كيف فقد السوريون لطفَهم؟

الثلاثاء 19 أكتوبر 202108:32 ص
Read in English:

Syrians Also Lost Their Kindness

ذاكرة المكان ثقيلة، نحن السوريين أفضل من يعرف عبء هذه الحمولة. للمكان أفقهُ، وفرصه، وإقصاءاتهُ، والأهم من هذا كله، أن لهُ زمانه الخاص، زمان لا ينسجم بالضرورة مع زماننا الشخصي.

المكان الخاص بي منذ خمس سنوات، خارج البلاد. في بلاد أخرى. سنوات تتسم بالقسوة. لم تكن القسوة، في فكرة الغربة القسرية فحسب، بأشكالها وتجلياتها كافة، بتلك الهشاشة التي تلحقها بك، والتي تعيد تشكيل هويتك.

القسوة في ما نجونا منه، أو بشكل أدق، في ما اعتقدنا أننا ناجون منه. أهوال الحروب والهروب الشائعة هي جزء من المخاطر. الخطر الأكبر يكمن في إحساسنا بالهزيمة، وفي أننا مهزومون بالفعل. في هذه الهزائم والخسارات، أتقاطع مع أبناء جيلي السوريين جميعهم الذين تناثروا في هذا العالم. البعض يقول كالياسمين الدمشقي، أما أنا فأعتقد أننا أجساد طافية فوق ماء الانتظار.

المكان الخاص بي منذ خمس سنوات، خارج البلاد. في بلاد أخرى. سنوات تتسم بالقسوة. لم تكن القسوة، في فكرة الغربة القسرية فحسب، بأشكالها وتجلياتها كافة، بتلك الهشاشة التي تلحقها بك، والتي تعيد تشكيل هويتك

الحياة مصممة على نحو خاص، إذ إن الخسارة، والخذلان، والتعب، والمرض، والموت الذي قد يصيبنا، أو يصيب أحبّتنا، هي جزء من طبيعتها، وهذا أمر بديهي، إلّا أن الفكرة الجوهرية تكمن في ما أسمّيه تكثيف القسوة. أن يتعرض المرء لهذه المصاعب كلها، على امتداد حياته الطويلة، التي قد تصل إلى الستين، أو السبعين، أو الثمانين عاماً، فهو توزيع يوحي بالعدل، نعم إنه كذلك. أما أن تواجه هذا كله، في عشر سنوات فقط، فهذا هو تكثيف القسوة. كان علينا أن نترك حيواتنا وأماكننا، خارج معظمنا بالفعل، لكننا لم نخرج منها كما يقول المثل الشعبي "مثل الشعرة من العجين"، بل خرجنا بقلوبٍ مكسورة، وبأحلامٍ لم تعد أحلامنا، لسنا ضحايا، إلا بمقدار ما نحن مذنبون. لسنا مرهفين، إلا بمقدار ما نحن قساة، ولا نحمل من الأمل إلا بقدر ما نحمل من اليأس.

أما أن تواجه هذا كله، في عشر سنوات فقط، فهذا هو تكثيف القسوة.

أقول لأصدقائي بذهول: السوريون يفقدون لطفهم، فيضحكون! فما قيمة اللطف مقارنةً بما فقده السوريون كله؟ لعل أقل الخسائر أن يفقدوا لسانهم المعسول، وحبّهم للغريب، وكرمهم العظيم، ورحابة صدورهم، وخفة دمهم، وتواضعهم المتكبر.

تقول أمي: "منذ أن غادرت سوريا، تدهورت صحتي. قدماي لم تعد تحملاني. آخر مرة حملتاني، كانت خارج بيتي".

صديقتي التي حملها قلبها على البقاء، تقول: "أنا أعطش. أنا غارقة في بحرٍ من حسابات تكاليف شراء ماء الشرب، وأنشغل منذ الصباح بإحصاء عدد علب الماء التي يمكنني أن أستهلكها يومياً. عطشي يجب ألا يتجاوز ميزانيتي. أود أن أصرخ، لكني أخشى على رمقي. أنتِ قد لا تفهمينني على كل حال".

أذكر عشرين يوماً قضيتها تحت سقفٍ يدلف بماء الثلج من كل زاوية، في عزّ كانون، من دون كهرباء أو تدفئة، وكيف شعرت مراراً بأن قلبي سيتوقف تحت الأغطية الثقيلة الباردة. نعم قد لا أفهمها، فالعطش والبرد تجربتان مختلفتان.

مكاننا الأول/ القديم لم يعد متاحاً، إلا في ذاكرتنا. أماكننا الجديدة زمان محموم، زمان يهدد وجودنا بطرق أخرى. تحوّلنا من الاجتهاد إلى التنافسية المقيتة، في سباق نحو مراحل الإنجاز العظيم. من منّا سيتعلم لغة البلد التي لجأ إليها أولاً؟ من سيجتاز الاختبار السياسي، ويندمج أولاً؟ من سيجد عملاً أولاً؟ من سيحصل على الجنسية الجديدة أولاً؟

في سباق ليس إلا لنا، وكأننا في مكان وزمان لا يخصان سوانا، خارج سياق العالم، لا ننافس إلا بعضنا، ولا نُسيء إلا إلى أنفسنا.

أقول لأصدقائي بذهول: السوريون يفقدون لطفهم، فيضحكون! فما قيمة اللطف مقارنةً بما فقده السوريون كله؟ لعل أقل الخسائر أن يفقدوا لسانهم المعسول، وحبّهم للغريب، وكرمهم العظيم، ورحابة صدورهم، وخفة دمهم، وتواضعهم المتكبر

مكاننا الأول/ القديم، لم يعد متاحاً حتى لمن بقي فيه. يحدثني أصحابي عن دمشق أخرى غير تلك التي نعرفها، ويبحثون عن دفئها فتلسعهم بصقيعها. يقولون: "طوبى لمن غادرها باكراً، فقد احتفظ بصورة جميلة لها في ذاكرته. طوبى لمن سعى نحو حياته". سباقنا هنا مختلف، إننا لا نلهث إلا وراء اللقمة، والخبز، والوقود، والماء، والكهرباء. لكم حياتكم، ولنا حياتنا. لم نعد متشابهين بعد الآن.

يتخلى الكثيرون ممن بقوا، عن تواصلهم مع من رحلوا. لا يريدون من يذكّرهم بحياة كان من الممكن أن تكون حياتهم. وكأن ما تهدم كله، شكّل جبلاً من الحطام، ليفصل بيننا.

خارج المكان لي خسائري الشخصية أيضاً، والتي قد لا أتقاطع فيها مع أحد. لم أمتلك شيئاً. كنت أطفو في هذا العالم ككرة بلاستيكية فارغة. كنت أحتاج وقتاً كي أعيد ترتيب نفسي، والأشياء من حولي، وقتاً لا أملكه على أية حال.

أردتُ أن أحزن كما يليق بامرأة مثلي، كما اعتادت جداتي أن يحزنّ. 

أردتُ أن أحزن كما يليق بامرأة مثلي، كما اعتادت جداتي أن يحزنّ. كُنَّ يتحوّلن إلى خيام عزاء! أردت أن أرفع يديّ، وأستسلم بكامل إرادتي "لبوليس" الغد، وأن أعترف بأني لا أملك وثائق للعبور، وأن أتّكئ على جدران من قلوب أحبتي. أردت أن تخور قواي. حقاً أردت أن أسقط، كما لو أن للوقوف معنى!

وأرادني العالم امرأة بسِماتٍ عصرية. امرأة تؤجل أحزانها، وتقوّم انكساراتها، وتتحايل على انتظارها الطويل. أرادني العالم والأشياء أن أكون "ابنة العصر"، العصر الذي لا ينتظر.

أما الأحبة، فأرادوني جسراً طويلاً لعبورهم المُشتهى. كان عليّ أن أسنُد لا أن أستند. لم يكن ممكناً أن أذوي، حتى وإن كنتُ أذوي بالفعل. ولم يكن ممكناً أن "أخلص"، كما "يخلص" هذا النص، هكذا بشكل مفاجئ، لأنه تجاوز الحد الأقصى لعدد الحروف المسموح بها لكتابة ملاحظة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard