة في الكثير من الثقافات، بالرغم من استهزاء العلم بهذه الممارسات، وأشير هنا أني أستخدم كلمات نسبية، لأن لكل ظاهرة استثناءات دائماً، وبالعموم أحاول ألا أتحدث بجزم، لكن ما يمكن قوله إن المنام بقي فعالاً في الحياة اليوميّة، ضمن شؤون طقسية بالنهاية نصدقها أو لا، ما أريد قوله إننا وظفنا هذه الطقوس في العرض، فجزء كبير من عملنا "اختُرع" و"أٌلفَ" في جلسات مغلقة ضمن الأحلام التي اختبرها المشاركون، إذ وضعنا الهيكل الخارجي بداية، ثم قمنا بتخيل العرض أثناء رحلات النوم الموجهة، وقمنا بـأشياء تجريبيّة ذات نتائج مذهلة وليس لها تفسير، قد تسحب البعض إلى عالم الماورائيات. هذه التجارب أثناء العرض أساسها الثقة والتصديق، فكّرنا مثلاً في أحد البروفات أننا سنضع في العرض بالونات مليئة بالهيليوم في الصالة، يومها كانت إحدى الممثلات غير موجودة، ولم يتحدث معها أحد، وأتت في النهار التالي، ونمنا جميعاً، ولم نذكر تفاصيل ما حدث في اليوم السابق، وحين استيقظنا، أخبرتنا بأنها شاهدت بالونات تطفو في صالة العرض عليها شالات خفيفة، وكأنها تطير في المكان، هي رأت ذات الصورة التي تخيلناها البارحة.

البعض كانوا يحلمون بأشياء متشابهة ويزورون بعضهم البعض في الحلم. وحرفياً لا تفسير لذلك، هذه واحدة من "المصادفات" الكثيرة التي لا تصدق. وهنا لابد أن أشير إلى غطرسة العلم والعجرفة التي أورثتنا إياها المؤسسة العلمية، والتي تعلمنا منها كيف نرفض هذه المصادفات، وكيف لا نصدقها، وهنا ظهر دور "الشامان" التي كانت معنا في البروفات والعرض، والتي قادتنا في عالم المنامات كونها خبيرة في علوم الأحلام ضمن الثقافات متنوعة، وأريد أن أشير أني أرى أن النظام السياسي والرأسمالي بشكل خاص يعمل بشكل واعٍ، ليحارب هذه المساحات الإبداعية الفردانية، منذ المدرسة ونظام التعليم ، إلى جانب دفعنا للهوس بالعمل والاستهلاك حتى تحريم كل ما هو "مهلوس" الذي للمفارقة هو مقدس في ثقافات أخرى، وهذا ما وظفناه في العرض وفي بعض تجاربنا، اقتبسنا من الطقوس والتمارين التي تفعل هذه المخيلة وتجعلها تحت سيطرتنا.

نهاية يمكن القول، إن هناك شيئاً عمدياً ومؤسساتياً، هدفه قطع العلاقة مع الذات، ومع هذه المواد الإبداعية، والسبب وراء محاربة هذه العوالم، أنها تلغي الرغبة بالاستهلاك. درب السعادة لذي ربما نسعى إليه جميعاً، لا أراه يمر من خلال الانصياع إلى إيقاع العصر الاصطناعي، فهذه العوالم الذاتيّة تخلق هدوءاً داخلياً واكتفاء، ما يهدد الاستهلاك، الذي يدفعنا بعيداً عن مساحات الأسئلة، والأهم أزمنة "الهدوء"، التي يتم ضمنها التقليل من "العمل" والضغط النفسي الـStress من أجل التفرغ لتجارب حسية وطرح الأسئلة، بالتالي هذا "النظام" مصمم ليجعل الناس مشغولين بتأمين ثمن الطعام المعدل جينياً، وأجرة المنزل "الخيالية"، ثم بالقيام بدورهم المرسوم مسبقاً لأجل "التطهير" عبر أساليب قد تكون أسوأ من مسبباتها.

هل تم تصميم المسرحيّة بوصف "مكان العرض" مساحة للنوم؟ وكيف تعاملتم مع المخاطر التي قد تفترضها بعض الكوابيس والأحلام والتي قد تظهر خلال العرض من قبل الجمهور أو المؤدين، وربما تؤدي إلى تجارب عنيفة بشكل ما؟

لم تصمم المسرحيّة أو فضاء العرض كغرفة للنوم أو مهجع، وإنما كمكان مريح و"بيتوتي" نوعاً ما، وفيه أيضاً بعض الكليشيهات، إذ نستقبل الجمهور في الشارع و نرحب بكل شخص على عدة مراحل وبعدة أساليبـ يتبنى كل واحد منها مؤد، فهناك اللطيف، والحريص على الصحة، والحشري، والمتسلط، والعاطفي، و"المتفشخر"، أما التحدي الصعب فهو هي بـكيفية توجيه الجمهور إلى عتبة الحلم، أي أن يناموا حوالي 40 دقيقة، ثم الاستمرار بالعرض لمدة ساعة بعد ذلك، خصوصاً أننا لم نعمل على بداية أو نهاية واضحة جداً أو مضبوطة الوقت، لا نعلم بدقة متى يبدأ العرض ولا متى ينتهي. هذه الحدود التقليدية لا تعنينا، كذلك لا تصفيق في النهاية، ولا إطفاء للإضاءة، ولا ستارة تفتح وتغلق، نترك نهاية العرض تُقرر لوحدها عبر ترك مكوناته تتداعى، وتوقف العناصر عن التفاعل (مع بعضها، إذ نبدأ بالتوجه للجمهور واستدراجه إلى أحاديث جانبية، وهنا النهاية التي لا يلاحظها الجمهور، الذي لم يدرك كيف ومتى بدأ العرض، فالبعض يبقى في الصالة ليتحدث والبعض يخرج ليدخن، لكن ما يهمني هو أن تكون لحظتا النوم ثم الاستيقاظ واضحتين. وخلالهما، ندل ونوجه الجمهور إلى كيفية العودة إلى "الآن وهنا"، إي طريق الخروج من المنام الموجه، عبر سلسة تمارين مدروسة، كيلا يحصل انهيار عاطفي لأي أحد، فالاستيقاظ كان تدريجياً، ليبدأ بعده مرحلة جمع المنامات التي دونها النائمون ومحاولة إعادة تجسيدها أو سردها.

لكن ماذا عن الخطر أو أن يفلت "المنام" من يد المؤدي أو واحد من الحاضرين؟

هناك لحظة ضمن التمارين التي يتلقاها الجمهور والمؤدون هدفها إعادة السيطرة على الحلم أو الكابوس، وهذا أيضاً ما أقصده بـReality check، كوننا وصلنا إلى مرحلة خطرة في العالم، وهنا حدثتنا الشامان عن حاجتنا لنظام يحمينا تجاه ما قد نواجهه في المنام، المساحة التي يمكن أن يتجلى فيها ما هو إيجابي أو سلبي، لذا وكان علينا أن نجد بداية الحيوان الحاميprotective animal، أن نغوص تحت الأرض، و نبحث عن "الدب الأم" التي نجلس في حضنها الدافئ لتعانقنا، تلك الحاجة البشرية التي حرمتنا منها الجائحة، نحن بحاجة لأن نحتضن، بهذه البساطة، نحن بحاجة لشيء قوي يضمنا ويحمينا، ومن هذا المنطلق نبحث عن حيواننا الحامي.

أخذتنا الشامان حينها في رحلة كانت نتائجها مذهلة، فأنا شخصياً مثلاً، علمت من "الدب الأم" أني لست جاهزة بعد، ما زلت متوترة، حينها كنت أبحث عن غوريلا، قوية وعملاقة لتكون بجانبي في مشواري، أبحث عنها بين الصور في الذاكرة وبين ما أتخيله، والتبس علي الأمر أيضاً بينها وبين الأفعى، لكن كلاهما، الأفعى والغوريلا، لم تعيراني اهتماماً، لكن طوال الوقت في تلك الرحلة، كانت هناك سلحفاة تمشي بجانبي، كنت أتجاهلها ولا أعيرها اهتماماً إلى حين نهايةً لم يبق غيرها ضمن رحلتي بحثي، وسألتها: هل أنتِ حيواني الذي يحميني؟ فنظرت إلي وقالت لي: ألم تكتشفي إلى الآن؟ نعم أنا حيوانك الحامي، كل ما أطلبه منك، هو القليل من البطء.

يمكن القول باختصار، أن بعض الوجوديين لا يؤمنون باللاوعي، والنازيون يرون اللاوعي كتعبير عن الحقيقة والإرادة الجمعية التي ينطقها الزعيم، رافضين "انحطاط فرويد"، والبعض الآخر، كالمؤمنين مثلاً، ينفون فئة كبيرة من الأحلام ومصدرها اللاواعي، بوصفها مجرد هلوسات لا قيمة لها والقليل منها ما يحمل أهميّة، كيف تتعاملين مع "اللاوعي" وتوظيفه أثناء العرض؟

لا أناقش أنه موجود أو غير موجود، و هناك تجارب عديدة، عن الموت لدقائق ثم العودة للحياة بعد ذلك، وحكايات عن تضرر دماغي ثم تمكن الدماغ بعدها من شفاء نفسه، الأكيد بالنسبة لي أن هناك ما لا نستطيع تفسيره أو فهمه، كالتجارب خارج الجسد، والزمن الداخلي، والأبعاد الأخرى، وكل ما قد يدل على تفاهة وجودنا وعلومنا، لكني أظن أن هناك الكثير من التعالي حين نقارب هذه المواضيع بهذا الشكل المتكبر. اللاوعي هو جزء من كل هذه المنظومة التي لا نمتلك القدرة على الدخول إليها أو السيطرة على ما فيها، فعلاقتنا معها سطحية أو مبررة بأسباب طفولية أو دينيّة، لكن هناك ما هو "موجود"، هذه الملاحظات والمصادفات التي نختبرها لابد أن لها تفسير أو معنى ما.

لكن ما نسميه "اللاوعي" وهو مادة خام في عملك، أنت تعملين كمؤدية على مفهوم خطر جداً، لم نتفق عليه ولا نعرف عنه الكثير، في العرض رسمتم بوابة متخيلة لدخوله، وما دور الطقس في هذه العملية، هل هو ما يضبطها أو ما يفتح بابها أمامنا؟ و هل فعلاً ما يحصل في الحلم، ينبع فعلياً من داخلي؟ لم نعطي قيمة لهذه "المخيلة" و"الصور" ونصفها بأنها حاجات جسديّة؟ ما هي العناصر الثابتة أو العنصر الذي نعتمده، للبناء على مستوى العرض أو حتى بنية الحلم نفسه؟

لا يوجد عناصر ثابتة، وأعلم أن كلامي لا يمكن قياسه أو ضبطه، هو غير تقليدي من الصعب تصنيفه، وهذا ما لا يهمني حقيقة، أنا أسأل وأبحث، أتعامل مع الأمر كباحث، أمتلك ملاحظات أبرزها أن الأحلام تتكرر وتتشابه، وعبر مراجعة أرشيف الأحلام بعد الصدمات، لاحظت تشابهات أشد تتكرر على اختلاف الأزمنة، مثلاً، حين كنا ننام جميعاً ونحلم بشكل واع، كنا نرى أشياء متشابهة، دون أن أمتلك أي تفسير لهذا.

هل هذه الصور نبوءات أو مصادفات، أو "خبصة" شاورما مع مشهد من فيلم، أم الخوف من القهوة التي وقعت على اللابتوب، كل هذا صالح طبعاً ليكون السبب، لكننا نركز في العرض على التلاعب بالأحلام وتوجيهها، والتمرين على التأكد من الواقع، والأهم توظيف الشكل المسرحي هنا لطرح إشكاليات هذه العجرفة العلمية، وذكرت لك سابقاً أن هناك عالماً معنا، يحاضر في العرض عن عوالم الأحلام واللاوعي، وكيف تترجم المعارف من مستوى لآخر، وكنا نحاول في العرض، في العلاقة بين المؤدين والجمهور، أن نطرح سؤالاً: هل هذه "الجلسة" هي للمؤدين أم الجمهور؟ هناك سوء تفاهم في العرض، فهل الجمهور مدعو لحضور المؤدية فاتنة ليلى مثلاً التي ترحب بهم وتدللهم، أم لحضور العالم ميرت أكبال الذي يحاضر بهم؟

هذا الحوار والصراع بين العلم والعواطف حاضر في العرض، فالجمهور لمن سيستمع، للعالم أم للحالم؟ هل نصدق صاحب اللوح والأرقام والنظريات، أم المضيفة اللطيفة التي تتحدث مع الجمهور و تستقبله و تجهزه للـ"نوم"؟ هناك قلق ومسؤولية أخلاقية وعاطفية يخلقها هذا الطقس، هل أسمع للمعلومة القيمة أم استرخي واستمتع بما يقدمه المؤدون؟ ما أعمل عليه هو الملاحظات لا الأجوبة، أريد فقط زعزعة "الواقع" حتى ضمن شروط المسرح، والتأكد منه وطرح أسئلة حول حقيقة كل واحد منهما.

هناك توقعات حين نحضر المسرح ونغادر أي عرض، التطهير، الشعور بالذنب، التحول من حالة معرفة إلى أخرى، أي هناك دوماً حكاية ومجموعة ألعاب، ستوصلنا إلى نتيجة متوقعة مسبقاً سبب العناصر الطقسية والجمالية التي يحويها العرض، لكن فيReality check ، لا نستطيع ضمان النتائج، و في كل تكرار للعرض تختلف النتائج، ولا يمكن رصدها من قبلك، ولا من قبل المؤدين ولا الجمهور، أليس هذا خطر على شكل اللعب نفسه وما يترتب عليه لاحقاً؟

بالطبع، من الممكن أن يكون أحد العروض تافهاً، أو في مرة أخرى شديد التميز، لكن فيما يخص الخطر الواقع على المؤدين والمشاهدين، نعم دخلنا في عملية لا يمكن توقعها، لكن ما يهمني ألا يدخل الناس في الذنب ولا التطهير، سلطة الذنب تخلق هرمية بين العرض والجمهور، بين من يبث الذنب وبين من يتلقاه، وهذا ما لا أريده، كما لا أظن أن العروض المسرحية التي ينتج عنها توقيع عرائض واحتجاجات قادرة فعلاً على حل "المشكلة"، في reality check نوظف النوم كمساحة لا نفرض فيها على المشاهد أي "هرميّة"، فـ"الفرد" منتهك للأقصى حالياً، جسدياً وعاطفياً و فكرياً، ولا أظن أن دوري هو صفعه أثناء المسرحيّة، أو إيقاعه في ذنب جديد، وأنا شخصياً لدي مشكلة في العروض المشابهة، هي تزيح الصراع من المواجهة مع "المؤسسة" إلى مساحة نهاجم فيها الخاضعين لها، بإرادتهم أو دون علمهم، ويمكن القول وبسبب الوضع الاستثنائي، رفاهية الثورة أو الإضراب لم تعد متوافرة، فلا أظن التغير سيكون عبر خلق هرمية وتوزيع الذنب وصكوك الغفران.

حاولتِ في العرض البحث عن العطب الذي أصابنا في مساحة لا يمكن تعميمها أو خلق نوع من التعاضد بين الموجودين ضمنها، فالتغير الذي سيمر به المؤدون أو الجمهور، لا يمكن مشاركته كونه شديد الشخصية، وهنا سؤال ساذج: لم على الجمهور الألماني أن يختبر كوابيس ناجين سوريين؟

الجواب على مرحلتين، الأول، أثناء البروفات التي كنا نحاول ضمنها الغوص إلى أماكن عميقة وعارية في دواخل المؤدين، الشأن الذي أدى مراراً إلى بكاء تطهيري طويل امتد لفترات طويلة، هذه الأوجاع ترتبط بأشياء شخصية، هذه التجربة خلقت تضامناً متيناً بين أفراد المجموعة، ما جعل مستويات الثقة بين المؤدين عالية جداً أثناء العرض، ووصلت هذه الثقة واللعبيّة والكودات المغلقة بين الأعضاء إلى الجمهور الذي لاحظ اندماج المؤدين في اللعب مع بعضهم البعض لمرحلة شعر فيها بعض المراقبين من الجمهور ألا مكان لهم بين المؤدين، أو كأن عليهم الانسحاب بهدوء لكي لا يزعجوا المؤدين الذي سردوا أداءً ما اختبروه في المنام، ونسوا لفترة وجود الجمهور، وتفعلت حينها تقنيات الارتجال، فبينما أقوم أنا بقراءة ملاحظات الجمهور وأحلامهم، تدخل المؤدون واستخدموها كنقاط للارتجال، أي كأنما المشاهد يرى حلمه في مساحة العرض التي نتشاركها جميعا، هناك من المؤدين أيضاً من تحدث مع الجمهور بشكل شخصي، وهنا أظن أني تمكنت من تحقيق واحد من أهدافي في العرض، وهو ألا يتصنع المؤدون وألا يستعرضوا مهاراتهم أمام الجمهور، المؤدي كان موجوداً بنفسه بشكل كامل، لا يحاول استعراض جزء وإخفاء الآخر.

ألسنا هنا أما شكل من أشكال العري ذي الأبعاد السياسية؟

نعم هناك عريّ بالمعنى المفاهيمي، لذا وضعنا مجموعة من الكودات والشيفرات من أجل ضبط العرض أو إيقاف أحد المشاهد، وهذا ما حدث في أحد العروض، إذ فجأة وجدت إحدى المؤديات وقد غلفت نفسها بصورة كلية بقماش، وكأنها تختنق، وإنا كنت مأخوذة بالغراموفون، لا أعي ما يحصل معها، كلانا دخلنا في رحلة ما، أنا أنطق هلوسات وهي تخنق نفسها، إلى حين صرت بالمؤدية فاتنة ليلى، كي أتوقف عن الكلام، كونها فشلت في مساعدتها على الفكاك مما كبلت نفسها به. وفي هذه اللحظة أخذنا قرار التوقف، إي إيقاف اللعب، وهنا لا بد أن أؤكد أن المؤدين يمتلكون حرية إلغاء المشاهد التي لا يرغبون بالقيام بها.

عملية إيقاف اللعب هذه لها حكاية طريفة، اقتبسنا من أنجيلا ميركل التي قالت إن أسلوب الوقاية من كورونا هو غسل اليدين لمدة 30 ثانية وغناءHappy Birth Day مرتين، استخدمنا هذه العلامة لتصبح شيفرة لإيقاف الحكاية أو المشهد الذي يلعبه المؤدي، هي علامة ليضبط فيها المؤدي ما يحصل، وهي دليل يفهمه الجميع على نهاية المشهد .

يمتلك المؤدون والمشاهدون حرية كبيرة في العرض، يمكن لهم الحديث عن مشاعرهم بصوت عال وبوضوح دون أي رقيب، كما أن كل مستويات الاستعراض والتملق أمام الجمهور ونفي الذنب واستعراض الضحايا، كله تم حذفه، ودخلنا في جو الجميع يشارك به، سواء عبر النوم، اللعب أو الغناء، بعض المشاهدين شاركوا ، ونحن في ذات الوقت، نقوم بدعوتهم للعب معنا، عبر إعطائهم أغراضاً مختلفة، كالمفاتيح مثلاً، وهي كلها عناصر آتية من أحلام وحكايات المؤدين أنفسهم، فلا أسرار في العرض، لا مفاجأة للجمهور، نحن نخبرهم بكل شيء. لدينا عالم، لدينا شامان، لدينا تمارين على الحلم الواعي، كل ما سيحصل يشرح للجمهور، كذلك هناك الكثير من الاحتمالات للمشاركة في التجربة بالنسبة لكل فرد، من الانغماس الكلي، حد الوقوف والمشاهدة بصمت وذلك ينطبق على المؤدي والجمهور، أي يمكن القول إننا خلقنا مساحة آمنة.

مات الجميع بعد عشر سنوات، وأريد شراء هذا العرض، وإعادة عرضه، ما الذي امتلكه من مواد "نص، تصوير مسجل... الخ"؟

هناك بالطبع التسجيل، لكن لابد من عام مكثف من العمل معي، خصوصاً أنني أمام ملامح "منهج" ما زال قيد التكوين، ما زلت أعمل على بناء الألعاب والتمارين والأسلوب الذي يمكن عبره لا فقط نقل العرض بل أسلوب إنتاجه، والأمر لا يتعلق فقط بـ"المسرحيين"، بل يمكن لأي شخص القيام بها، هناك "عملية" أحاول ضمن حدودها وتكوينها من أجل التحكم بالأحلام والاستفادة منها ضمن العمل المسرحي و الحياة اليومية.

أطرح سؤالي السابق بهذا الشكل كون هذا العرض، يهدد أحد أهم عناصر العمل الفني، وهي "القدرة على الانتقال"، وهناك خصوصية لهذا العرض كون مادته الخام هي "الحلم" و"اللاوعي"، والعملية التي يتم ضمنها لإنتاجه مرتبطة بشبكة من الأشخاص شاركوا جميعاً بها، بل هناك جزء يختلف باختلاف الجمهور وما يحلم به، بالتالي، كيف يمكن أن "نجنس" هذا العرض، أو نثبت عناصر يمكن تكرارها لاحقاً؟

ما زالت علامة التجنيس غامضة، أو بصورة أدق ليست اهتمامي الأول، أداء، مسرحيّ، فن أداء، أمسية حالمة، لكن ما يهمني هو "العملية" التي شرحناها أثناء "العرض" من أجل إنتاج التجربة الاستكشافية، وأعلم بدقة أن هناك إشكالية في هذا الأمر، سببها تعقيد العمليّة وصعوبة تقديمها ضمن ساعات العرض بشكل كاف، الحلم واللاوعي ثم النوم والمحاضرة والتأكد من الواقع، وعبور باب الحلم ثم الخروج منه، كلها مفاهيم عملنا أشهراً عليها لمحاولة الإحاطة بها.

لم يكن الكلام أو المنطوق هو العامل الرئيسي في العرض، كون العرض باللغة الإنكليزيّة، و هل أتحدث عن "الرحلة إلى الحلم" بالألمانية أو العربية أو الإنكليزيّة، و هذا أمر تنبهت له لاحقاً، لكن حتى من لم يفهم اللغة، دخلوا في رحلة ما، فعّلها الطقس المرتبط بالطبل والأدوات والديكور ووضعية المؤدين وكيفية الحركة، فالطقس ذو قيمة أكبر من الكلمات، إذ استخدمنا أيضاً الصور، لا المفاهيم ،وهنا يتضح لما أعمل على العاطفة، لا العقلانية، كاحتجاج على عملية "العقلنة" التي نخضع لها، خصوصاً حالياً في ظل كورونا والحجر الصحي المترقب، أجسادنا أصبحت هزيلة، مضبوطة بكيفية حركتها واصطفافها.

هاملت، المثقف، الجامعي، صدق الشبح حين رآه، وقضى فصول المسرحيّة يحاول قتل عمه إلى حين قتل نفسه ومن حوله؟ ما الذي يضمن عدم تكرار هذا في عرضك؟ خصوصاً أن الجمهور يعود للمنزل ومعه مفاتيح يمكن توظيفها لاكتشاف عالم الأحلام هذا؟

هاملت مسرحيّة، ودراما نهايتها وخيمة، هي لا تشابه الحياة، التي لا يمكن توقع ما قد يحصل فيها، مقارنتك مع تاريخ المسرح نظرية، تبتعد عن "التجربة" التي أحاول العمل عليها في المسرحيّة، لكن ما أريد قوله هو ضرورة توافر شجاعة ما لدى المؤدي والجمهور لعدم المقارنة مع تواريخ المسرح ونهاياته، بل التفرغ للـ"أنا"، و عدم الاقتناع ما تعلمانه وما برمجنا عليه، خصوصاً أننا اختبرنا الصدمات، ولو تجاهلتها عقولنا، هي تختزن في أجسادنا، يبرمج لحمنا بناء عليها، والأمر يتشابه بين من اختبر العنف وبين من سمع عنه أو حلم به، هي صدمة تختزن تحت الجلد. الكثيرون يتركونها دون علاج، و هنا يمكن القول إنها تظهر في الحلم، الذي أيضاً نخزن ما نراه فيه ضمن أجسادنا، أما فيما يخص الجمهور، فالأمر يعود له، ربما يرى ما يجب عليه فعله و يتجاهله، كأن يعود إلى حبّ قديم، أو يغير حياته العاديّة، بالناهية كل شخص يتحمل مسؤولية أفعاله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard