"سأم بودلير" يمرّ في الحي المجاور

السبت 22 يناير 202210:00 ص

الأبدية، طريق طويل إلى إيثاكا


أول مرة اكتشفت فيها أني كنت أستطيع النجاة بفعلتي بدون خسائر، لكني فضّلت أن أدفع ثمناً لما ارتكبت. أو ربما لم أفضّل، الأدقّ أني قمت بما ظننت أنه الصواب، صواب اليونانيين: إن كسرتَ نافذة توجّب عليك إصلاحها وإن كسرتَ قلباً توجّب عليك أن تندم.

أخبركِ بودلير عن هذا في رسالة نصيّة تلقيتها وأنت مضطجعة على فراش جيوفري، عشيق بودلير السرّي، وأخبرتكِ والدتك الممرّضة أيضاً في اتصال هاتفي بين دخولين إلى الحمّام، وربما جاء ذكري في الكثير من التقارير التي تحدّثت عن لاجئ سوري وقع في حبّ منضدة مطبخ بثلاثة أقدام، وأخذ يكتب عن أثرها في حياته المهتزّة

ثم

مات

منتحراً

بسكين الفواكه.


ندمتُ كثيراً

وأنا تحت جمر الندم وبينما أكتب رسائل صاخبة وأمحيها، صنعتُ يومي الأخير، وتوجّهتُ بالجناح المتألم نحو السماء، وبكيتُ.

الباكون مثلي على شهر من نجيل جاف ضاع تحت جمر الندم، ليس لديهم الكثير من الوقت المتكسّر: يكتبون كلمات بأعواد الأسنان ثم يصدقونها، ثم يؤمنون بأنها الله، ثم يستخدمونها للتجديف به. يكتبون أن حياتهم ضاعت قرب الأدوات الصناعية وعلى أزرار الكيبورد وفي القطارات المتجهة نحو باريس، على الطرقات البرية وتحت الندم الذي يسفّ الرمل الساخن، ثم يصنعون قهوة محلّاة بالعسل ويشربون بنهم الخالية قلوبهم.


وقعتُ في الحب هكذا، كما يقع أحدهم على الحياة عندما يستيقظ

وقعتُ

وانجرحتُ

وخرجتُ منه، كما أنا، لا لي ولا علي، كملعقة مدهونة بالزبدة. خرجتُ وأنا أستغرب كيف يخرج رجل وقع في الحب، كيف ينجو من يكتب كلاماً يقول فيه إنه مغرم بغمازة مؤخرة بيضاء، ثم يعيش ليرى الخريف يتحوّل إلى شتاء والأربعاء إلى يوم وطني لبلد كولونيالي. كيف يستيقظ العشّاق المخذولون من تلاعب حبيباتهم، بدون أن يؤلمهم الاستيقاظ وحده والهواء وحده ورنين السهم الذي يصل المخادع بخدعته.

خرجتُ من الحب وأنا أستغرب كيف يخرج رجل وقع في الحب، كيف ينجو من يكتب كلاماً يقول فيه إنه مغرم بغمازة مؤخرة بيضاء، ثم يعيش ليرى الخريف يتحوّل إلى شتاء والأربعاء إلى يوم وطني لبلد كولونيالي... مجاز الأبدية في رصيف22

أرى أيامي السابقة وأبتسم

أرى أيامي القادمة وأبتسم

ويؤرقني أن لا أيام كافية، في أيامي، لأعبر كآبة الظهيرة.


وقعتُ في الحبِّ، واكتفيت

واليوم لا أستطيع إلا أن أضحك على صورة ذلك الرجل الأخرق

الذي رأيناه في محطة القطار، يتأنّق كأنه ذاهب لجنازة، ويحمل وردة حمراء

يقدمها بيأس، لرجل آخر، عيناه مشغولتان بالنساء اللواتي يعبرن بسرعة.

أترين؟

أنت امرأة عبرتْ بسرعة، تحت نظر رجل مِثْلِي لا يهتمّ كثيراً بالفلسفة.


عرفتُ رجالاً أغرموا من قبل، وقرأتُ عنهم، وربما كتبتُ مرة عن رجال يقعون في الحب كأنهم يقعون في فوّهة بركان خامد، يتململون من الحرارة الخانقة ومن الخدع التي توحي بالاحتراق.

عرفتُ مسبقاً من جاؤوا من بلاد ميتة وعبروا جحيماً مصنوعاً من أوراق مزوّرة، وصارت تهسّ أمامهم غيوم صغيرة وصاروا يعتصرون باستمرار أنهاراً غزيرة من عيونهم الجافّة، وينادون الحياة باسمها الأوسط: أيتها الحياة القاسية، يا أختنا الكسيحة.

عرفتُ رجالاً أغرموا من قبل، وقرأتُ عنهم، وربما كتبتُ مرة عن رجال يقعون في الحب كأنهم يقعون في فوّهة بركان خامد، يتململون من الحرارة الخانقة ومن الخدع التي توحي بالاحتراق.

وصاروا يسمّون الأشياء بأسماء فرنسية مترجمة بشكل سيء، ويهزّون رؤوساً نصف شائبة، ثم كفّوا عن الغرام فجأة، مثلي، وصاروا يتحجّجون بالمطر الخفيف وبالطقس السيء للابتعاد عن الحدائق والمتاحف الوطنية، ثم ذبلوا تحت شمس أوروبا التفهة، والتفتوا حولهم بدون أمل بالتوقف.

وظننت أني أستطيع أن أفعل مثلهم، أي أن أتوقف عن استخدام الأسماء الاعتيادية لوصف الألم، وأني إن استطعت إقناع من أحب بحبي، سنربح أياماً إضافية، وربما ستتوقف الوحدة عن بناء غرف إضافية في صدري وسيرجع الخريف بتفاحات ناضجة وتكفّ المواقع الإلكترونية عن تداول قصّة اللاجئ السوري الذي أحب منضدة خشبية ذات رائحة منفّرة.

لكني كنت واهماً، كما دوماً

وانزويت قربهم، أنادي الأشياء بأسمائها الاعتيادية وأتحسّر على كآبتي التي تقعي على ذيلها، قرب الباب.


وقعتُ في الحب واكتفيتُ، كأن ذلك مزماراً في يد صبي عابث.

هل تعرفين أحداً يُصلح "النظرة إلى الذات" في العطلة وفي وقت متأخر؟ هل تصغين لفيلسوف يبكي على الدرج لأن الوجود معطّل إلى هذا الحد؟... مجاز في رصيف22

في اليوم الذي تنتظرينني فيه

على ورق خريف يابس، أو قرب ملصقٍ لدعم حقوق المثليين

بجانب رجل دين كاثوليكي متحرّش أو رسام فرنسي من أصول شيعية

سيأتي آخر يشبهني

(ليس تماماً، لكنه يحمل نفس النظرة الكسيرة ونفس الرغبة باستخدام اللسان في التقبيل)

سيأتي ويرتبك قربك

ويقول جملة أو اثنتين مسروقتين من "سأم بودلير"

ستتأملين يديه وتقولين: كم تحمل من العناقات

وربما سيقنعك بالذهاب إلى غرفة باردة ورطبة

وتتعرين بسرعة كأن ثيابك تقرصك، في المطبخ الذي يحتاج لتنظيف عاجل، وعلى الطاولة ذات الأرجل الثلاثة

ثم تجدين في رائحته بعضاً من كآبة قديمة تركتِها لدي

وأنت ترفعين قدميك على الطاولة وتقولين: أنا يائسة منك

ثم تتحجّجين بالمشاعر الخفيفة التي تتطاير سريعاً كأنها كحول خفيف

وبالكيلوتات التي لا تمتلكين ثمنها، ثم ترتدين أحد كيلوتاتي نصف المبللة

لأن شمس أوروبا التفهة

قرّرت ألا تجفّف خوفك.


الحب يشبه بكاء الفلاسفة على الثلج

لا يترك أثراً عظيماً، لكنه يمزج الملح بالماء.

الحب بكاء فلاسفة فعلاً

لكنّك تكرهين تلك اللغة المتكلّفة للحب المترجم

وتفضلين بدلاً منها تقريراً يتحدّث عن كيفية التهرّب من شراء بطاقات المترو.


هل تجدين خطراً يدلّ على مروري في غرفتك الصغيرة؟

هل تستخدمين جواربي في مسح الأبدية السائلة بين فخذيك؟

هل تعرفين أحداً يُصلح "النظرة إلى الذات" في العطلة وفي وقت متأخر؟

هل تصغين لفيلسوف يبكي على الدرج لأن الوجود معطّل إلى هذا الحد؟


الحب هكذا، وحدة بلا انقطاع ودمار مجفّف تستطيعين أن تطبخيه إذا أردت، لكن لا يؤكل إلا بكلتا اليدين.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard