النصب عبر الشاشات... شباب الجزائر ضحايا نجوم السوشال ميديا

الأربعاء 19 يناير 202203:20 م

نوميديا لزول، وريفكا، وإيناس عبدلي، وستانلي... أسماء لمعت في سماء السوشيال ميديا الجزائرية. صاروا نجوماً يلهث خلفهم الشباب، ويقلدون ملابسهم، وقصّات شعرهم، ويرتادون المطاعم وأماكن السهر التي يقصدونها... باختصار، صاروا بوصلةً، ومحط أنظار الشباب في الجزائر.

لكن دوماً ما يؤتى الحذِر من مأمنه، ليستيقظ الشباب الجزائري يوماً مكتشفين أن نجومه لم يكونوا سوى طعمٍ في شباك شركة نصب، سلبت أموالهم، وألقت بهم في المجهول.

القصة الكاملة

والدتي باعت ذهبها لتسدد لي تكاليف السفر؛ هكذا يبدأ أحد الشباب -رفض ذكر اسمه- حديثه معنا مستطرداً بحسرة: مثلي مثل كثيرين، حلمت بالسفر إلى أوروبا للدراسة والعودة بشهادة تمكّنني من ولوج سوق العمل في الجزائر، لكن للأسف حلمي تبخّر على أيدي المحتالين، وخسرت وقتي وأموال أهلي.

بدأت القصة حينما انتشرت إعلانات لشركة Future Gate، مدعومة بصور وتوصيات نجوم السوشيال ميديا السالف ذكرهم، لتعلن توفيرها فرصاً للشباب الجزائري للدراسة في أوروبا.

الحملة الإعلانية المتقنة، وتوصيات نجوم الشباب المحبوبين، جعلت الكثيرين يعدّونها فرصةً مناسبةً للترقي الاجتماعي، بعد العودة بالشهادة الأوروبية.

لكن الأمر برمّته، لم يكن سوى عملية احتيال راح ضحيتها أكثر من 75 طالباً جزائرياً، تعاقدوا مع الشركة للالتحاق بمقاعد الدراسة في جامعات تركيا وأوكرانيا، ليفاجَأ بعضهم لاحقاً، وبعد سداد الأموال المتفق عليها، بعدم قدرتهم على السفر، ويجد البعض الآخر نفسه في الغربة من دون مأوى، على الرغم من دفع كلفات الإقامة، أما الأوفر حظاً منهم، فتمكّنوا من السفر والالتحاق بإقامتهم بالفعل، لكنهم صدموا بحالتها الكارثية غير الصالحة للحياة الآدمية، على عكس الاتفاق تماماً!

وأمام هذه الحقيقة المرة، قرر عدد كبير منهم العودة إلى الجزائر، ومطالبة الشركه بأموالهم، ليفاجؤوا بالشركة وقد تبخرت في الهواء؛ فلا الاسم بقي، ولا المقر ظل مفتوحاً!

اعترافات صادمة

الغضب الشعبي العارم على نجوم وسائل التواصل الاجتماعي، تقاطع مع بيان الأمن الجزائري الذي كشف عن تحديد أهم مقرات الشركة المتّهمة، واستدعاء مالكها والمؤثرين (الإنفلونسر)، للتحقيق، وناشد البيان المواطنين بالتقدم بشكاواهم، والإدلاء بشهاداتهم.

740 مليون سنتيماً، تقاضاها ريفكا كمقدّم، فضلاً عن 40 مليون سنتيم شهرياً، 105 ملايين سنتيماً  لستانلي، أما نوميديا لزول، وإيناس عبدلي، فقد حصلت كلٌّ منهما على 35 مليون سنتيم (المليون سنتيم يعادل 70 دولاراً تقريباً)

التحقيقات مع "أسامة رزاق"، مدير الشركة، كشفت عن مفاجأة مذهلة فجّرها الرجل حين اتّهم نجوم السوشيال الميديا بابتزازه! وأنهم عملوا على تأليب الرأي العام والطلبة ضده، على الرغم من نجاحه في إرسال 200 طالب سابقاً، من دون مشكلات.

وقد كشف الرجل عن المبالغ التي تقاضاها منه المؤثّرون (الإنفلونسر)، على النحو التالي:

740 مليون سنتيماً، تقاضاها ريفكا كمقدّم، فضلاً عن 40 مليون سنتيم شهرياً، 105 ملايين سنتيماً  لستانلي، أما نوميديا لزول، وإيناس عبدلي، فقد حصلت كلٌّ منهما على 35 مليون سنتيم (المليون سنتيم يعادل 70 دولاراً تقريباً).

من جانبه، لم ينفِ ريفكا حصوله على تلك المبالغ، قائلاً خلال شهادته: اتصلت بي الشركة للقيام بالإعلان لها في حسابي على صفحات التواصل الاجتماعي، نظير مبالغ مالية اتفقنا عليها، وقد قمت بالفعل بعمل الدعاية. لكن بعد فترة، تواصلت معي مجموعة من الطلبة، وأخبروني أنهم تعرّضوا لعملية نصب على يد الشركة، لذلك ألغيت تعاقدي معها مباشرةً.

أقوال ستانلي في التحقيقات اتفقت إلى حد كبير مع أقوال ريفكا، إذ أقرّ هو الآخر بتلقّي أموال من الشركة نظير الإعلان عنها، ولكنه أكد على عدم علمه بنية النصب على الشباب، واختتم ستانلي أقواله بالإشارة إلى تلقّيه تهديداتٍ صريحةً من أم مدير الشركة "البرلمانية"، حال قيامه بعمل بث مباشر لفضحه!

أما نوميديا لزول، إحدى أبرز المتهمين بالترويج للشركة الوهمية، فقد تغيّبت عن جلسة التحقيق معها، واختفت تماماً من وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن محاميها، عادل مسعودي، صرّح لرصيف22: لزول لم تهرب كما تشيع وسائل الإعلام، وستقدّم نفسها اليوم أمام وكيل الجمهورية في محكمة الدار البيضاء".

وواصل مسعودي الذي يشغل كذلك منصب رئيس رابطة حقوق الإنسان، في مدينة عنابة في شرق الجزائر، الدفاع عن موكلته، مضيفاً:"لدينا كل ما يثبت أن نوميديا لزول بريئة، فهي ليست على علاقة مباشرة مع هذه الشركة الوهمية، وستقدّم نفسها لمصالح الأمن.

تعهدات مسعودي تم الإيفاء بها، وبالفعل توجهت اليوم  نوميديا لزول الي محكمة الدار البيضاء لسماع اقوالها.

الموقف القانوني

لكن ماذا عن الموقف القانوني لهؤلاء المؤثّرين؟ هل يعدّهم القانون الجزائري جزءاً من عملية النصب، أم أنهم مجرد معلنين لا علاقه لهم بجودة المنتَج الذي يقدمونه، أو رداءته؟

في الوقت الذي يتجه العالم كله نحو ثقافة الأونلاين، يوماً بعد يوم، كشفت أزمة قضية Future Gate، إلى أي مدي يعاني مجال الإعلانات في الجزائر من شحّ القوانين التي تتصدى للجرائم السيبرانية

نحن أمام جريمة مكتملة الأركان؛ هكذا يستهل المحامي عبد الغني بوالنش تصريحه لرصيف22، ويقول: ما تعرّض له الطلبة، هو جريمة نصب وفقاً لقانون العقوبات الجزائري، وقد يذهب التكييف إلى أبعد من هذا في أثناء التحقيق، ليعدّها جريمة تبييض أموال. أما عن الموقف القانوني للمؤثّرين، فيقول بوالنش: ما زالت التحقيقات جاريةً، ولا يمكن استباقها، لكن بشكلٍ عام قد تتعقد الأمور بالنسبة إلى هؤلاء المؤثّرين، ويُعَدّون في نظر القانون شركاء في النصب، ويعاقَبون بعقوبة الفاعل الأصلي نفسها، إذا ثبت علمهم بحقيقة الشركة الوهمية.

في حديثه إلى رصيف22، يدين النائب البرلماني محمد علي ربيج، المؤثّرين على صفحات التواصل الاجتماعي، ويقول: إنها قضية نصب واحتيال، وكان من الواجب على صُنّاع المحتوى، الابتعاد عن مثل هذه التصرفات التي أضرّت بمتابيعهم ومحبيهم. ويختتم النائب حديثه بالقول: ما جرى مؤخراً مع الطلبة الجزائريين، فرصة لإعادة النظر في التشريعات السابقة، ووضع قوانين منظّمة ورادعة.

أما فاتح بن حمو، مدير موقع شهاب برس، فلا يحمّل المؤثّرين المسؤوليه كاملةً في حديثه إلى رصيف22، بل يشير الرجل إلى أن الوقت قد حان لوقف الفوضى، وتنظيم مجال الإعلان على منصات التواصل الاجتماعي، من طرف الشخصيات التي تحظى بمتابعات كبيرة عليها، قائلاً: هؤلاء المؤثرون لم يدركوا أنها مؤسسات احتيالية، وكانوا يظنّون أنها تعمل لصالح الطلبة، لكنهم أخطأوا بعدم التقصّي والبحث عن الشركات التي يروّجون لها على منصاتهم.

في الوقت الذي يتجه العالم كله نحو ثقافة الأونلاين، يوماً بعد يوم، كشفت أزمة قضية Future Gate، إلى أي مدي يعاني مجال الإعلانات في الجزائر من شحّ القوانين التي تتصدى للجرائم السيبرانية، وحتى حين قام الوزير المنتدب في الشركات الصغرى، بإصدار تعريف تجاري للمؤثّرين على السوشال ميديا، بقصد ضبط عملهم، سرعان ما تم تجميد قراره من طرف الوزير الأول!.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard