كيف حفّزت الأزمة الاقتصادية عُنصرية "لبنانيين"؟

الاثنين 17 يناير 202203:41 م

عامان ونيّف من عمر أسوأ أزمة اقتصادية يمرّ بها لبنان في تاريخه، خلالها ظهرت إلى العلن ممارسات عنصرية تجاه الأقليات والفئات الأجنبية الضعيفة، فمنها ما تحوم حوله أيديولوجيا اجتماعية فوقية تجاه اللاجئين العرب، ومن هم من القارة السمراء، أو شبه القارة الهندية، والفليبين، وأخرى بتصرفات الأجهزة الأمنية مع المخيمات، أو مصاغةً بنظام استعبادي يجعل العاملات الأجنبيات تحت رحمة أرباب العمل.

دفعت الأزمة الاقتصادية إلى ولادة ضغوط اجتماعية أكبر مما يستطيع تحمّله اللبنانيون، ما أدى إلى قيام علاقات وممارسات عرفية، وارتفاع معدلات العنف والاستغلال، حسب ما ذكرت المحامية موهانا إسحق، لرصيف22. ونتج عن عدم قدرة أصحاب العمل على دفع الأجور، أو ثمن بطاقات سفر إلى الدول المعنية للعاملين الأجانب، ارتفاع نسبة العنف الذي تم التبليغ عنه، أو أقله نُشر عبر الوسائل الإعلامية.

نتج عن عدم قدرة أصحاب العمل على دفع الأجور، أو ثمن بطاقات سفر إلى الدول المعنية للعاملين الأجانب، ارتفاع نسبة العنف الذي تم التبليغ عنه

وتضيف إسحق، وهي رئيسة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الإتجار بالبشر في منظمة "كفى"، أن "البلد، اليوم، في خضم مشكلات كبيرة جداً تطال المجالات كلها، وتؤدي إلى تغذية النظرة العنصرية. ولعل أبرز فئتين تتعرّضان للعنف والاعتداءات القائمة على العرق، هي فئة العاملات الأجنبيات، بسبب لون بشرتهن وجنسهن، وفئة اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، بسبب التاريخ القاتم بين الفصائل الفلسطينية والحكومة السورية من جهة، ولبنان من جهة أخرى، ما انعكس على المزاج الشعبي تجاه اللاجئين والنازحين كونهم الحلقة الأضعف في بلد تغيب فيه حكومته عن حماية مواطنيه، ناهيك عن الأجانب".

العاملات الأجنبيات

تتفاقم حالات التمييز والاعتداءات العنصرية تجاه العاملات المهاجرات من مختلف الجنسيات في لبنان، في ظلّ اشتداد الأزمة الاقتصادية، وما يتبعها من ضغوط على المواطنين الذين ينفّسون غضبهم، وقلة حيلتهم على تغيير الواقع المرير، عبر التعنيف وممارسة التمييز بحق الأجانب القادمين من دول فقيرة، أو دول تعاني من الأزمات الاقتصادية أو الأمنية.

وشهد لبنان مؤخراً العديد من الممارسات العنصرية، من ضرب عاملة من الجنسية الإثيوبية في الشارع، في جورة البلوط، واعتصام عاملات منزل من الجنسية الكينية أمام قنصلية بلادهن في بيروت، وسابقاً نظرائهن الإثيوبيات أمام سفارة بلادهن في الحازمية، وهي حالات من عشرات أخريات خرجت إلى الإعلام، وغالبيتها تجاه فئات أجنبية ضعيفة، وغير محمية في القانون.

تتمتع العاملات الأجنبيات بقدر ضئيل جداً من الحماية، ما يجعلهن أكثر عرضةً لجميع أنواع الانتهاكات، بما في ذلك الاستغلال الجنسي، والعنف، وإساءة المعاملة، وأيضاً الاستغلال الاقتصادي

وحسب الأمم المتحدة، يعيش في لبنان 250 ألفاً من عمال الخدمة المنزلية، غالبيتهم العظمى من النساء اللواتي يحملن تصاريح عمل، وينحدر القسم الأكبر منهن من إثيوبيا، بالإضافة إلى الفليبين وبنغلادش وسريلانكا. وتذكر في تقرير لها عن العنصرية في لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية، أن العاملات الأجنبيات "يتمتعن بقدر ضئيل جداً من الحماية، ما يجعلهن أكثر عرضةً لجميع أنواع الانتهاكات، بما في ذلك الاستغلال الجنسي، والعنف، وإساءة المعاملة، وأيضاً الاستغلال الاقتصادي".

كما تضيف أن "المعاملة السيئة، وغياب التمتع بأبسط الحقوق، قد يكونان وراء الكثير من حالات الانتحار لعاملات المنازل المهاجرات، بالإضافة إلى غياب الحماية القانونية لهذه الفئة من العمّال، والمتمثّل في عدم عدّ عاملات المنازل عاملات بكل ما للكلمة من معنى، وتجلّى ذلك في عدم شملهنّ بقانون العمل، بالإضافة إلى اعتماد نظام الكفالة الذي تنتج عنه علاقة مرتبكة وغير متوازنة بين العاملة وصاحب العمل، وأخيراً صعوبة تحقيق العدالة للعاملات، بسبب الافتقار إلى آليات الشكوى".

وفي نظام الكفالة اللبناني، تُعطى سيطرة شبه كاملة لأصحاب العمل على حياة العاملات، ما يعرّضهن لاستغلال وسوء معاملة بعيداً عن القانون، لقاء رواتب شهرية ضئيلة جداً، وفسخ عقد العمل يحتاج إلى موافقة المشغّل الذي يصبح كفيلها، ودفعه مبلغاً يتراوح بين ألفين وخمسة آلاف دولار لمكاتب الاستقدام، المبلغ الذي بات شبه مستحيل تأمينه في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، وذلك ينعكس استغلالاً أكبر للعاملات، واستمراراً في خضوعهن لهذا النظام المشوّه.

تقول المحامية إسحق، إن "نظام الكفالة أساس مشكلة عاملات المنازل، فيعملن من دون وجود نظام قانوني سليم، إذ لا قانون العمل يحميهن، لأنهن مستثنَيات من أحكامه، وليس هناك قانون خاص ينظّم العلاقة بين عاملات المنازل وأصحاب عملهن. هن يخضعن لهذا النظام، إذ تحصل الكثير من الممارسات غير القانونية التي تشكل استعباداً لهن، كاحتجاز جواز السفر، وبطاقة الإقامة، والسيطرة على حقوقهن الخاصة، كحقهن في التجول والتواصل مع الآخرين، والاتصال بالعالم الخارجي، وأخذ يومٍ للإجازة، وحقوقهن الخاصة من المأكل والمشرب، وحتى التحكم بلباسهن!".

نظام الكفالة أساس مشكلة عاملات المنازل، فيعملن من دون وجود نظام قانوني سليم، إذ لا قانون العمل يحميهن، وليس هناك قانون خاص ينظّم العلاقة بين عاملات المنازل وأصحاب العمل

وعلى المقلب الآخر، أرباب العمل الذين لا يستطيعون التكفّل بفسخ العقد، أو حتى تأمين المبلغ المطلوب لدفع الراتب الشهري للعاملة، وإن كان بالليرة اللبنانية، أو ما يوازيه بالدولار الأمريكي، فيأخذوهن إلى أمام ممثلية بلادهن في لبنان، ويتركوهن هناك، وحصلت حالات كثيرة رمى فيها أرباب العمل العاملة، حرفياً، خارج السيارة، لتدبّر أمورها بنفسها، ورموا المسؤولية على ممثلية بلادها. هذا ما حصل مع بعض الإثيوبيات اللواتي اعتصمن لفترة طويلة أمام سفارة بلادهن العام الماضي، وكل واحدة لديها تجربتها المريرة مع "المالك اللبناني"، فمنهن من مُنعن من الراتب، وأخريات خُطف جواز سفرهن، وهناك من تم استغلالهن جنسياً، وضربهن، ومنعهن من أخذ الإجازات، أو تحديد ساعات العمل، وغيرها من كوابيس قائمة على العرق عاشتها أولئك النساء.

تعتصم كينيات أمام سفارة بلادهن في بيروت للمطالبة بالرحيل، بعد أن تركن المنازل التي يعملن فيها، هرباً من التعرض لأشكال من العنف والضغط الاقتصادي

الأمر يحصل أيضاً في هذا الشهر، أمام القنصلية الكينية، حيث تعتصم كينيات للمطالبة بالرحيل من لبنان، بعد أن تركن المنازل التي يعملن فيها، من أجل العودة إلى بلادهن، هرباً من التعرض لأشكال من العنف والضغط الاقتصادي والمعنوي، حسب ما ذكرن أمام الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية.

ومع بدء الإقفال التام، جرّاء تفشي كوفيد19 الذي يُضاف إلى الأزمة الاقتصادية الراهنة في لبنان، شهدت الظروف الحياتية للعمال المهاجرين تراجعاً ملحوظاً، وتالياً، ينتج عن هذه العوامل مجتمعةً تأثير خطير على صحتهم الجسدية والنفسية.

وإلى اليوم، لا توافق الدولة اللبنانية على إنشاء العاملات الأجنبيات نقابةً خاصةً بهن، على الرغم من تقديمهن الطلب في عام 2015، ولا تزال الحكومة الحالية، كما سابقاتها، متقاعسةً عن إيجاد قانون يحمي هؤلاء العاملات من كل ما يتعرضن له، على الرغم من موافقة حكومة عام 2011 على إصدار معيار دولي جديد (الاتفاقية رقم 189)، ضمن مؤتمر العمل الدولي، للعمل اللائق للعاملات في المنازل، ووجوب إخضاعه لقوانين العمل، ولكن لم يتم التصديق عليها.

اللاجئون والنازحون

التمييز العنصري، والاعتداءات القائمة عليه، ليست محصورةً بفئة العاملات الأجنبيات فحسب، بل كانت للاجئين حصة فيها أيضاً، ويُذكر من الحوادث، امتناع عنصر من أمن الدولة عن توزيع بعض المواد الغذائية المدعومة على اللاجئين، أو النازحين، أو الأجانب، والطلب ممن يظنّه غير لبناني إبراز بطاقة هوية للتأكد من جنسيته، قبل إعطائه كيساً من الأرز المدعوم.

وكان قد سبقت تلك الحادثة، تصريحات من سياسيين، طالبوا فيها بالامتناع عن توزيع اللقاح على اللاجئين الفلسطينيين، والنازحين السوريين، وتوزيعه على اللبنانيين حصراً، الأمر الذي رفضته الحكومة اللبنانية آنذاك، وهيئة الحوار اللبناني الفلسطيني، محذرتين من خطورة ذلك.

 أعربت لجنة القضاء على التمييز العنصري، التابعة للأمم المتحدة، عن قلقها إزاء أوضاع اللاجئين ممن وقعوا ضحايا الاحتجاز التعسفي

ومن بين الشخصيات غير السياسية التي لامت اللاجئين والنازحين على اشتداد الأزمة، الفنان زين العمر، الذي أثار حفيظة اللبنانيين والفلسطينيين على حدٍ سواء، حين غرّد على تويتر قائلاً: إن قبول لبنان بالتوطين سيُعيد الدولار إلى 500 ليرة، مستغرباً أن "الغريب معه مصاري، وبيقبض بالدولار، ومعه أكتر بكتير من أصحاب الأرض الأصليين. إذا قلنالك ارجع ع بلدك، مش يعني ما منحبك، بس بشرفكن ما استحيتوا بعد؟ حلو الإنسان يكون خفيف الظل".

وفي المقابل، قال مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان، محمود الحنفي، آنذاك، إن "ما نستغربه نحن إزاء هذا الوضع الصعب، وهذه الظروف البائسة التي يعيشها لبنان، أن يكون هناك سلوك أو مقاربة خطأ لمعالجة هذه القضية، من قبيل أن يتم التمييز بين الفلسطينيين واللبنانيين، الذين هم أساساً يعيشون الظروف نفسها... التعامل بهذه المقاربة الخطأ، واستخدام التصريحات العنصرية، لا تحلّ المشكلة الاقتصادية في لبنان".

إلى جانب ذلك، يستضيف لبنان نحو 1.5 مليون نازح سوري، حسب وزارة الشؤون الاجتماعية، تمارَس عليهم شتّى أنواع التمييز العنصري، وأشكاله. وأعربت لجنة القضاء على التمييز العنصري، التابعة للأمم المتحدة، عن قلقها إزاء أوضاع اللاجئين خلال فترة الإغلاق العام، ولا سيما السوريين، "ممن وقعوا ضحايا للاحتجاز التعسفي، والتعذيب وسوء المعاملة، في مراكز الاحتجاز، أو مخيمات اللاجئين"، حسب بيانها، مشددةً في توصياتها للحكومة اللبنانية، على "ضمان عدم احتجاز ملتمسي اللجوء واللاجئين بشكل تعسفي، والتحقيق في جميع حالات التعذيب، أو سوء المعاملة المزعومة، ومحاكمة جميع الجناة".

في ظل الأزمة التي يمرّ فيها اللبنانيون، صاروا ينظرون إلى اللاجئ على أنه يتلقى مساعدات بالعملة الأجنبية، علماً أن هذا الأمر غير دقيق، فصار بالنسبة لهم "هدفاً مشروعاً وفشّة خلق" 

تقول سحر مندور، الباحثة المختصة بالشأن اللبناني في منظمة العفو الدولية، إن محفزّات الاعتداءات العنصرية في لبنان ضد اللاجئين والنازحين نوعان: "مرحلة ما قبل الإعلان عن الانهيار الاقتصادي، وكان قوامها الشحن السياسي، واستغلال الخطاب العنصري لمكاسب سياسية وتمثيلية، ورفع الخطاب، ونحن حماة الحقوق، وضد الغريب".

وتضيف: "أما النمط الثاني من الاعتداءات، وهو عفوي غير منظّم، ويترافق مع الانهيار الاقتصادي، إذ إن الأسعار تتضاعف، ومدخول الناس يقل، في المقابل يرون أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تدفع للاجئين "كفاف يومهم"، بالدولار، فتخرج أسئلة مثل: ‘لماذا هم والمفترض أن يكون اللاجئ أقل مني؟’، وهنا بداية العنصرية".

غياب الدولة

قلّما خرجت تصريحات من مسؤولين في مواقع رسمية حول موضوع العنصرية، وحسب مندور، أدى هذا الأمر إلى "الحثّ على الجريمة، بسبب أسلوب إدارة البلد، بدلاً من حماية سلامة المجتمع في إحدى أصعب أوقاته"، موضحةً أن اللاجئ والنازح يتحملان وزر حكومتهما وجنسيتهما، وأيضاً فوقية وجودهما في لبنان كلاجئَين، وليس كسلطة (كالوجود القوي للفصائل الفلسطينية إبان السبعينيات من القرن الماضي، والوصاية السورية في الفترة اللاحقة حتى خروجه عقب تظاهرات ضخمة عام 2005)".

ليس هناك طرف رسمي يقول للمواطن لدينا خطة للإنقاذ، وكأن هناك حثّاً على الجريمة في أسلوب إدارة البلد، أكثر مما هو حماية لسلامة المجتمع في أحد أصعب الأوقات التي يمرّ بها

وتضيف: "هناك مشكلة ثالثة، وهي الطرف الاجتماعي، أي أن المواطن سيسأل كيف أنت تأخذ الدولار، وأنا أقبض بالليرة اللبنانية؟ طبعاً هذه فوضى الغابة، ويصبح البقاء للأقوى، ولكن في الواقع، إن المشكلة الأساسية هي أننا في مجتمع، ويجب أن تدار الأزمات والثروات من قبل الدولة. والأخيرة تركت اللاجئين في وضع هش، لا أعلم إن كان الأمر سهواً أم عمداً، ولكن ليست هناك إدارة مركزية لرعاية اللاجئين، إلا في الأمور الورقية، وتُرك الأمر للبلديات المحلية، فكل منطقة تعمل حسب خلفيتها السياسية والطائفية والطبقية معهم".

تلوم مندور الدولة على مشكلة ارتفاع نسب الاعتداءات والتمييز العنصري، "أولاً وأخيراً"، لأن "المجتمع غير مضبوط بسياسات معيّنة. فالحكومة هي سلطة تُعنى بشؤون الناس، ولأسباب سياسية بحت، وخلاف على الحصص، تم تعطيل هذا الجسم، وما إن شُكّلت، لم تجتمع أكثر من عشرين يوماً، ولم يتوقف الانهيار مع توقف عملها. فالناس يتلقون ضربةً تلو أخرى، وبذلك يقول المرء (للعامل الأجنبي أو اللاجئ): لماذا لم تنهَر الدولة عليك، كما انهارت عليّ؟ من أين لك هذا الدولار؟ ليس هناك طرف رسمي يقول للمواطن لدينا خطة للإنقاذ، فتشعر بأن هناك حثّاً على الجريمة في أسلوب إدارة البلد، أكثر مما هو حماية لسلامة المجتمع في إحدى أصعب أوقاته". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard