"ضربة موجعة أم خطوة لدرء المزيد من الخلافات؟"... استقالة الذراع اليمنى لقيس سعيّد

الثلاثاء 25 يناير 202202:05 م

أعلنت نادية عكاشة، مديرة الديوان الرئاسي في قصر قرطاج، وأقرب مستشاري الرئيس قيس سعيّد إليه، استقالتها أمس الإثنين، في خطوة بدت مثيرةً في توقيتها، وأسالت الكثير من الحبر على الورق، خاصةً بعد ما تردد عن صراعات أجنحة بين المقرّبين من الرئيس سعيّد.

وطوال الأشهر الماضية، واجهت عكاشة اتهامات من خصوم الرئيس سعيّد بأنها حاكمة قرطاج الفعلية، مشيرين إلى النفوذ الذي باتت تحظى به، ووصف محللون سياسيون في تونس خطوة مديرة الديوان الرئاسي السابقة، بالضربة الموجعة لمحيط الرئيس سعيّد.

وقالت عكاشة في تدوينة مقتضبة مساء الإثنين على فيسبوك: "قررت اليوم تقديم استقالتي إلى السيد رئيس الجمهورية من منصب مديرة الديوان الرئاسي بعد سنتين من العمل (...)، لقد كان لي شرف العمل من أجل المصلحة العليا للوطن من موقعي، بما توفر لدي من جهد، إلى جانب السيد رئيس الجمهورية".

وأضافت مستدركةً: "لكنني اليوم وأمام وجود اختلافات جوهرية في وجهات النظر المتعلقة بهذه المصلحة الفضلى، أرى من واجبي الانسحاب من منصبي كمديرة للديوان الرئاسي متمنيةً التوفيق للجميع وداعيةً الله أن يحمي هذا الوطن من كل سوء".

ضربة موجعة

أثارت استقالة عكاشة مساء الإثنين، ردود فعل متباينة لدى الأوساط السياسية التونسية، خاصةً أن المرأة صعدت بشكل لافت منذ وصول الرئيس سعيّد إلى دفة الحكم في 2019، وباتت أقرب مساعديه إليه، إذ لم تتردد أوساط سياسية عدة في البلاد، في القول إنها تتدخل في الاختيارات والتعيينات، لكن في الآونة الأخيرة تردد كثيراً الحديث عن صراع بينها وبين وزير الداخلية توفيق شرف الدين، الذي يُعد هو الآخر من أقرب المساعدين إلى الرئيس سعيّد.

تثير استقالة مديرة ديوان الرئاسية التونسية نادية عكاشة جدلا في البلاد، بين من يروون أنها نتيجة صراع في أجنحة السلطة ومن يرون أنها حادث عادي يأتي في سياق سياسي مضطرب يفتح باب التأويلات

على الرغم من أنها لم تدلِ بتصريحات أو مواقف تنم عن نزعة استئصالية، إلا أن خصوم الرئيس، وفي مقدمتهم قيادات حركة النهضة الإسلامية، لم يترددوا في اتهام المرأة بمحاولة إقصائهم من المشهد السياسي.

لكن محللين سياسيين يقولون إن العكس هو الصحيح، ويصف هؤلاء عكاشة بأنها تنتمي إلى الشق المهادن في قصر قرطاج الرئاسي، مشيرين إلى أنها كانت تعارض بشدة بعض الخيارات، على غرار تدخل الأمن ضد المتظاهرين في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير الجاري.

يُشدد المحلل السياسي محمد بوعود، على أن "استقالة عكاشة ضربة موجعة للطاقم الرئاسي ككل، وهو طاقم منقوص أصلاً. الطاقم الرئاسي في الظرف الراهن يشكو من فراغات، ومن قلة المستشارين الأكفاء القادرين على مساعدة رئيس الجمهورية على إدارة هذه المرحلة".

ويُوضح بوعود في حديث إلى رصيف22، أن "خروج نادية عكاشة له علاقة بثلاثة أحداث مترابطة؛ معركة القضاء التي لا تبدو موافقةً عليها، وأحداث 14 كانون الثاني/ يناير الجاري، والتعاطي الأمني الذي اختلفت فيه مع وزير الداخلية توفيق شرف الدين، والاستشارة الإلكترونية. في كل الحالات هذه، لم يكن لها تأثير ظاهر للعيان، لكنها كانت تدير الكثير من أوراق اللعبة، خاصةً في ما يتعلق بالحكومة. هناك حديث في الكواليس عن أن مديرة الديوان السابقة قامت بتسمية عدد من الوزراء والمحافظين وغيرهم، ووجودها في القصر لم يكن هادئاً، إذ كانت تقوم بمعركة ضد مجموعة تتألف من شقيق الرئيس سعيّد (نوفل سعيّد)، ومجموعة أخرى مرتبطة بعائلته أيضاً، بالإضافة إلى معاركها اليومية مع الصفحات التابعة لحركة النهضة والمعارضة".

وبالفعل، يخوض الرئيس سعيّد صراعا مريراً ضد المجلس الأعلى للقضاء، وسط مطالبات بحله، وقام مؤخراً بإصدار مرسوم رئاسي ينصّ على إلغاء المنح والامتيازات التي يتمتع بها أعضاؤه، وعددهم 45 عضواً، في خطوة رفضها المجلس، وقال إنه سيستمر في عمله على الرغم من ذلك.

أثارت استقالة عكاشة مساء الإثنين، ردود فعل متباينة لدى الأوساط السياسية التونسية، خاصةً أن المرأة صعدت بشكل لافت منذ وصول الرئيس سعيّد إلى دفة الحكم في 2019

وبالنسبة لبوعود، فإن استقالة عكاشة يمكن أن تعود أيضاً إلى صراعها القوي مع من يُطلق عليهم بالمفسرين في حملات الرئيس سعيّد السابقة، إذ تكثّف ظهور هؤلاء اليومي على مستوى الإعلام، وهو ما تعارضه مديرة الديوان الرئاسي السابقة، على ما يبدو.

وقال بوعود إن "من بين تصريحاتها السابقة، أن لا علاقة لهؤلاء بالرئيس سعيّد، لكن القول اليوم بأن استقالتها ستمهّد لسير البلاد نحو ما يُعرف بمشروع الرئيس سعيّد السياسي، والذي يطلق عليه البعض البناء القاعدي، سابق لأوانه. هناك محطات ستمر بها البلاد على غرار الاستفتاء على الإصلاحات السياسية، وغيره".

ولا يزال الغموض يلف طبيعة نظام الحكم الذي ستعتمده تونس، إذ تم مؤخراً الانطلاق في المرحلة الأولى من تنفيذ خريطة الطريق التي أعلنها الرئيس سعيّد في الرابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، للمرحلة المقبلة، متمثلة في الاستشارة الإلكترونية، لكن شخصيات عدة شاركت في حملته الانتخابية تقول إنه سيتم تطبيق "البناء القاعدي" وسط جدل بشأن هذا النظام المحتمل.

ولم يسبق للرئيس سعيّد أن تطرّق إلى هذا النظام، إذ اكتفى في وقت سابق بالدعوة إلى العودة إلى النظام الرئاسي الذي رأى فيه الحل الأمثل للأزمة المتصاعدة التي تشهدها بلاده، موجّهاً سهام نقده نحو النظام البرلماني الذي كرّس المحاصصة بالفعل.

استقالة عادية

في المقابل، تذهب أوساط سياسية مؤيدة لمسار الخامس والعشرين من تموز/ يوليو الماضي، إلى أن الاستقالة عادية، ولا تشكّل زلزالاً سياسياً كما حاول البعض توصيفه، خاصةً أن تونس شهدت استقالات عدة على مستوى الطاقم الرئاسي في العشرية التي تلت ثورة الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011، التي أطاحت بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

وقال محسن النابتي، الناطق الرسمي باسم حزب التيار الشعبي المؤيد لسعيّد، إن "الاستقالة عادية، الظرف فحسب غير عادي، وهذه الأمور تحصل يومياً في العالم، وليست حدثاً".

وأضاف النابتي في حديث إلى رصيف22، أن "جل الرؤساء الذين مروا على البلاد في العشرية الأخيرة، عرف ديوانهم الرئاسي عدم استقرار. مرّ على رئاسة الديوان مثلاً أكثر من مسؤول في عهدهم. الظرف الاستثنائي فحسب، جعل من كل شيء يصدر من قصر قرطاج الرئاسي يكتسي أهميةً بالغةً للجميع".

وبالفعل، شكّلت الاستقالات المدوية في الطواقم الرئاسية للرؤساء المتعاقبين في تونس بعد الثورة، العنوان الأبرز لمراحل حكم هؤلاء. فمع الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي (2011-2014)، استقال مدير الديوان عزيز كريشان ليطلق بعد ذلك تصريحات قوية ضده.

ومع الباجي قائد السبسي، الذي وصل إلى قصر قرطاج في انتخابات 2014، بعد استقطاب ثنائي حاد خاضه حزبه نداء تونس مع النهضة، استقال أكثر من مستشار على غرار مدير ديوانه الرئاسي سليم العزابي، وسلفه سلمى اللومي، وغيرهما.

لكن مع قيس سعيّد تبدو الحصيلة أثقل، فمنذ توليه الرئاسة شهد ديوانه نزيفاً حاداً في الاستقالات، شمل كلاً من المستشارة المكلفة بالإعلام والاتصال رشيدة النيفر، ومدير ديوانه الأسبق طارق بالطيب، ومستشاره السياسي السابق، عبد الرؤوف بالطبيب، ومستشار الأمن القومي الجنرال محمد الحامدي، والمكلف بالبروتوكول والتشريفات طارق الحناشي، والمكلفة بالإعلام ريم قاسم، وغيرهم.

وتشهد تونس مساراً سياسياً انتقالياً دشّنه الرئيس سعيّد، عندما فعّل الفصل 80 الذي ينظّم حالة الاستثناء في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو الماضي، عندما جمّد أعمال البرلمان، ورفع الحصانة عن نوابه، وأقال الحكومة السابقة المدعومة من حركة النهضة الإسلامية برئاسة هشام المشيشي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard