بين الاختطاف و"شبهة الإرهاب"... قضية البحيري تعمّق الأزمة السياسية في تونس

MAIN_Noureddine-Bhiri

الثلاثاء 4 يناير 202204:17 م

أخذ وردّ، وانقسام حاد تعيش على وقعهم الساحة السياسية التونسية، منذ "اختطاف" نائب رئيس حركة النهضة ووزير العدل السابق، نور الدين البحيري، صباح يوم الجمعة 31 كانون الأول/ ديسمبر 2021، وإيقافه في جهة مجهولة، بين مدين للخطوة، يعدّها مخالفةً للقانون، وبين مرحّب بها.

ومع تضارب كبير في المعطيات، وحجب للمعلومة من المؤسسات الرسمية حول مصير البحيري، أفاد وفد من الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، في تصريح صحافي، بعد تمكّنه من زيارته في قسم العناية المركزة في مستشفى الحبيب بوقطفة في مدينة بنزرت (شمال)، بأن البحيري في حالة صحية مستقرة، وقد دخل في إضراب عن الطعام، ويمتنع عن أخذ أدويته.

قصة "اختطاف"

بالعودة إلى أطوار توقيف البحيري، أو "عملية الاختطاف"، كما وصفتها حركة النهضة، صرّحت المحامية سعيدة العكرمي، زوجة البحيري، بأن ثلاث سيارات سوداء رباعية الدفع، ورابعة بيضاء، اعترضت سيارتهما صباح يوم الجمعة الماضي، وتولّى قرابة 12 عنصر أمن بزيٍّ مدني الاعتداء عليهما بالضرب المبرح، رافضين الكشف عن هويتهم، ومكتفين بالقول إنها "تعليمات".

وأضافت العكرمي، خلال ندوة صحافية عقدتها يوم الاثنين 3 كانون الثاني/ يناير الجاري، مع هيئة الدفاع عن نور الدين البحيري، أن عناصر الأمن، وبعد اعتداءات متكررة، أخذوا البحيري، "وانطلقوا مسرعين".

ومنذ وقوع الحادثة، التقت العكرمي برفقة رئيس فرع المحامين في تونس، على التوالي، بكلٍّ من وكيل الجمهورية، والوكيل العام، واتصلت بالقضاء العسكري، وبوزيرة العدل، الذين عبروا لها عن استغرابهم، مؤكدين عدم علمهم بالحادثة، أو إصدارهم أي قرار بالإيقاف ضد زوجها، كما صرّحت العكرمي.

زوجة نور الدين البحيري قالت إن أن عناصر الأمن، وبعد اعتداءات متكررة، أخذوا البحيري، "وانطلقوا مسرعين". هل يعود "الاختطاف" إلى تونس؟

كما حاول عدد من زملائها المحامين، بالإضافة إلى عميد المحامين، الاتصال بوزير الداخلية توفيق شرف الدين، لكنه لم يرد على اتصالاتهم، لتعلمهم في ما بعد وزيرة العدل، بأنها علمت أنه قد تم وضع البحيري تحت الإقامة الجبرية، في "مكان مدني"، وفق العكرمي.

صبيحة يوم السبت 1 كانون الثاني/ يناير 2022، تنقّلت العكرمي إلى مقرّ وزارة الداخلية لمعرفة مصير زوجها، فأعلموها أن الوزير في عطلة، ثم تلقت في ما بعد اتصالاً هاتفياً من أحد جنرالات الحرس الوطني الذي طلب منها جلب دواء البحيري إلى مركز الحرس في منطقة منزل جميل ببنزرت.

بانتقالها إلى منزل جميل، وجدت المركز فارغاً، ونفوا لها علمهم بمكان البحيري، لتعلم في ما بعد بأنه موجود في مستشفى الحبيب بوقطفة في مدينة بنزرت.


ندوة صحفية لهيئة الدفاع عن نور الدين البحيري

تؤكد سعيدة العكرمي، أن المستشفى كان محاطاً بتعزيزات أمنية مهولة، مع أكثر من مئة عنصر أمن، وأنه تم منعها من الدخول لزيارة زوجها، إلا بعد إمضائها على وثيقة، وهو ما رفضته، محمّلةً رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ووزير الداخلية، المسؤولية عما يصيب زوجها.

ووفق آخر المعطيات التي تحصلت عليها هيئة الدفاع، وأعلنتها خلال ندوة صحافية، فإن البحيري المعتقل لليوم الرابع على التوالي (الإثنين 3 كانون الثاني/ يناير)، موجود في قسم العناية المركزة في مستشفى الحبيب بوقطفة في بنزرت، عادّةً أنه "من الجانب القانوني موجود في مكان غير معلوم، لأنها تجهل مكان احتجازه قبل نقله إلى المستشفى، وأين سيتم احتجازه بعد خروجه منه".

كما أعلنت الهيئة أنها قدمت شكايةً بخصوص "اختطاف" نور الدين البحيري، ضد كلٍّ من الرئيس قيس سعيّد، ووزير الداخلية توفيق شرف الدين، موضحةً أن قرار وزارة الداخلية وضع البحيري قيد الإقامة الجبرية، صدر "بعد اختطافه".

إجراء تحفّظي؟

ساعات قليلة بعد ندوة عائلة البحيري، ودفاعه، يوم الإثنين 3 كانون الثاني/ يناير، خرج وزير الداخلية في ندوة صحافية نُقلت على القناة التلفزيونية الرسمية، يؤكد فيها أن البحيري أوقِف في إطار تحقيق قضائي لـ"شبهات إرهاب".

وقال المسؤول التونسي إن البحيري وشخصاً آخر، قد يكونان متورطَين في تسليم وثائق سفر وشهادات الجنسية لأشخاص لمّح المسؤول التونسي إلى أنهم متورطون في قضايا إرهاب.

وأكد الوزير أن عملية التوقيف أتت وفق القوانين المنظّمة للتوقيف، في إطار الحفاظ على النظام والأمن العامّين.

بين اتهام عائلة البحيري لوزارة الداخلية باختطافه، وردّ هذه الأخيرة أنه في الإقامة الجبرية لشبهة الإرهاب، تعيش تونس انقاساما حول "اختفاء" القيادي في النهضة لأيّام

وهو ما كانت أكدته وزارة الداخلية في بيان لها، مساء الجمعة 31 كانون الأول/ ديسمبر 2021، بأنه "تم اتخاذ قرارَين في الإقامة الجبرية، عملاً بالقانون المنظم لحالة الطوارئ، وخاصةً الفصل الخامس من الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرّخ في 26 كانون الثاني/ يناير 1978، الذي يخوّل وضع أي شخص تحت الإقامة الجبرية، حفاظاً على الأمن والنظام العامّين".

وعدّ البلاغ الذي لم يأتِ على ذكر اسم الموقوفَين، أن هذا الإجراء "تحفّظي أملته الضرورة في إطار حماية الأمن العام، وينتهي بانتهاء موجبه".

كما أكد "حرص وزارة الداخلية على التقيّد بالضمانات المكفولة بمقتضى الدستور والتشريع النافذ، خاصةً من حيث توفير ظروف الإقامة الملائمة والإحاطة الصحية اللازمة للمعنيين بهذا القرار".

ردود فعل متباينة

في توصيفه للحادثة التي تعرّض لها نائب رئيس حركة النهضة، يرى عضو هيئة الدفاع عن البحيري، مالك بن عمر، أنها تحولت من عملية اختطاف إلى إخفاء قسري مخالف للقانون الدولي والتونسي الذي يشترط في عملية الإيقاف أن يتعهد بها القضاء، وأن تكون هنالك إحالة عن طريق وكيل الجمهورية.

وأكد في تصريحه لرصيف22، أن أي مواطن تونسي مهما كانت صفته، حتى وإن ثبت ارتكابه لأي جرم، يجب أن يتم اعتقاله وفق القانون، منتقداً ما ورد في بلاغ وزارة الداخلية، ومؤكداً أن الأمر المنظّم لحالة الطوارئ ينصّ على أن تكون الإقامة الجبرية في مكانٍ معلوم، وهو ما لم يحدث في حالة البحيري.

ولم يستبعد بن عمر، أن تكون الأسباب السياسية وراء عملية "اختطاف" البحيري خاصةً، وأن السلطة السياسية القائمة تعيش "في حالة فشل سياسي متواصل منذ 25 تموز/ يوليو 2021، وأمام وضعية اقتصادية واجتماعية منهارة، مع إصدار قانون المالية 2022 المخيّب للآمال".

"سعيّد لجأ إلى أقذر الوسائل، وهي الاختطاف والإخفاء القسري التي لم نعهدها إلا في حكم السيسي، وفي بعض الدول الإفريقية الدكتاتورية. أنا أشعر بحالة حزن، أكثر من حالة الصدمة على تونس"

ويرى أنه "وأمام هذا الفشل، ولإرضاء بعض الأنصار، قام الرئيس قيس سعيّد بهذه العملية الاستعراضية السينمائية الهوليودية التي ليست لها أي صلة بالقانون والأخلاق والإنسانية، وهو أمر لم يحدث حتى في عهدي الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي"، حسب تعبيره.

وشدد بن عمر على أن حادثة البحيري "منعرج خطير، وأسلوب جديد تعتمده السلطة القائمة في البلاد يهدد بدخولنا في نفق إيقافات وتصفية حسابات عشوائية، خاصةً وأن سعيّد لجأ إلى أقذر الوسائل، وهي الاختطاف والإخفاء القسري التي لم نعهدها إلا في حكم السيسي، وفي بعض الدول الإفريقية الدكتاتورية. أنا أشعر بحالة حزن، أكثر من حالة الصدمة على تونس"، يختم.

في المقابل، استغرب الناشط السياسي والمدني، طارق رحالي، ذهاب حركة النهضة والمدافعين عن البحيري إلى عدّ عملية إيقافه اختطافاً وإخفاءً قسرياً، "والحال أنهم علموا بمكانه في بنزرت، وقاموا بزيارته"، يقول.

وأكد في تصريحه لرصيف22، أن الحديث عن عملية اختطاف "كذبة، وأن المسألة تتعلق بتطبيق عادل للقانون، وعلى قدم المساواة بحق مواطن كبقية المواطنين التونسيين الذين يحدث يومياً إيقاف العشرات منهم من دون حدوث هذه البلبلة"، وأضاف أنه تم إيقاف شخص ثانٍ مع البحيري، ولم تحدث حوله "هذه الضجة المفتعلة".

وردّاً على انتقاد هيئة الدفاع وحركة النهضة لقرار وضع البحيري قيد الإقامة الجبرية عملاً بقانون الطوارئ، قال رحالي إن حركة النهضة "التي حكمت لعشر سنوات، لم تلغِه، وإن معارضتها لهذا القانون الآن ليست إلا نوعاً من الدعاية السياسية لتهييج الشارع، لا أكثر ولا أقل".

من جهة ثانية، نفى أن تكون الأسباب السياسية وراء عملية إيقاف نائب رئيس حركة النهضة، وأن الأمر يتعلق "بتطبيق القانون وفق أسباب معقولة وظاهرة سنتعرف عليها مع الوقت"، يضيف.

وعن تداعيات هذه الحادثة على المشهد السياسي التونسي، رجّح مواصلة بعض الأطراف استغلال هذه الحادثة، ومحاولة الركوب عليها وتوظيفها سياسياً لتجنب إيقاف شخصيات أخرى متورطة في قضية البحيري نفسها.

كما رجّح من جهة ثانية، ما قال إنه "انتصار الطرف الثاني الذي استحسن إيقاف البحيري، ويدعو منذ سنوات إلى تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء، وخاصةً من تقلّدوا مناصب حكومية، ويطالب باعتقالات أخرى "لأنه من أبرز مطالبنا إرساء دولة القانون"، يختم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard