إمبراطورية "توسياد"… هل يستطيع أردوغان مواجهة الأثرياء الذين قضوا على أربكان؟

الثلاثاء 18 يناير 202203:38 م

 لطالما عُرفت تركيا في الشرق الأوسط بالانقلابات العسكرية، التي كانت في أكثر من مرّة مدعومةً من أثرياء شكلوا جمعية الصناعة والأعمال "توسياد"، وهي تتحكم باقتصاد البلاد، إذ تُسيطر على جزء أساسي منه.

في 18 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حين انهارت العملة التركية مقابل الدولار بشكل دراماتيكي، ووصلت قيمتها إلى 17 ليرة مقابل الدولار الواحد، أصدرت "توسياد" بياناً يُعدّ الأكثر حدةً في عهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ دعت الأخير إلى العودة إلى "قواعد العلوم الاقتصادية"، بعد فشل أهداف البرنامج الاقتصادي الحالي، ولم تكتفِ بذلك، بل طالبت بإجراء "انتخابات مبكرة".

سرعان ما رد أردوغان الذي كان شاهداً على الدور الذي لعبته "توسياد" في سقوط حكومة أستاذه، نجم الدين أربكان، عادّاً أن "تركيا اليوم ليست تلك التي كانت في الماضي"، في إشارة إلى قدرة الجمعية على التحكم بمفاصل البلاد، كما تصدرت الهاشتاغات المناهضة للجمعية الليبرالية، وسائل التواصل الاجتماعي، وراح البعض يتكلم عن انقلاب عسكري.

ما هي "توسياد"؟   

تُعدّ توسياد التي احتفلت العام الماضي بالذكرى الخمسين لتأسيسها، أكبر منظمة لرأس المال في تركيا، فهي تشكل 50% من الناتج المحلي، إذ تضم 4،500 شركة، ويعمل تحت مظلتها 50% من الأتراك، وتستحوذ على قرابة 85% من إجمالي تجارة تركيا الخارجية.

تُعدّ توسياد أكبر منظمة لرأس المال في تركيا، فهي تشكل 50% من الناتج المحلي، ويعمل تحت مظلتها 50% من الأتراك، وتستحوذ على قرابة 85% من إجمالي تجارة تركيا الخارجية

يقع المقر الرئيسي لتوسياد في إسطنبول، ولها مكتب تمثيلي في أنقرة، ومكاتب تمثيلية دولية في بروكسل وواشنطن وبرلين ولندن وباريس، وشبكات في الصين ووادي السيليكون ومنطقة الخليج.

يرى كثيرون أن "توسياد" ليست مجرد كتلة اقتصادية ضخمة، أو مجرد لوبي مؤثر في قدرات السياسة التركية، بل جمعية تحوّلت على مدى نصف القرن الماضي، إلى "إمبراطورية" تسيطر على وسائل الإعلام والأزياء والفن والرياضة ودور النشر والبنوك وسوق الأوراق المالية والجامعات الخاصة. 

يعود تأسيس "توسياد" إلى عام 1971، حين استشعر 12 شخصاً من أثرى رجال الأعمال في تركيا، وأغناهم، أن قوتهم ونفوذهم السياسي قد يصبحان في خطر بعد ظهور سياسيين وأحزاب محافظة. وعلى الرغم من أن نشأة هذه الجمعية كانت تهدف إلى فرض أجندتها ونفوذها على حكومات تركيا، فقد ظلّت لأكثر من ثماني سنوات لا تتدخل في السياسة، لكنها أصبحت إمبراطوريةً ضخمةً تضم أكبر العائلات الثرية.

بدأ تدخّل توسياد في السياسة حين نشرت إعلاناً في وسائل الإعلام طالبت من خلاله رئيس الوزراء اليساري في ذلك الوقت، بولنت أجاويد، بالاستقالة، ومارست عليه ضغطاً من خلال احتكار المواد الغذائية، لخلق أزمات للحكومة، ونجحت في إجبار حكومة أجاويد على الرحيل.   

وتُتهم توسياد بأنها كانت إحدى القوى التي حركت الجيش لانقلاب 1980، ودعمت بعدها حكومة رئيس الوزراء سليمان دميرل، وانتهت بعدها أزمة نقص المواد الغذائية. كذلك تُتهم بأنها وراء تعطيل العديد من المشاريع الحكومية، منها السكك الحديدية، وذلك للحفاظ على قطاع السيارات الذي كانت تسيطر عليه، كما أسست العديد من وسائل الإعلام ودور نشر وصحف كـ"حرييت" اليومية الشهيرة. 

قبيل إسقاط حكومة أربكان، نشرت صحيفة "حرييت"، مانشيت بعنوان "هذه المرة سيتم حل المسألة من دون قوة السلاح"، وبالفعل حل رئيس الوزراء الإسلامي حكومته، بضغطٍ من الجيش في حزيران/ يونيو عام 1997.

تمكنت توسياد بعد الإطاحة بأربكان، من مفاصل الدولة، حتى أصبحت قادرةً على إجبار الحكومة على الانسحاب من العديد من المشاريع، وتركها للجمعية.

قبل رحيل أربكان، قرر رجل أعمال محافظ دينياً، يُدعى أيرول يارار Erol yarar، إنشاء جمعية مماثلة على شكل إسلامي أطلق عليها اسم "موصياد"، لمنافسة إمبراطورية "توسياد"، فعرض الفكرة على أربكان، الذي كان حينها رمزاً للتيار الإسلامي. 

قبيل إسقاط حكومة أربكان، نشرت صحيفة "حرييت"، مانشيت بعنوان "هذه المرة سيتمّ حل المسألة من دون قوة السلاح"، وبالفعل حل رئيس الوزراء الإسلامي حكومته، بضغطٍ من الجيش

وفي عام 1990، قام يارار بإنشاء "موصياد"، ووضع شروطاً إسلاميةً صارمةً للانضمام إليها، فأطلق عليها خصومه "جمعية رجال الأعمال المسلمين"، لتحريض السلطات ضدها، لأنه كان ممنوعاً استخدام الأسماء الدينية.

انضم إلى هذه الجمعية لاحقاً 2،500 رجل أعمال يملكون 7،500 شركة يعمل فيها مليونا عامل تركي في المجالات كافة، لتتفوق على "توسياد" في العدد، لكنها ظلت أقل مالاً ونفوذاً، على الرغم من أنها تلقت دعماً من أربكان، وأردوغان في وقت لاحق.

أصبحت "موصياد" إمبراطوريةً تضم عشرة آلاف رجل أعمال تركي، و60 ألف شركة، وتنشط في 95 دولة حول العالم، وتسهم في 18% من الناتج التركي.

توسياد وأردوغان

منذ تولي أردوغان الحكم، حافظت الجمعية على "مسافة آمنة" في علاقتها مع الحكومة، بل ساهمت في تمويل المشاريع الكبرى التي تبناها الرئيس التركي، بما في ذلك مشروع السيارة الكهربائية. 

واحتشدت الإمبراطورية الإعلامية لأيدن دوغان، والد أول رئيسة لتوسياد، وأحد أباطرة الأعمال الأتراك البارزين، بقوةٍ خلف حزب "العدالة والتنمية"، بين عامي 2002 و2007، لكن بعد ذلك، انقلب أردوغان على دوغان، ففرض غراماتٍ ضريبيةً باهظةً عليه، أجبرته على بيع جزء كبير من إمبراطوريته الإعلامية، منها صحيفة "حرييت" التي كانت في أحد الأيام أداةً للإطاحة بأربكان.

احتشدت الإمبراطورية الإعلامية لأيدن دوغان، أحد أباطرة الأعمال الأتراك البارزين، بقوةٍ خلف حزب "العدالة والتنمية"، بين عامي 2002 و2007، لكن بعد ذلك، انقلب أردوغان عليه، ففرض غراماتٍ ضريبيةً باهظةً عليه، أجبرته على بيع جزء كبير من إمبراطوريته الإعلامية

ومع ذلك، فإن بعض قادة توسياد لم يترددوا في الانخراط في "مناوشات" غير مباشرة مع أردوغان، كما حدث عندما دعم رجل الأعمال مصطفى كوتش، الاحتجاجات في ساحة تقسيم في إسطنبول في عام 2013، والتي كان قادتها يأملون بجمع زخم شعبي لإسقاط الحكومة.

من جانبه، كان الرئيس التركي مشغولاً بإجراء بعض الإصلاحات الاجتماعية، والسيطرة على الجيش، والصدام مع الأكراد، ثم انتقل إلى مواجهة كبيرة مع حركة الخدمة، ومحاولة الانقلاب عليه في 2016، ذلك كله في ظل مشاركته في مواجهات محتدمة في سوريا.

 وضعت "توسياد" خريطة طريق جديدةً، تميل فيها نحو المعارضة، بعدما رصدت استطلاعات الرأي، خصوصاً في المراكز الصناعية، ابتعاد العمال عن حزب العدالة والتنمية الحاكم

في احتفالها بالذكرى الخمسين لتأسيسها، وضعت "توسياد" خريطة طريق جديدةً، تميل فيها نحو المعارضة، بعدما رصدت استطلاعات الرأي، خصوصاً في المراكز الصناعية، ابتعاد العمال عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، وذلك وفقاً لتقرير نشره الكاتب فاتيح بولات، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، في موقع "أيفرينسل" التركي.

وقال بولات في التقرير: "في غضون الـ14 عاماً الماضية، كانت علاقات توسياد مع الحكومة في بعض الأحيان، في حالة فوضى، وأحياناً قريبةً نسبياً، وفي بعض الأحيان كانت غائمةً بعض الشيء. الآن، تتحدث بشكل أكثر وضوحاً، وبصوتٍ عالٍ. يمكن أيضاً تشبيه نغمة توسياد بتلك التي يستخدمها حزب سياسي".

عادت توسياد إلى المسرح مرةً أخرى، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بشكلٍ أكثر حدةً، بعدما طالب رئيسها الجديد ذو الأصول اليهودية الإيطالية، سيمون كسلوفسكي، الحكومة برفع الفائدة مجدداً، واجتمع مع رئيس المعارضة، زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، وطالب بإجراء انتخابات مبكرة لإنقاذ البلد.

رد أردوغان بغضب على هذا التحالف الذي بدأ ينشأ علانيةً بين المعارضة السياسية وتوسياد، بـ"أن التاريخ لن يعيد نفسه، وتركيا القديمة ليست الحالية".

من جانبه، استبعد الصحافي التركي من أصل سوري، حسني محلي، أن تكون هناك أي مواجهة أو صدام بين الطرفين، لأن رجال الأعمال في هذه الجمعية "جبناء"، مؤكداً أنهم لا يريدون أن "يضحّوا بمكاسبهم وأرباحهم الطائلة، من أجل بعض المقولات الديمقراطية، وهم غير صادقين فيها".

فشلت محاولات أردوغان المنهجية لتهميش مجتمع الأعمال العلماني في تركيا، ولا يزال أعضاء توسياد يمثلون قوة الاقتصاد التركي، و85% من التجارة الخارجية غير المتعلقة بالطاقة في تركيا

ولفت محلي في تصريحات لرصيف22، إلى أن "أردوغان كفته أقوى، ويستطيع أن يدمرهم لولا حاجته إلى توسياد في العلاقة مع واشنطن والأوساط المالية والاقتصادية في أوروبا".

وفي رأي العضو السابق في البرلمان التركي عن حزب الشعب الجمهوري ورئيس برنامج تركيا في منظمة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، أيكان أردمير، فإن "أردوغان معادٍ لتوسياد، وينظر إليها على أنها تمثل مجتمع الأعمال العلماني والمؤيد للغرب في تركيا". 

وقال أردمير لرصيف22، إن "توسياد تسعى جاهدةً إلى الابتعاد عن السياسات الحزبية، ويتوقع منهم قصر بياناتهم على مناقشات السياسة الاقتصادية والمالية الرئيسية، نظراً إلى عدم تسامح أردوغان مع أي تعليق نقدي بشأن سياساته الاقتصادية غير التقليدية، خصوصاً أن توسياد تعرضت لانتقادات من الدوائر الموالية للحكومة".

تصرّ توسياد على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتدعو إلى سيادة القانون، وتفعل ذلك لأن مصالحها تكمن في نظام لا تتدخل فيه الدولة بشكل تعسفي بالاقتصاد

برأيه، فإن "أردوغان تبنّى محاولة تقويض توسياد، من خلال دعم اثنتين من جمعيات الأعمال المتحالفة مع الإسلام السياسي؛ جمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين موصياد، المكوّنة من الإسلاميين، والاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين "توسكون"، المكونة من مؤيدين لحليف أردوغان، فتح الله غولن".

وقال آردمير إن "محاولات أردوغان المنهجية لتهميش مجتمع الأعمال العلماني في تركيا فشلت، ولا يزال أعضاء توسياد يمثلون قوة الاقتصاد التركي، و85% من التجارة الخارجية غير المتعلقة بالطاقة في تركيا، ويوفرون 50% من العمالة الخاصة في البلاد، ويدفعون 80% من ضريبة الشركات. ولفت إلى أن أردوغان أغلق توسكون في عام 2016، "كجزء من حملته ضد أتباع غولن، فيما لا تزال موصياد هامشيةً بالنسبة إلى الاقتصاد والتجارة في تركيا".

مخاصمة الديمقراطية

وقال زميل بارز في المركز التركي التابع لمعهد وسط آسياـالقوقاز، وبرنامج دارسات طريق الحرير المشترك، خليل كارافيلي، إن "توسياد تصرّ على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتدعو إلى سيادة القانون، وتفعل ذلك لأن مصالحها تكمن في نظام لا تتدخل فيه الدولة بشكل تعسفي في الحياة الاقتصادية".

وأضاف كارافيلي، في تقرير له عام 2015، أن "السجل التاريخي لتوسياد، كوكيل لإرساء الديمقراطية، غير مشجع، لأنها تأسست في عام 1971، وهو العام نفسه الذي شهدت فيه تركيا انقلاباً، وكانت الجمعية والجيش حليفين في صراع مشترك يهدف إلى الحد من الديمقراطية. ولعبت دوراً حاسماً أيضاً في العملية التي مهدت الطريق للانقلاب العسكري الوحشي في عام 1980، وهكذا ساعدت بشكل فعال في دفن الديمقراطية في تركيا".

السجل التاريخي لتوسياد، كوكيل لإرساء الديمقراطية، غير مشجع، لأنها تأسست في العام نفسه الذي شهدت فيه تركيا انقلاباً، وكانت الجمعية والجيش حليفين في صراع مشترك يهدف إلى الحد من الديمقراطية

في تحليل يفسر كلام أردوغان بأن تركيا اليوم ليست القديمة، قال كارفيلي إن "مجتمع الأعمال في السبعينيات من القرن الماضي، لم يكن خائفاً من مهاجمة رئيس الوزراء الاشتراكي الديموقراطي بولنت أجاويد، وكان لديه حلفاء أقوياء في الدولة، ليس أقلهم في الجيش، لكن اليوم، لا يوجد حلفاء في الدولة، وأعضاؤها مرعوبون من أردوغان، الذي لا يشبه إلى حد كبير المحاصَر أجاويد".

بدوره، قال المحلل السياسي التركي، بركات كار، لرصيف22، إن "توسياد استفادت كثيراً من أردوغان، خصوصاً في منع الإضرابات، ومنحها حق طرد العمال من دون تعويض، لكن ما جرى أنهم شعروا بالخوف بعد انهيار العملة، وإفلاس البنك المركزي، لكن أردوغان أرسل إليهم وزير المالية، وعقدوا هدنةً مؤقتة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard