شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
في برلين متمنيةً أن أكون في البحرين... اليوم حرية وغداً العدالة يا أحمد حميدان

في برلين متمنيةً أن أكون في البحرين... اليوم حرية وغداً العدالة يا أحمد حميدان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الخميس 27 يناير 202203:27 م

بعد تحية الصباح اليومية التي نتبادلها، أرسلت لي رسالةً نصيةً، كتبت فيها: "تم إخبار أحمد بأنه سيخرج ضمن العقوبات البديلة"؟ استغرقت 20 ثانيةً لاستيعاب الخبر. ردة فعلي كانت إرسال "إيموجي" الاحتفال. أجابت: "عندما يتأكد الخبر، سأعلمك". كانت تلك صديقتي العزيزة، جنان حميدان، زوجة المصور الصحافي أحمد حميدان، الذي تمت محاكمته بسبب صور التقطها للحراك الذي انطلق في البحرين في العام 2011، وقضى في السجن أكثر من تسع سنوات.

ما الذي يعني لسيد رضا أن يكون اليوم والده معه، بعد أن كانت العلاقة تقتصر على مكالمات هاتفية أسبوعية وزيارة شهرية، حتى عمر السادسة؟

وصل هذا الخبر يوم الثلاثاء 25 كانون الثاني/ يناير 2022، في أثناء استعدادي للاحتفال بذكرى الثورة المصرية، لأحيي نضالات ثوارها وثائراتها، وأكتب شيئاً عنها. ولكن هذا الخبر الذي تلقيته صباحاً، وتأكد بعد ثلاث ساعات ونصف، أخذ عقلي تماماً. فكرت مباشرةً في سيد رضا، البالغ من العمر الآن ثماني سنوات ونصف، وتساءلت كيف سيتلقى وسيتقبل هذا الولد إطلاق سراح والده الذي لم يرَه إلا من وراء الزجاج، خلال الزيارات العائلية التي توقفت منذ بدأت جائحة كورونا؟

ما الذي يعني لسيد رضا أن يكون اليوم والده معه، بعد أن كانت العلاقة تقتصر على مكالمات هاتفية أسبوعية وزيارة شهرية، حتى عمر السادسة؟

قضى حميدان تسع سنوات وشهراً واحداً في السجن، بدأت بجولة تعذيب خلال التحقيق حين وُجّهت إليه تهمة المشاركة في الهجوم على مركز شرطة، ثم جولة المحاكمة التي استمرت لأكثر من عام، ثم تجربة السجن التي لم تخلُ من تحديات الحصول على الرعاية الصحية ومصاعبها تارةً، والمعاملة السيئة تارةً أخرى، بالإضافة إلى المنع من الزيارات أحياناً، ومنع تمرير الأدوات والمستلزمات الشخصية له، وعلى رأسها الكتب أحياناً أخرى.

سنوات السجن مرت، وأنا وجنان نقترب من بعضنا البعض يوماً بعد يوم، منذ الأيام الأولى لاعتقال حميدان، حتى أصبحنا نحن الاثنتين جزءاً لا يتجزأ من حياة بعضنا البعض، وتالياً بالتأكيد سيد رضا، الابن الذي جاء بعد اعتقال والده بستة أشهر، جاء بالكثير من الأمل، لها، وللعائلة، ولي أيضاً، فكان سيد رضا أحد الأسباب التي كانت تدفعنا للمضي قدماً في العمل، في الدفاع، وفي رفع الظلم.

قضى حميدان تسع سنوات وشهراً واحداً في السجن البحريني، بدأت بجولة تعذيب خلال التحقيق حين وُجّهت إليه تهمة المشاركة في الهجوم على مركز شرطة، ثم جولة المحاكمة التي استمرت لأكثر من عام، ثم تجربة السجن التي لم تخلُ من تحديات الحصول على الرعاية الصحية ومصاعبها تارةً، والمعاملة السيئة تارةً أخرى

لم يُطلَق سراح أحمد، الذي كنت أترقب أخبار حريته، وصوره، إلا بعد أكثر من 15 ساعةً على تأكيد خبر إطلاق سراحه ضمن قانون العقوبات البديلة، التي تحتّم على المُطلَق سراحه أن يقوم بعقوبة بديلة، فيما ينعم بحياته مع عائلته، وفي حالة أحمد، أن ينعم بكونه أباً للمرة الأولى بصورة حقيقية وعملية. وأنا بعيدة في برلين، كانت ساعات الانتظار تمر بطيئةً ومليئةً بكل الذكريات.

أنا بعيدة في برلين، كانت ساعات الانتظار تمر بطيئةً ومليئةً بكل الذكريات.

تذكرت النطق بالحكم على أحمد بالسجن عشر سنوات. تذكرت محكمة الاستئناف وهي تؤيد الحكم. تذكرت دمعات والدته وزوجته اللتين لم تستطيعا تحمّل الخبر. تذكرت صلابة والده، وإيمانه بأن العدالة ستأتي يوماً ما. تذكرت كيف كنا نترقب في كل مرة يتم فيه الإعلان عن عفو ملكي، أو قائمة جديدة للمشمولين ضمن العقوبات البديلة. تذكرت كيف كنا نخطط لهذه الحرية، جنان وأنا، وماذا سنفعل يومها، وماذا سنجهز؟ جاءت الحرية وأنا في بلاد بعيدة، ولكنني كنت بالقلب هناك في مهزة، في سترة، حيث مسقط رأس حميدان.

تسلب الألباب تلك النظرات بين أحمد وولده سيد رضا، في الصور، وتثير التساؤلات: ترى كيف سيتعرف ذانك الكائنان على بعضهما البعض الآن عن قرب، على الرغم من أن الأم لم تألُ جهداً في تجميع القصص والنكات المتعلقة بحفيدها، لإخبار والده بها عندما يتصل، أو عندما يزورونه، ولكن ذلك لا يكفي، وتجربة الأبوة التي انتقل إليها اليوم أحمد جديدة على مصوّر احتفينا به وبإنجازاته طوال هذه السنوات، وهو بعيد عنا، والتي كان من ضمنها الفوز بالجائزة الدولية لحرية الصحافة من نادي الصحافة الدولي في واشنطن.

تذكرت النطق بالحكم على أحمد بالسجن عشر سنوات. تذكرت محكمة الاستئناف وهي تؤيد الحكم. تذكرت دمعات والدته وزوجته اللتين لم تستطيعا تحمّل الخبر. تذكرت صلابة والده، وإيمانه بأن العدالة ستأتي يوماً ما

على مدى ساعات انتظار الأخبار، كانت تردني بين الفينة والأخرى، صور وفيديوهات من داخل منزل حميدان، ومن خارجه اللذين يعجّان بالناس، وبالأهل، وبالأحبة وبالفرح والحب والتفاؤل. دفعات من السعادة كانت تصل عبر الهاتف، تجعلني أتمنى وبشدة أن أكون هناك.

اليوم يوم حرية يا أحمد، ويوم العدالة غداً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard