أنا لست فيلاً

الاثنين 31 يناير 202212:06 م


عندما كنت أشرح لطلابي كيف يتمّ ترويض الحيوانات من أجل عروض السيرك، وكيف يتمّ التعامل مع الفيلة، من تجويعٍ وتخويفٍ وحبسٍ، لتثق أخيراً باليد التي تُمدّ لها، وتصبح حيوانات مطيعةً تنفذ الأوامر وتؤدي دورها على المسرح بإتقان، لم أتمالك نفسي، وكتبت على السبورة: أنا لست فيلاً، لأدخل بعدها في نوبة بكاءٍ شديدة أمام أعين تلاميذي المستغربة.

لم يبقَ في ذهني أيّ مجالٍ للشك في أن كلّ ما يحدث الآن في سوريا، يجعل منّا نسخاً متشابهة، نسخاً تفتح أفواهها لتأكل لا لتتكلم، وتغمض عيونها لتنام لا لتحلم. ومن يريد أن يكون مختلفاً، ومن يرفض هذا الواقع، ويرفض أن يكون فيلاً، فليغادر من دون رجعة.

لم ييبقَ في ذهني أيّ مجالٍ للشك في أن كلّ ما يحدث الآن في سوريا، يجعل منّا نسخاً متشابهة... ومن يريد أن يكون مختلفاً، ومن يرفض هذا الواقع، ويرفض أن يكون فيلاً، فليغادر من دون رجعة.

في هذه البقعة الجغرافية المنحوسة من العالم، هناك حديثٌ دائمٌ عن مجتمع متجانس، والحقيقة التي باتت واضحةً وضوح الشمس، هي أنّ المجتمع المتجانس هنا لا يعني ولن يعني في ظل الظروف نفسها، إلا قطيعاً متجانساً؛ أي ما نحن عليه الآن.

ست ساعات متواصلة، وأحياناً سبع ساعات من انقطاع التيار الكهربائي، تجعلك حرفياً خارج الزمن، ناهيك عن انقطاع المياه، وأسعار السلع الغذائية العادية التي تجاوزت المنطق أمام راتب الموظف الهزلي. هذا كله ليس إلا إكمالاً لحلقة التهريج في السيرك السوري. نحو 19 ساعةً من العمل، مع الحاجة إلى ثلاثة مصادر دخل على الأقل، لتكون قادراً على حياة شبه طبيعية؛ ألسنا إذاً في عصر عبودية جديد! يقول جون لوك: "لا يمكن لأحد أن يبيع نفسه للعبودية مقابل المال، حتى لو أراد ذلك..."، ولكننا نفعل. من يحمينا؟

نحن اليوم نبيع أنفسنا حرفياً، ونبيع أطفالنا أيضاً، مقابل المال. تجارة بشر من نوع جديد. عمالة رخيصة راضية، لأنّ الخوف الذي زُرع في دواخلنا منذ تحية الصباح الأولى في المدرسة، أصبح شجرةً كبيرةً من الرعب، شجرة نقطف عنها ألسنتنا يومياً، ونرميها بأيدينا للكلاب.

ساعات طويلة من العمل مقابل انعدام التفكير نهائياً، ومقابل تحويل عقولنا إلى مجرد أداة نستخدمها لإيجاد طرق للحصول على طعام، هذا ما أرادوه، وهذا ما أصبحنا عليه. أشعر أحياناً بأننا جميعاً داخل لعبة إلكترونية ما، وأحدهم يصرخ بنا، وقت النوم، فننام، ووقت الاستحمام فنستحم، ووقت الطعام فنأكل، ووقت القهر فنبكي...

عندما كنت أشرح لطلابي كيف يتمّ ترويض الحيوانات من أجل عروض السيرك، وكيف يتمّ التعامل مع الفيلة، من تجويعٍ وتخويفٍ وحبسٍ، لتثق أخيراً باليد التي تُمدّ لها، وتصبح حيوانات مطيعةً تنفذ الأوامر وتؤدي دورها على المسرح بإتقان، لم أتمالك نفسي، وكتبت على السبورة: أنا لست فيلاً

في الباص سمعت امرأةً خمسينيةً تقول: "والله منكون حاطين الغدا، وعم نفكر بكرة شو بدنا ناكل"... والجميع يهزّون رؤوسهم موافقين. الطبقة الوسطى المثقفة في البلد، والتي كان يعوّل عليها الكثير، تحوّلت إلى مجموعة عبيد يحاولون تأمين لقمة عيشهم فحسب.

تقول صديقتي التي غادرت منذ فترة قصيرة إلى دبي: "أنا عاجزة عن الشعور بالسعادة. العتمة التي عشت فيها سنواتٍ أصبحت في داخلي"، وتتابع: "العالم مُضاء حولي الآن، وأنا لا أرى إلّا ضوء الشمعة الخافت في غرفتي الرطبة الباردة في جرمانا".

منذ بدء الأزمة الاقتصادية الخانقة في سوريا، ونحن نقف أمام خيارين: إمّا أن نطعم أطفالنا، وإمّا أن نربّيهم.

في المدرسة، نكاد لا نتكلّم عن شيء سوى عن أسعار السلع، وعن أكثر الأطعمة اقتصاديةً. ولما تحدّثت إحدى المدرّسات بشغف عن فيلم رومانسي شاهدته، كنّا جميعاً مشدوهين ومعجبين بطريقة انفصالها عن الواقع، لأننا نعيش حالياً في مكان أصبح فيه الحصول على حمام ساخن رفاهةً، وغسل الملابس يحتاج إلى خطة خمسية، وتأمين وجبتين يومياً يحتاج إلى تفكير عميق وبحث ودراسات اقتصادية، وبالتأكيد سيكون الحديث عن مشاهدة فيلم، أو حضور مسرحية، أو الاستماع إلى الموسيقى، بمثابة انفصال تامّ عن الواقع. تقول هي ببساطة: "بهذه الطريقة فحسب أنجو". 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر ،هذا ما قدّره وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاجتماعية، وهذا ما نعيشه بالفعل. 90 في المئة يبتكرون طرق النجاة الخاصة بهم يومياً. 90 في المئة نسبة محزنة جداً، والمحزن أكثر أنّ هذه الـ90 في المئة التي يقرؤها الناس في أي مكانٍ في العالم، كخبرٍ عاجل، أو كإحصائية جديدة، هي نحن.

أين أطفالي من كل هذا؟

منذ فترة طويلة، وأنا أمضي وقتي بالكامل في العمل. أقوم بأربعة أعمال غير واجباتي الأخرى كأمّ، وفي هذا الوقت يجد أطفالي أن الحلّ الوحيد لألبّي نداءهم، هو طلب الطعام. تفاحة مأكول نصفها، يضعها ابني على الطاولة، تفضح حاجته إلي.

أطفال جائعون ويدارون جوعهم الحقيقي بطلب الطعام، حقيقة أدركها جيداً أنا وكثيرون. أطفالنا جائعون طوال الوقت، على الرغم من أن كل ما نفعله هو العمل لإشباعهم.

لقد تخليت عن قصة ما قبل النوم، لصالح القليل من الصمت، بعد يوم تعب طويل. وأكثر الجمل التي أستخدمها مع أطفالي، هي من قبيل: "حلوا عني، بعّد عن اللابتوب، لا تقرّبوا ع طاولة الطلاب... مو فاضية أبداً إسمع قصصكم... مو وقتك هلق... بعد شوي".

وبعد مضي وقت طويل على عدم استجابتي، تقول طفلتي: "ماما بعد شوي فترة طويلة جداً"... يبدو فعلاً أننا في هذا البلد بدأنا نعاني من مشكلات معقدة جداً مع الوقت.

البارحة مثلاً، لم أتمكن من الحصول على خبز، لأني لم أستطع ضبط وقتي مع موعد توزيعه المتغير والمتبدل والمتنوع. لم أستطع أن أعالج الالتباس الحاصل هنا في علاقة المسافة بالزمان. طلب رغيف خبز من الجيران لم يعد بالحميمية السابقة، أؤكد لك.

لقد تخليت عن قصة ما قبل النوم، لصالح القليل من الصمت، بعد يوم تعب طويل. وأكثر الجمل التي أستخدمها مع أطفالي، هي من قبيل: "حلوا عني، بعّد عن اللابتوب، لا تقرّبوا ع طاولة الطلاب... مو فاضية أبداً إسمع قصصكم... مو وقتك هلق... بعد شوي"

في البند 24 لمنظمة حقوق الطفل، يتم التأكيد على حق الطفل في العيش في ظروف تضمن له الصحة النفسية والجسدية، وأصبح السؤال عن إمكانية تحقيق هذا في بلد كسوريا ملحاً جداً، في بلد نقايض فيه حاجة أطفالنا إلينا، بطعامهم.

منذ بدء الأزمة الاقتصادية الخانقة في سوريا، ونحن نقف أمام خيارين: إمّا أن نطعم أطفالنا، وإمّا أن نربّيهم.

أطفال لم ينالوا حقهم الطبيعي من الحياة. جيل كامل لم يحظَ بالتربية المناسبة، ولم يأخذ حقه من ثرثرات الصباح مع والديه، ومن اللعب في الحديقة، ومن حكايات ما قبل النوم الطويلة، ومن العناقات والقبل والأحضان، ومن صباحات العيد الملوّنة، ومن الأحلام... جيل كامل صادرت الحرب حياته، وسرقت طفولته. جيل كامل سُرِق وقته علناً، وبكلّ وقاحة يقول أحدهم: سرقة الوقت ليست جريمةً يحاسب عليها القانون.

في كلّ يومٍ أستيقظ لأجد أن الخيار الأكثر رفاهةً في بلد من الصعب عليك أن تتخذ فيه قرار الاستحمام، أو غسل وجهك صباحاً، هو خيار الحبال المشدودة حول الأعناق. لكن نداءات الأطفال تعلو دائماً فوق أصوات الحبال.

وعلى الرغم من أنّي أختار بملء إرادتي، لم أستطع أن أحدد بعد هل أنا أنجو يومياً، أو أموت يومياً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard