تخوّف وعدم اقتناع ومعلومات مغلوطة... لماذا يُحجم السوريون إلى اليوم عن تلقّي اللقاح؟

الأربعاء 26 يناير 202203:37 م

تبتسم غادة سلّوم، وهي ربة منزل خمسينية تعيش في إحدى ضواحي العاصمة السورية، لدى سؤالي إياها عن عدم رغبتها في تلقي لقاح كورونا. تقول إنها لا تشعر بالارتياح لإدخال مادة غريبة إلى جسدها، خاصةً وأنها تسمع كل يوم أخباراً من هنا وهناك عن آثار جانبية خطيرة للقاح، أو حتى عن عدم فاعليته. "لماذا أعرّض نفسي لخطر غير معروف، خاصةً وأنهم قد يطلبون منا كل فترة تلقّي جرعات إضافية؟".

وتشير السيدة إلى أن والدتها الثمانينية أيضاً ترفض اللقاح، إذ تتخوف كثيراً من تأثيراته على صحتها، وهي مصابة بارتفاع الضغط والسكري، كما أنها لا ترى حاجةً له، فخروجها من المنزل محدود للغاية. "نكتفي باتّباع الإجراءات الاحترازية من التعقيم المستمر، وارتداء الكمامات في الأماكن المكتظة، وعدا ذلك، الله الحامي".

تسجل سوريا الآن واحدةً من أدنى نسب التلقيح في العالم، إذ لم يتجاوز عدد الملقَّحين فيها 600 ألف شخص، أي قرابة 5% من عدد السكان، حسب آخر أرقام رسمية صادرة وذلك في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في حين يبلغ عدد الإصابات المسجلة حسب وزارة الصحة قرابة 51 ألف إصابة.

وفي خطوة تهدف إلى زيادة هذه النسبة، سيصبح لزاماً على الراغبين في دخول المديريات والمؤسسات التابعة للقطاع العام في سوريا، بدءاً من مطلع شباط/ فبراير المقبل، إبراز بطاقة تثبت الحصول على اللقاح. قرار صدرت تعميمات بشأنه بشكل متتالٍ من إدارات المحافظات السورية الشهر الفائت، وأشار مصدر في الوزارة الصحة لوسائل إعلام محلية قبل نحو أسبوعين، إلى زيادة الإقبال على مراكز التلقيح بعد صدور القرار، مع أمل بوصول النسبة إلى 20 في المئة في حال استمر هذا الإقبال.

تسجل سوريا الآن واحدةً من أدنى نسب التلقيح في العالم، إذ لم يتجاوز عدد الملقَّحين فيها 600 ألف شخص، أي قرابة 5% من السكان.

كل هذا يدفع للتساؤل: ما الذي يمنع السوريين من تلقّي اللقاح؟ هل لديهم مخاوف معيّنة في هذا الشأن؟ وهل يمتلكون المعرفة الكافية التي يمكن أن تزيل هذه المخاوف، وتقنعهم بالتوجه، من دون خوف أو توجس، نحو أقرب مركز تلقيح؟

لمحة عن واقع التلقيح في سوريا

انطلقت حملة التطعيم في المناطق التابعة لسيطرة الحكومة السورية، في شهر آذار/ مارس عام 2021، أي بعد نحو ثلاثة أشهر من إعطاء أول جرعة لقاح في العالم، مع توفر كميات محدودة من الجرعات حينذاك، ازدادت بشكل تدريجي في الأشهر التالية. وفي مناطق الشمال السوري التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة، بدأ التطعيم في نيسان/ أبريل 2021، وكذلك الأمر في شمال شرق البلاد الخاضع لسيطرة الإدارة الذاتية الكردية.

وبشكل دوري، تستلم مختلف مناطق سوريا دفعاتٍ متنوعةً من اللقاحات، إما عن طريق منصة كوفاكس التابعة لمنظمة الصحة العالمية، أو تلك التي تقدّمها دول داعمة للحكومة السورية، وعلى رأسها الصين، كان آخرها نصف مليون جرعة سينوفارم في تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت.

ويمكن لأي راغب في الحصول على اللقاح، التسجيل عبر منصة مخصصة من وزارة الصحة السورية، ومن ثم انتظار رسالة تحدد موعد الجرعة ومكانها، أو التوجه نحو أي من المراكز الموزعة في أنحاء سوريا، وعددها 930 مركزاً، كما تسيّر وزارة الصحة فرقاً جوّالة بين الحين والآخر، لزيادة عدد متلقّي اللقاح.

وفي هذا الصدد، يشير الدكتور طارق العبد، وهو من فريق منصة "عقمها" الطبية السورية، في مستهل حديثه إلى رصيف22، إلى أن "سوريا ربما هي البلد الوحيد في المنطقة الذي تتوافر فيه حالياً كميات جيدة من اللقاحات، لكن الناس يحجمون عن تلقّيها". ويجدر بالذكر أن نسب التلقيح في بلدان الجوار لا تقل عن 30%.

اضطرار أو عدم اقتناع

تتراوح أسباب امتناع السوريين عن تلقّي لقاح كورونا، بين عدم الاقتناع بالفكرة أساساً، أو عدم الوثوق باللقاحات الموجودة، إلى عدم الاكتراث، أو امتلاك معرفة كافية حول الأمر، وصولاً إلى الإيمان بنسخ مختلفة من نظريات المؤامرة.

قبل أيام، قرر سامي غانم (46 عاماً)، المقيم في دمشق، الحصول على اللقاح، لأن طبيعة عمله كموظف في شركة تجارية خاصة، تتطلب منه زياراتٍ دوريةً لمؤسسات القطاع العام. "لم أكن مقتنعاً، إذ أعتقد بأن اللقاحات المتوافرة لدينا إما منتهية الصلاحية، أو من دون فعالية أساساً، لكني اليوم مضطر إلى الحصول على شهادة تلقيح، وإلا لن أتمكن من الاستمرار في العمل"، يشرح وجهة نظره لرصيف22.

وتشير فاطمة (35 عاماً)، وهي تعمل مترجمةً مستقلةً وتقيم في دمشق، إلى تأخرها في الحصول على اللقاح حتى الآن، لأنها لا ترغب في تلقّي جرعات من النوع الروسي أو الصيني أو أسترازينيكا، وهي الأنواع الأكثر توفراً في سوريا. "أعتقد بأنها غير آمنة، كما أن معظمها غير معترف به من كثير من الدول الأخرى. سمعتُ مؤخراً عن توافر لقاح مودرنا، وقد أحصل عليه في الأيام المقبلة"، تقول.

سمعتُ أحد معارفي وهو يحاول إقناع أصدقائه بأن اللقاح يحتوي على شريحة تُزرع تحت الجلد، وتسوّق لهم مجموعة من المصادر ‘الموثوقة’ التي تتحدث عن هذه النظرية. والمؤسف أن الطرف الآخر الذي يمتلك الحجج العلمية للرد على هذه الأفكار، غير قادر على الوصول إلى هذه الفئة

ويتحول الأمر إلى لا مبالاة مطلقة لدى آخرين تحدثت إليهم في دمشق وغيرها من المدن السورية، فهم يرون أن كورونا هي اليوم أقلّ معضلة تواجه السوريين، الرازحين تحت وطأة عشر سنوات من الحرب، وأحوال اقتصادية صعبة، وخدمات ضئيلة وبنى تحتية متردية. "هل سنخاف من كورونا والحرب لم تقتلنا؟"، يقولون، ولا يكترثون للتفكير حتى في موضوع اللقاح، فهو خارج نطاق أولوياتهم الحياتية.

فئة أخرى تذهب بالأمر أبعد من ذلك، إذ يعتقد أصحابها بأن اللقاح مؤامرة من الغرب، ولا يثقون بما يمكن أن يحتويه من مواد، أو أنه لا يهدف إلى السيطرة على الناس والتحكّم بحياتهم. "قبل فترة سمعتُ أحد معارفي وهو يحاول إقناع أصدقائه بأن اللقاح يحتوي على شريحة تُزرع تحت الجلد، وتسوّق لهم مجموعة من المصادر ‘الموثوقة’ التي تتحدث عن هذه النظرية. المؤسف أن الطرف الآخر الذي يمتلك الحجج العلمية للرد على هذه الأفكار، غالباً هو غير قادر على الوصول إلى هذه الفئة بالشكل المطلوب"، يخبرني عبد الرحمن، وهو طالب في كلية الإعلام في جامعة دمشق.

فجوة كبيرة

"لا زلنا حتى الآن نتلقى استفسارات عما إذا كانت هناك علاقة للقاح بمقابلة مزعومة لبيل غيتس في جريدة رومانية قبل 11 عاماً، يقول فيها إنه يجب تخفيض عدد سكان كوكب الأرض"، يقول الدكتور طارق العبد لدى سؤاله عن المخاوف التي تشكل هاجساً للسوريين بما يخص اللقاح، مشيراً إلى "جملة من المفاهيم المغلوطة المنتشرة في سوريا اليوم، مترافقة مع عدم الحصول على إجابات كافية من الأشخاص المعنيين".

هل سنخاف من كورونا والحرب لم تقتلنا؟

ومنذ الصيف الماضي، يعمل العبد، وهو أخصائي في طب الأورام، مع فريق "عقّمها" الذي نشط في العامين الأخيرين لمواجهة انتشار الوباء، للإجابة عن مئات الاستفسارات عن اللقاحات، والتصدي للشائعات والأفكار الخطأ التي تساهم مواقع التواصل الاجتماعي في انتشارها بشكل كبير.

"مثلاً، في حزيران/ يونيو الفائت، توفي صحافي شاب بعد نحو 20 يوماً من تلقّي جرعة أسترازينيكا، إثر توقف قلبه، وتحوّلت الحادثة إلى بيئة خصبة للشائعات، تديرها على الأغلب شخصيات لا خلفيات علمية لها، ووصل الأمر إلى حد تلقّينا رسائل تتهم القطاع الطبي في سوريا بتحويل الناس إلى حقل تجارب، وهنا أصدرت وزارة الصحة قراراً أراه سيفاً ذا حدين، إذ منعت أي طبيب من الظهور على وسائل الإعلام للحديث عن اللقاحات، وعلى أهمية الأمر، فقد أغلق باباً يتيح للناس الحصول على إجابات للكثير من الأسئلة".

من تلك الأسئلة سبب الإصابة بالعدوى بعد التلقيح، وتأثير اللقاح على نتيجة اختبار PCR، والآثار الجانبية لمرضى الأمراض المزمنة، وعلاقة اللقاح بالتخدير قبل العمليات الجراحية، وسبب الوفاة على الرغم من الحصول على اللقاح، وغيرها. "مثلاً، راسلتنا فتاة تقول إنها أُجبرت على التطعيم بأسترازينيكا في مقر عملها، وهي خائفة كثيراً من أن تموت"، يقول، ويشير إلى أن كثيرين، بعد الحصول على الإجابة الطبية الصحيحة، تبددت شكوكهم، وتوجهوا نحو الحصول على اللقاح.

ويشير العبد أيضاً إلى كون أنواع اللقاحات المتوافرة في سوريا محدودة، وإلى كون اللقاحين الصيني والروسي، وهما الأكثر توافراً، غير معترف بهما في العديد من البلدان التي قد يرغب السوريون في السفر إليها، وتالياً لا يجدون جدوى من الأمر.

يمكن نشر فيديوهات عن أشخاص تلقوا اللقاح، وآخرين لم يفعلوا ذلك، ومقارنة أعراض الإصابة بينهم، ومن الضروري أن يرى السوريون مجموعةً من الشخصيات المؤثرة، كالممثلين والفنانين والرياضيين ورجال الدين، وهم يحصلون على اللقاح بشكل علني، فذلك سيشكل حافزاً كبيراً لهم

بدوره، يفنّد الدكتور حسين نجار، مؤسس منصة "سماعة حكيم" الطبية السورية، جملةً من الأسباب التي يرى أنها تقف وراء انخفاض نسب التلقيح في سوريا. "بدايةً، فإن عملية التطعيم تأخرت لدينا مقارنةً ببلدان الجوار، نتيجة العقوبات المفروضة على سوريا، وصعوبة الحصول على الجرعات الكافية، ثم لعبت الشائعات المضخّمة دوراً لا يستهان به في إحجام الناس، حتى الراغبين منهم، عن التوجه إلى مراكز التلقيح".

من هذه الشائعات، كما يعدّد نجار في حديثه إلى رصيف22، تسبب اللقاحات بالعقم والتجلطات، أو الاقتناع بأن المرض مؤامرة، أو بأنه لا يعدو كونه أنفلونزا عاديةً، أو عدم الوثوق بنوعية اللقاحات المتوافرة، وبأنها تُحفظ ضمن الشروط المطلوبة، أو حتى اقتناع البعض برغبة مصنّعي اللقاحات في السيطرة على البشر.

مطلوب المزيد من التوعية، وبشكل مختلف

يرى طارق العبد أن على العديد من الأطراف المعنية، وعلى رأسها وزارة الصحة والكوادر الطبية والمنصات الطبية، العمل على رفع الوعي بشأن لقاح كورونا.

"من المهم أن تخاطب الوزارة الناس، وأن تتمكن من إجابتهم عن الأسئلة التي تؤرقهم، بلغة بعيدة عن الرسمية والمصطلحات المعقدة، وأقرب إليهم. نحن في منصة ‘عقّمها’ نجيب على كثير من التساؤلات، لكننا غير قادرين على الوصول إلى الجميع، في حين أن الجهات الرسمية من وزارات ووسائل إعلام أقدر على ذلك"، يقول العبد، ويضيف حول ضرورة توحيد الخطاب الطبي بين مختلف الجهات، واستناده إلى الواقع الحالي في البلاد، أنه من غير المعقول وفق تعبيره أن يروّج بعض الأطباء لكون لقاح فايزر هو الوحيد الموثوق، مع عدم توفره في سوريا.

تنتشر في سوريا اليوم جملة من المفاهيم المغلوطة، مترافقة مع عدم الحصول على إجابات كافية من الأشخاص المعنيين.

ويقترح حسين نجار، التوجّه إلى السوريين بطرق توعية مبتكرة، بعيداً عن الرسائل المباشرة. "ننشر عبر صفحة ‘سماعة حكيم’ بشكل دوري للتوعية حول أهمية اللقاحات، لكن لا بد من التفكير بشكل جديد. مثلاً، يمكن نشر فيديوهات عن أشخاص تلقوا اللقاح، وآخرين لم يفعلوا ذلك، ومقارنة أعراض الإصابة بينهم"، ويضيف حول ضرورة أن يرى السوريون مجموعةً من الشخصيات المؤثرة، كالممثلين/ ات والفنانين/ ات والرياضيين/ ات ورجال الدين، وهم يحصلون على اللقاح بشكل علني، فذلك سيشكل حافزاً كبيراً لهم.

ويشير الطبيب إلى تأييده نوعاً من الإجراءات الإلزامية التي يمكن أن تجبر الناس بشكل أو بآخر على تلقّي اللقاح، كما فعلت مديريات القطاع العام، ويرى أن على كافة المؤسسات والمراكز الكبرى، مثل مجمعات التسوق والمراكز الثقافية، أن تحذو حذوها، فما دام الأمر لا يتعدى كونه خياراً، فلن تزداد أعداد الملقحين بالشكل المطلوب برأيه.

"ولا ننسى أهمية التشجيع على المستوى الفردي. أنا بدأت بدائرتي المقرّبة، وأقنعت كافة أفراد عائلتي بموضوع اللقاح، بعد إزالة كافة شكوكهم، واليوم أي مريض يراجعني أتناقش معه حول مخاوفه وأشجعه على التطعيم. هي جهود لا بد أن تتضافر كي نحمي أنفسنا ومن حولنا من الوباء"، يختم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard