بسام الملا... هل تتوجب علينا محاكمة مخترع أول مسلسلات البيئة الشامية؟

الخميس 27 يناير 202203:01 م

عندما بدأ التلفزيون السوري بالبثّ سنة 1960، كانت كل المسلسلات (ومن دون أي استثناء) تدور أحداثها في مدينة دمشق، وتحديداً في أزقتها المتعرّجة وحاراها العتيقة. كان هذا أمراً طبيعياً بالنسبة للقائمين على التلفزيون السوري حينها، من مخرجين وكتاب وممثلين، كانوا جميعاً من أهالي دمشق، لا يعرفون مدينة غيرها ولا ثقافة سواها.

فقد أظهروا الحياة اليومية بدمشق على الشاشة دون أن الحاجة للفظ كلمة "دمشق" في أي من حواراتهم، وتجلّت دمشق في الحارات التي بنيت في الأستوديو الموجود على قمّة جبل قاسيون (حيث كان التصوير الخارجي مكلفاً للغاية)، وفي لهجة الممثلين ولباسهم التقليدي.

الفنان الراحل فهد كعيكاتي مثلاً، المعروف بشخصية أبو فهمي، لبس القمباز، ودريد لحام ارتدى الطربوش والشروال والقبقاب في شخصية غوار الطوشة، كما خرج الفنان أنور البابا بشخصية "أم كامل الداية" بملايتها السوداء ولهجتها الدمشقية الثقيلة، مع تعبيرات محليّة للغاية مثل "تقبرني" و"تكفنّي،" لا يفهمها إلّا الدمشقيون أنفسهم.

بذلك، يمكنا القول بأن مسلسل "حمّام الهنا" الشهير، الذي عرض سنة 1968، كان عملاً دمشقياً بامتياز، ابتداء من مكوّنات حمّام السوق والبحرة الرخامية في وسطه، مروراً بكل ما تدور فيه من أحداث ومقالب. ويندرج هذا اللقب على بقية أعمال الأبيض والأسود، مثل "حارة القصر" (1970) و"صح النوم" (1971) و"زقاق المايلة" (1972).

في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، تغيّرت هوية العاملين في التلفزيون السوري، ودخل عليه عدد كبير من الشيوعيين العقائديين، وبعض البعثيين المدافعين عن هموم الريف وحقوق العامل والفلاح. وقد انعكست أفكارهم ومعتقداتهم على أعمالهم الفنية، وصارت المسلسلات السورية تحكي أكثر عن الأرياف، مع تراجع ملحوظ في المحتوى "الدمشقي".

 وكان أشهر هذه الأعمال الريفية طبعاً مسلسل "هجرة القلوب إلى القلوب"، التي تدور أحداثه في قرية الركنية، وكان من إخراج هيثم حقي وتأليف عبد النبي حجازي. وفي مقابل هذه الأعمال، طفت على الساحة الفنية مسلسلات معاصرة شهيرة، مثل "دائرة النار" (1988) و"الطبيبة" (1988) وعمل الفانتازيا التاريخية "البركان" (1989). وقد بقي الحال على ما هو عليه حتى سنة 1990، عند عرض الجزء الأول من مسلسل "أبو كامل"، الذي تدور أحداثه في حارات دمشق القديمة أيام الانتداب الفرنسي.

في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، تغيّرت هوية العاملين في التلفزيون السوري، ودخل عليه عدد كبير من الشيوعيين العقائديين، وبعض البعثيين المدافعين عن هموم الريف وحقوق العامل والفلاح. وقد انعكست أفكارهم ومعتقداتهم على أعمالهم الفنية

حمل هذا العمل كل عناصر الحارة الشامية، ولكن معظم شخصياته كانوا من الأشرار، إما مخبرين وعملاء لصالح لفرنسيين، أو لصوص ومجرمين متورطين بقتل التاجر العميل للفرنسيين، أبو كامل (أسعد فضة).

مسلسل أيام شامية سنة 1992

وكانت النقلة النوعية قد جاءت سنة 1992، عند إنتاج عملين دمشقيين فريدين، أولهما "بسمة الحزن"، المأخوذ عن رواية الأديبة الدمشقية إلفة إدلبي، والثاني هو "أيام شامية" من تأليف الكاتب الفلسطيني أكرم شريم وإخراج المخرج الشاب في حينها بسام الملّا. الكاتب شريّم كان من تولد قلقيلية الفلسطينية، وقد نزح مع أهله إلى دمشق إبان النكبة سنة 1948، محتفظاً بذكريات عن حارات فلسطين وأهلها وعاداتها، التي كانت تشبه حارات الشّام إلى حد كبير.

تزامن عرض مسلسل "أيام شامية" لبسام الملا مع انفتاح شركات الإنتاج العربية على سورية، إثر مشاركتها بتحرير الكويت من الغزو العراقي، وقد طالب المنتجون العرب بالمزيد من أعمال "البيئة الشامية"

فقد وضع عصارة ذكرياته في مسلسل "أيام شامية" الذي تولّى الملّا إخراجه، بعد تجربة إخراج ناجحة جمعته مع المنتج داوود شيخياني في الجزء الأول من مسلسل دراما الأطفال "كان يا مكان". لم يكن الملّا قد تجاوز صف السادس من المرحلة الابتدائية، ووالده كان الفنان أدهم الملّا الذي أدخله عالم التلفزيون في السبعينيات، موظفاً في قسم المحاسبة. تعلّم أسرار المهنة عبر مراقبة ومتابعة المخرجين الكبار، وفي مقدمتهم علاء الدين كوكش (مخرج حارة القصر وأبو كامل).

وقد استنهض الملّا من ذاكرته شيئاً عن أيام الطفولة في حارات حيّ ركن الدين بدمشق، التي جُمعت في نص أكرم شريم الشيّق، وكانت النتيجة مسلسلاً "شامياً" بامتياز، حقق نجاحاً باهراً منقطع النظير، كتب النقّاد أنه خلّد كل من شارك فيه من نجوم. ومعظم نجومه كانوا من قدماء دمشق الذين عرفوا المدينة في زهوتها وماضيها الجميل، مثل رفيق سبيعي وخالد تاجا وسليم كلّاس وعدنان بركات وحسام تحسين بك، ومعهم فنانين دمشقيين شباب، مثل عباس النوري، بطل مسلسل "أيام شامية".

نظراً لهذه التجربة الناجحة جداً، ازداد طلب المنتجين على هذا النوع من الأعمال، التي أطلق عليها اسم "مسلسلات البيئة الشامية". لا نعرف من يقف وراء هذه التسمية، ولكن الهدف منها كان تمييز هذه الأعمال عن المسلسلات المعاصرة أو التاريخية أو البدوية. وقد تزامن عرض مسلسل "أيام شامية" مع انفتاح شركات الإنتاج العربية على سورية، إثر مشاركتها بتحرير الكويت من الغزو العراقي، وقد طالب المنتجون العرب بالمزيد من أعمال "البيئة الشامية"، تكون على غرار مسلسل "أيام شامية".

فاق نجاح مسلسل "باب الحارة" كل التوقعات، وتفوقت شهرته على شهرة كل مسلسلات بسام الملّا السابقة، حيث أصبح مطلباً جماهيرياً عربياً في كل موسم رمضان

وبما أن رأس المال هو من يحدد نوعية الأعمال ومحتواها، توجهت الأقلام كلها باتجاه هذه البيئة، التي اقتصرت على العناصر البشرية التي كانت قد ظهرت في "أيام شامية: مختار، حلّاق، قهوجي، خضري، حكواتي، حارس ليلي، ورئيس مخفر شرطة (أو كركون كما كان الدمشقيين يسمونه). وبما أن العلاقات السورية التركية كانت متوترة للغاية حينها، قرر القائمون على هذا الأعمال حصرها في المرحلة العثمانية، والتركيز فيها على معاناة الدمشقيين في زمن سفربرلك ومقاومتهم للـ"أخذ عسكر" في صفوف الجيش العثماني.

البيئة الشامية وبسام الملّا (2000-2004)

وفي سنة 2000، جاء ثاني أعمال بسام الملّا "الشامية" بعوان "الخوالي"، وكان من بطولة النجم بسام كوسا، تدور أحداثه بين دمشق والحجاز في السنوات الأخيرة من العهد العثماني. وقد اقترب العمل من التفاصيل التاريخية أكثر من سابقه، عبر تجسيد شخصية أمير الحج الشامي، عبد الرحمن باشا اليوسف، على الشاشة، التي لعبها الفنان أحمد رافع.

وكان نجاح "الخوالي" لا يقل عن نجاح "أيام شامية"، وفيه ظهرت ذات عناصر الحارة الشامية، التي أصبحت عُرفاً في أعمال بسام الملّا، وركيزة من ركائز أعمال البيئة الشامية: مقهى ودكان حلّاق وفرن وكراكون، فيها قائد شرطة ظالم محتمي بسلطة "العصملّي"، يقوم الطيبون من أهل الحارة بمقاومته. وفي سنة 2004، كان العمل الشامي الثالث "ليالي الصالحية"، الذي جمع بين عباس النوري وبسام كوسا (أبطال أيام شامية والخوالي)، وحقق نجاحاً عربياً كاسحاً، يدور فيه صراع كبير بين الخير والشر، وبين صون الأمانة والتفريط بها.

تجربة باب الحارة منذ سنة 2006

وبعد هذه التجارب الثلاث، جاء المسلسل الرابع والأخير "باب الحارة" الذي حمل نفس العناصر السابقة، من أمكنة وشخصيات ودور دمشقية عريقة، وقد عرض على شاشة الفضائيات العربية في رمضان عام 2006. فاق نجاح هذا العمل كل التوقعات، وتفوقت شهرته على شهرة كل مسلسلات بسام الملّا السابقة، حيث أصبح مطلباً جماهيرياً عربياً في كل موسم رمضان.

الجمهور العربي أحب قصص الفتوة التي ظهرت في العمل، من مشاجرات وسحب خناجر وعنتريات ذكورية، حوّلت القصة إلى مسلسل فانتازيا، لا تشبه المجتمع الدمشقي الذي كان سائداً في أعمال الملّا السابقة.

قبل أيام قليلة، توفي بسام الملّا في مدينة زحلة اللبنانية، ونقل جثمانه إلى دمشق ليوارى الثرى في مدينة أحبها وحاول أن يظهر ما فيها من محاسن وقيم وشهامة

لم يدّع القائمون على العمل يوماً أنه وثيقة تاريخية ولا "ملحمة دمشقية" كما وصف في الإعلام العربي، ولكنه وقع في مطب بعض الدلالات التاريخية التي ظهرت في حلقاته، مثل شكل العلم السوري وذكر أسماء تاريخية، ما أوحى أن أحداثه تدور في مرحلة تاريخية معينة خلال السنوات 1932-1946.

ومن هنا بدأت موجة الانتقادات المحلية لمسلسل باب الحارة، وتحديداً في أجزائه اللاحقة، التي ظهرت فيه نساء دمشق وكأنهن أميات جاهلات لا يعملن إلا في الثرثرة والفتن.

وقد كُتب الكثير عن أخطاء باب الحارة، وقيل مثلاً إن دمشق في تلك المرحلة كانت مدينة متنورة للغاية، فيها كهرباء وترامواي ونواد فكرية وصحف يومية ومسارح ودور النشر، لم تظهر أي منها في المسلسل الذي اختصر دمشق فيه على عناصر حارة "البيئة الشامية" التي أوجدها بسام الملّا في "أيام شامية" قبل عقدين: الكركون وحلّاق والفرّان والخضري.

وفي مسلسل باب الحارة وحارته الافتراضية يظهر الحلّاق "أبو عصام" زعيماً لأهلها وللحركة الوطنية، علماً أن زعماء دمشق في حينها كانوا شخصيات سياسية مرموقة كانت تحمل أرفع الشهادات الجامعية، مثل شكري القوتلي وعبد الرحمن الشهبندر وجميل مردم بك وغيرهم. وقد ظهرت دمشق متخلفة، تعيش على الشموع ومصابيح الكاز، مع العلم أن الكهرباء كانت قد دخلتها منذ سنة 1907.

المخرج الملّا دافع عن عمله، الناجح جماهيراً وتسويقياً بكل المقاييس، قائلاً إنه لم يدّع يوماً أنه يوثق لتاريخ مدينة دمشق، ولم يقل هذا لا في الإعلانات الترويجية ولا في شارة المسلسل، مضيفاً إن باب الحارة هو مسلسل ترفيهي تجاري، تدور أحداثه في حارة افتراضية من حارات دمشق، اسمها "حارة الضبع"، لكن الجمهور الدمشقي بقي غاضباً ومنفعلاً وثائراً، وقد وصل به الاحتجاج إلى درجة المطالبة بمحاكمة بسام الملّا بتهمة التشويه الممنهج للبيئة الشامية.

وقبل أيام قليلة، توفي بسام الملّا في مدينة زحلة اللبنانية، ونقل جثمانه إلى دمشق ليوارى الثرى في مدينة أحبها وحاول أن يظهر ما فيها من محاسن وقيم وشهامة.

الناس ربطت اسمه بمسلسل باب الحارة الإشكالي، ولكنه في الحقيقة أشمل من ذلك بكثير، ولو أراد التاريخ أن ينصفه لتحدث عن نجاحات "الخوالي" و"ليالي الصالحية" قبل ذكر "باب الحارة"، وتذكر أنه ليس فقط صانع "باب الحارة" بل صانع "أيام شامية" أيضاً، المسلسل الأب والمؤسس "لجانر" (genre) ما بات يُعرف اليوم، محلياً وعربياً ودولياً، بأعمال البيئة الشامية.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard