"جريمة في مسرح القباني"... الكذبة الواقعية والحقيقة المسرحية

الخميس 21 مايو 202001:34 م

نحاكي في العنوان كتاب الناقد الفرنسي رينيه جيرارد " الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية-1961"، في إشارة إلى "الرغبة المحاكاتية" التي نظّر لها جيرارد، وفسر فيها الظاهرة الفنية وظهرت لاحقاً في كتابه الأشهر" العنف والمقدّس-1972"، و الذي يقتبس منه الكاتب السوري باسم سليمان عتبته النصية "السلام هبة العنف"، في روايته الصادرة هذا العام "جريمة قتل في مسرح القباني (الحدّ والشبهة)"، عن دار ميم للنشر، ونشير إلى جيرارد بهذه الكثافة لأن سليمان يتبنّى العديد من مصطلحاته، ومفاهيمه عن دورة العنف والأضحية، وكيفية اختزال الأخيرة للعنف الجمعي حين تسيل دماؤها علناً.

يتبنى سليمان الحبكة البوليسية، فهناك جريمة قتل تصل إلى "المحقق هشام" عن عامل قمامة مات ليلاً على خشبة المسرح، محاطاً بالدمى التي صنعها والتي تبدو كأنها خنقته، والشاهد على هذا الموت هو حارس المسرح، صديق هشام، وبائع الكتب المستعملة تحت جسر الرئيس في العاصمة دمشق التي يرسم سليمان ملامحها وتفاصيلها، وأثناء بحثه عن القاتل المفترض، نتعرف على عبد الله بن أمة الله، (الضحيّة) الذي "استعرض" موته على خشبة واحد من أقدم مسارح دمشق.

في روايته الصادرة هذا العام "جريمة قتل في مسرح القباني (الحدّ والشبهة)"، يرسم الكاتب السوري باسم سليمان ملامح دورة العنف والأضحية، وكيفية اختزال الأخيرة للعنف الجمعي حين تسيل دماؤها علناً

قبل الخوض في ملامح الرواية يثيرنا أن شخصيات سليمان شديدة الاطلاع، وتستطرد في أفكارها و تأملاتها التي تتحرك بين الفلسفة، الأدب والتحليل النفسي، المحقق والمشتبه به وحتى بديل شخصية "هائل اليوسفي" المتخيّل، المحامي الذي ألف المسلسل الإذاعي الشهير حكم العدالة، كلهم مستهلِكون ممتازون للكتب، و ذوو أفكار عن أصل العالم وطبيعة تكوين الظاهرة الثقافية، في استطرادات تكشف لنا عن سليمان نفسه، فلغة الشخصيات تتشابه ولا تبتعد عن صوت الراوي الذي يستطرد بكلام لا ننكر قيمته الفكرية، لكنه يأخذنا نحو تساؤلات لا تنتمي لخيوط الجريمة أو مساءلة النوع الروائي، بل تحويل الرواية نفسها إلى دليل لتفسير ما شهدته سوريا منذ الثمانينيات حتى الآن.

هناك علامات في الرواية تدل على سعي للبحث عن قرين Double، المحقق هشام الذي يتقاطع مع شخصية متخيلة من حكم العدالة، يتقاطع أيضاً مع عبد الله بن أمة الله، اسم يمكن لأي أحد أن يمتلكه، شخصية بلا نسب، لقيط وجد رضيعاً قرب المكان الذي شهد تفجيرات الأزبكية في سوريا في الثمانينيات، وتحول إلى عامل قمامة يحب المسرح، عبد الله ترك دفاتره وملاحظاته على كرسي الملقن في مسرح القباني، هذا القرين أو الـDouble، لابدّ من وجوده ضمن نظام الأضحية، ومن خصائصه أنه يتطابق مع الأصل حدّ الاختلاف الـUncanny، إن صح التعبير، وهذا ما يتكرر في الرواية، الشخصيات الواقعية لها أقرانها المتخيلة، هشام المحقق، مع هشام المحقق في حكم العدالة، توأم قتل أخاه، جريمة حقيقة وجريمة متخيّلة، ولا بد نهاية من تلاشي واحد من الأقران، وهذا يظهر نظام الأضحية ومفهوم العدالة، ذاك الذي يطرحه جيرارد وتتبناه الرواية، إذ لابد من أضحية تختلف عن طبيعة المُضحين لاختزال العنف الموجود في المجتمع، وهنا تكمن قدرية ما تحاول الرواية قوله، أحداث الثمانينيات في سوريا، ثم الثورة، تظهر كأنها دورة تاريخية ميتافيزيقية، الشخصيات تتحرر من السياسية لتسلم بأنفسها لنظام الأضاحي الذي عرفته البشرية منذ مطلعها، دورة العنف غير سياسية بل حتمية، تتكرر دوماً، كون الخيوط التي تحرّك الدمى لا تقطع كلياً.

هذه الدورة التي تنتقل بالدم الذي لابد من أن يهدر لأجل أن تغلق، تظهر في دفاتر عبد الله بن أمة الله، هو ضحية بالنهاية، بلا تاريخ، و ويبتدع لنفسه تاريخاً يقوم بتدوينه ويقرأه المحقق هشام، مُتبنياً دورة العنف المحاكاتي، يصنع دمى تشكل أسرته و يُكسب كل واحدة منها تاريخها، دمى تتحرك وسط عنف يتكرر، تنمو وتكبر ويعيد عبد الله قراءة حيواتها ليضع نفسه نهاية أضحية لها، هو القرين المختلف عن الدمى الذي لابد من موته لأجل اكتمال دورة العنف، وكأن العنف السابق قدريّ، يمشي في الدم، لكن الغريب أن الضحيّة تم اختيارها بوصفها "لا أحد"، لتختزل عذابات "أقرانها" بجسدها على خشبة علنية، ومن تاريخ عبد الله بن أمة الله المتخيّل والحقيقي، نراه من خارج نظام الحياة التقليديّ، أي ينتمي للخارج، بلا اسم ولا وجه مكتمل، على هوامش النظام السياسيّ، ويمكن أن "يمنع" خارجه، الفئات التي يشترك فيها السيّد والوحش، تلك الحيوات التي يمكن التضحية بها دون أن ترتكب جريمة، أي لا ثأر بعدها، مجرد إحقاق للعدالة، كونها تشكل خطراً وجودياً على النظام القائم نفسه وسكانه، كحالة أوديب، السيد الذي لا بد من التضحية به كي ينفى البلاء عن طيبة، الأهم أن أحداً لن يعاقب أوديب، وهنا تظهر التساؤلات عن طبيعة اختيار سليمان للأضحية لأن تكون أي أحد، لا شخصاً أو مفهوماً يختزن بجسده النظام القائم ويقوم بإصداره.

جدوى العمل الفنيّ

يقدم لنا سليمان في الرواية عدة صور للفنان، أبرزها تلك التي يضحّي فيها الفنان بحياة موضوعاته في سوريا في سبيل أن يتم استعراضها في "الخارج"، هنا نحن أمام فنان يشارك في عملية "الانتهاك" ويختفي وراء "الجماليات"، يجعل موضوعاته محاكاة للأصل، أي ترسيخ للعنف دون نفيه، و هنا تأتي صورة الفنان الثانية المتمثلة بعد الله بن أمة الله، الذي جعل من نفسه أضحية على المسرح، وهنا تتضح أمامنا مقاربة سليمان للفن بوصفه لا "محاكاة" للواقع، بل طقساً سياسياً، يحصل ضمن إطار لا يسعى للتطهير أي اختزان العنف، بل لإعادة تعريف العنف وأسلوب توزعه بين المشاهدين والمؤدي، أي نزع خيوط الدمى لإعادة التلاعب فيها ورسمها من جديد، وهذه الإشارة، أي حقيقة من يكتب ماذا ومن يتحكم بما نراه، يُشار لها في آخر صفحة من الرواية، إذ هي موقعة باسم "المساعد جميل"، الشخصية الوهمية التي لا نسمع عنها كثيراً في الرواية، بل تحضر في المسلسل المتخيل حكم العدالة، و كأننا أمام حكاية نوستالجية تشابه ما يقدمه حكم العدالة، صورة نمطية للنظام القضائي يقسم فيها الناس بين مجرمين وأبرياء، تمارس السلطة عملية تعريفهم وتصنيفهم، هذه الصورة غير واقعية في الحالة السورية، بل تخفي وراءها سؤال عن حقيقة العدالة، يد من هي الخفية التي تتحكم بالخيوط، تلك التي تظهر في النهاية فقط لتكشف "سيناريو" ما يحصل، إلى حدّ العمل الفنيّ قادر على الاستقلال عن الخطاب الرسمي، أم سيكون أسير النوستالجيا وإعادة تكرار متخيّلات السلطة.

الإحالات العديدة في الرواية والنصوص التي تذكر بين صفحاتها تتطلب من القارئ أن يضطلع بالمرجعيات التي يحيل لها سليمان من الأدب العالمي والسوري، هذه الإحالات في الكثير من الأحيان لا تخدم الحبكة البوليسية، بل استطرادات للتفسير ومسائلات لا تصب في دفع الحبكة البوليسية، وفي حديث مع سليمان سألناه عن ذلك، وكان جوابه أنه مستعد للتضحية بفئة من القرّاء في سبيل النجاة من الاصطفاف السياسي المرتبط بالمنتجات الثقافية في سوريا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard