غائط الأب القائد والنسر النحاسي

السبت 22 يناير 202201:53 م

 النائم في هوى المنحدر


لا تزول سطوة السلطة التي ظللتنا منذ بدأنا نعي وجودنا؛ فها هوالرَّشْمُ الذي تركته ينفلت مخلفاً ألماً.

على ضفاف الفرات، وقبل أن يتسعَّر المصهر الخرافي بأشهر قليلة، أقسمت أنني سأنجو دون أن يلحقني أذى. كانت إعدادية السماوة قد تم نقلها إلى مبنى جديد في حي المعلمين، وأصبح دوامي يبدأ عند الظهيرة، في طريق العودة بين النخيل؛ حيث كانت لقاءاتنا الخاطفة المختلسة تتم، سألتني: متى نبت ذلك الخوف من الرجل؟ قلت: ليس منه، بل مما يمكن أن يصل إليه.

وحكيت لها: بدأ هذا من مشهد في سهرة بثّها تلفزيون بغداد، أذكر التاريخ بكل مفرداته، كانت التنويهات تبشر بعمل تاريخي، يتواكب مع الذكرى الـ 13 لـ "ردة تشرين"، لا تعرفينها؟ يوم 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، قام الرئيس عبد السلام عارف بانقلاب على البعثيين، شركائه في "ثورة" شباط (فبراير)، وقد صك البعثيون التعبير، بمحمولاته كافة، والدينية لا تخفى على أحد، وقتها لم أكن أعرف كل هذا، كنت جاهلاً تماماً، لم أتم ستة أشهر من حياتي البغدادية، فكمراهق انتقل من الإعدادية التجريبية في الفيوم إلى مدرسة الأرمن المتحدة، الواقعة قرب ساحة الطيران، على أطراف حديقة الأمة حيث نصب الحرية.

كان كل هذا بالنسبة لي طلاسم، لكن المشهد أفزعني، فمن المفترض أنه يتناول إلقاء القبض على الرفيقين: أحمد حسن البكر (الأب القائد وقت عرض السهرة، 1976)، وصدام حسين (السيد النائب)، وإيداعهما الزنزانة، وإذ ببقعتي ضوء تتحركان في الفراغ، وإذ بأصوات تصيح: ألقوا القبض على الرفيقين البكر وصدام، ثم تتحول الكاميرا عن بقعتي الضوء المتحركتين، إلى وجوه تمسك بقضبان زنزانة، وأحدهم يقول: يقول الرفيق البكر... لتنتقل الكاميرا إلى بقعتي الضوء وهما تتحركان، ثم تتحول الكاميرا إلى الوجوه التي تمسك بالقضبان، ليقول آخر: يقول الرفيق صدام... ويتكرر تحول الكاميرا إلى بقعتي الضوء المتحركتين.

فهل هناك فزع أكثر من هذا؟

بقعتا الضوء تتحركان في الفراغ، والأصوات تصيح: ألقوا القبض على الرفيقين البكر وصدام، ثم تتحول الكاميرا عن بقعتي الضوء المتحركتين، إلى وجوه تمسك بقضبان زنزانة... مجاز في رصيف22

هذه "الحيل" لا تستخدم إلا في الأفلام والتمثيليات الدينية العربية، كوسيلة لتجاوز "تحريم" ظهور الأنبياء، والشخصيات "المقدسة"، فزعي، وليس استغرابي، دفعني للسؤال، سؤال زملاء المدرسة وجيران السكن في حي البتاوين، ثم البحث في الكتب، وخلال سنتى الدراسة في بغداد (1976- 1978) كنت قد أصبحت على دراية كافية بوقائع كثيرة، وكان السيد النائب قد أمسى الأب القائد.

وافترقنا فلم يكن الوقت ليسمح بحديث آخر، ما جعلها تلعن الأب القائد الذي استنزف الوقت في حديث لا طائل منه.

موضوع إنشاء بعثي

مر الشهران الأولان من الشتاء بسلام، لكن في 8 شباط (فبراير) حدث ما اعتبرته أكثر فزعاً من مشهد "الردة"، وكنت عائداً من المدرسة بعد أن أخبرنا مدرس اللغة العربية أن على كل واحد منا أن يكتب موضوع إنشاء تحت عنوان "القيم القومية والديمقراطية في الإعلان القومي"، ونبهنا إلى أن القيم الديمقراطية تتمثل في سؤال الأب القائد، صدام حسين، لجماهير الشعب: هل توافقون؟

وما أن بدأت بالقول: تصوري الجنون، أي قيم؟ حتى قاطعتني مهددة: لن تراني مرة آخرى إذا أكملت هذا العبط الذي يملأ رأسك. ثم ابتسمت، أنت هو المجنون، قالت، وضحكت، ثم بدا على ملامحها خوف مفاجيء، وهي تقول: لا تظن أنه لكونك مصري لن يلحقك أذى إذا سمعك أحد تقول هذا الكلام، فأقسمت.

في غرفتي، حاولت دون جدوى أن أكتب موضوع الإنشاء المطلوب، فقمت إلى مكتبة أبي أبحث عن العون، ووجدته، فكتبت عن الديمقراطية المباشرة، كما عرفها الإغريق: إن الأب القائد، صدام حسين، وعلى الرغم من أنه يستند إلى مسؤوليته التاريخية تجاه الأمة العربية، فإنه بادر مبادرة تاريخية، إذ طرح على جموع الشعب العراقي المحتشدين طوعاً في ملعب الشعب مبادئ الإعلان القومي التي قررها مجلس قيادة الثورة، وكانت هذه الجموع عند حسن ظن قائدها التاريخي المُلهم، فأدركت بحسها القومي والوطني حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، وأعلنت بكل حرية، وتجرد، موافقتها على الإعلان.

كتبت في الواقع حوالي سبع صفحات على هذه الشاكلة التاريخية.

قرر مجلس قيادة الثورة ما يلي: تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة... مجاز في رصيف22

وجاءت مكافأة الأب القائد بعد نحو ثلاثة أشهر. فبينما كنت أتحضر للذهاب إلى المدرسة رن جرس الباب، وكنت أقرب إليه من أمي أو أخي الصغير، ففتحت لأجدها واقفة، باكية. وها هو السبب؛ وقد عرفت نصه بعدها ببضع سنوات:

استنادا الى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور، قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 7/5/1980 ما يلي:

1- تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة.

2- على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أُسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة (1) ما لم يقتنع بناء على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسمياً.

3- يتولى وزير الداخلية تنفيذ هذا القرار.

صدام حسين

رئيس مجلس قيادة الثورة

ترحيل جماعي

في الأسبوعين الذين أعقبا صدور القرار، جرى ترحيل عشرات الآلاف من العائلات العراقية إلى البلدان الواقعة على حدوده، كانوا يُشحنون في سيارات نقل البضائع، ولا يسمح لهم إلا بأخذ حقائبهم فقط. في الواقع لا يعرف أحد عدد المرحلين بدقة، انشغلت فترة بمحاولة الوقوف على حجم الجريمة، ثم اكتفيت بمن أعرفه جيداً، ففي مدينة صغيرة مثل "السماواة" عرفت شخصياً خمسة، من بينهم أول حب، وأعز صديق.

وكان كتمان شعوري صعباً، فحاولت الهرب لعجزي عن البوح لوالدي بسبب طلبي أن أعود إلى مصر، وكان جنوناً بالنسبة له أن أترك الدراسة قبل امتحان الشهادة الإعدادية (الثانوية العامة) بنحو شهر، فقلت احتمل حتى تُقبل في الجامعة وتذهب لبغداد وهناك تُدبر الفرار، أما ما لم يكن محتملاً فهو أن أرى؛ وأنا "الغريب"، أهل البلد يُطردون منها، كنت أحياناً أزدرد الزاد كـ "مغتصب" حين أتذكر أن زميلاً طُردت عائلته (هو وأمه وأخته) في حين لا يمكن لأي مخلوق أن يشك في عراقيتهم، إذ إن والده استشهد في حرب 1967 على الجبهة الأردنية، حيث كان مجنداً، ضمن القوات العراقية المحتشدة هناك.

لكني تخاذلت. جاءت العودة إلى بغداد بعد دوران المصهر الخرافي بخمسة أشهر، وكان العراق وإيران يلقمانه حديداً وبشراً، بحمية وحوش ضارية، وتجمدت مشاعري. ثم انخرطت في هزل محض.

ومر عام، وفي أواخر شتاء 1982، كنت نائماً، مجهداً من مشي ساعات وحيداً في الليل بين الوزيرية والسبع أبكار، حيث سكني الجامعي، فحلمت: كنت جالساً على الأرض ورجلاي ممدتان أمامي على استقامتهما، وكان يتحلق حولي في شبه دائرة، وأنا في مركزها، ومحيطها يبعد بضعة أمتار، رجال يلبسون أزياء عسكرية، وتقدم من بينهم شخص، تبينت ملامحه وهو يقف أمام قدمي مباشرة، فإذ هو الأب القائد، صدام حسين، ببسطاليه العسكريين، أطبق على قدمي ثم على ركبتي، ما جعله في إنحنائه بمحاذاة رأسي، ثم مد كفيه، ودون تفكير أردت صده، فإذ بي أتبين أن كفيّ مقيدتان إلى ظهري، وإذ هو يغرس إبهاميه في يافوخي، والأربعة من كل كف منغرسة في صدغي، وإذ رأسي ثمرة رمان، وإذ هو يفلقها نصفين، وتركهما ليستدير ولتصبح مؤخرته أمام عيني، ثم ترك بنطاله ولباسه ينزلين إلى ركبتيه ويتزحح خطوتين لتصبح مؤخرته العارية فوق فلقتي الرمانة، فيتمكن من التغوط براحته، ثم وهو في ذات الوضعية يمد كفيه لاحماً الفلقتين ليعود رأسي إلى ما ألفته، ويغادروا وهم يقولون: تذكر 666.

غائط الأب القائد

حاملا غائط الأب القائد في عقلي اتنقل في شوارع بغداد، ليلاً، أغلب النهار أقضيه في مقر اتحاد طلاب جمهورية مصر العربية في الوزيرية، مبنى مكون من طابقين وحديقة واسعة بها نخيل وأشجار برتقال وليمون، أذهب إلى كليتي نادراً، وأكثر ندرة زيارتي لأسرتي في "السماوة"، وحين لاحت تباشير الربيع شاركت في اجتماع الهيئة الإدراية للاتحاد، كوني عضواً بها، ومسؤولاً عن اللجنة الاجتماعية، وكان الموضوع الرئيسي: ما هي طبيعة مشاركتنا، أو الأصح، تميّزنا، في احتفال الطالب العربي، الذي يقام في أحد المتنزهات الكبرى، ويشارك فيها كل اتحادات وروابط الطلبة العرب الدارسون في بغداد، والذي يقام يوم 7 نيسان (أبريل) من كل عام، وهو ذكرى تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي؟

غرس الأب القائد إبهامه في يافوخي، ترك بنطاله ولباسه ينزل إلى ركبتيه ليتمكن من التغوّط براحته في راسي... مجاز في رصيف22

منصرفاً عن الحديث، نبهنا الزملاء على أن هذه مهمتي، ومسؤوليتي، فقلت: لنكتب وثيقة تأييد ومبايعة للرفيق صدام حسين، قائد القادسية الثانية، ولتكتب الوثيقة بدمائنا، تهلل الزملاء، وتقافز اثنان، شمّرا عن ساعديهما، وكل منهما يقول: أنا، هرول ثالث ليأتي بزميل فنان وخطاط، وأحضر رابع أوراقاً مقواة، وخلال دقائق، جلب الفنان الخطاط محقنة كبيرة وقصبة، وسحب كميات كبيرة من دماء الزميلين.

وكانت الوثيقة حدث الطلاب العرب الأبرز: عجيب غريب يا مصريين، من أين ينبع كل هذا الولع بالتقديس، وكدت أجيب، لكني خشيت افتضاح الكنز الذي أحمله في رأسي، وخشيت أكثر أن أذهب مع الزملاء الذين أتت سيارات الرئاسة لتنقلهم إلى الديوان، حيث نالوا شرف مصافحة المهيب الركن وتحيته لهم على روحهم القومية الوثابة، وقد عادوا بالساعة الذهبية التي تحمل صورة القائد، والصورة التي التقطت للمصافحة، خشيتي كانت من أن يسترد وديعته الغالية من رأسي.

"مكان مع الخنازير"

بعد عشر سنوات، وعند نهاية عرض اليوم الخامس لمسرحية "مكان مع الخنازير"، سألني واحد من الجمهور: حضرتك المخرج؟ قلت: لا، أنا مساعد المخرج، الأستاذ عبد الستار الخضري هناك، وأشرت إلى حيث كان يقف، فقال: لو تكرمت أريده لدقائق، قلت: حالما ينتهي من حديثه.

كان يمسك أوراقاً من بينها كتيب العرض، وعدد مجلة المسرح المنشور به نص المسرحية، قبل أشهر قليلة، فذهبت استعجل صديقي، وكان المشاهد يقلب في أوراقه، تقليب مدقق، وحين اقتربنا منه واصل التقليب، فبادره عبد الستار: أهلاً، هل أعجبك العرض؟

فرد: حضرتك الأستاذ عبد الستار الخضري المخرج، قال: نعم، قال: بابيون؟ قال: صح، قال: كما هو واضح المؤلف اسمه أثول فيجارد، وهو من جنوب أفريقيا، وأحداث المسرحية تدور في الاتحاد السوفيتي، هل معلوماتي صحيحة، قال: فعلاً! وتحرك المشاهد خطوات ونحن في إثره، إلى حيث كانت تمثل المسرحية تحت السلم، في فناء مسرح السامر المطل على نيل القاهرة، مواصلاً كلامه، بنبرة اظهرته استجواباً: فما الضرورة الفنية لغطاء رأس عسكري مثل الذي يرتديه أفراد الجيش المصري؟

بعد سنوات اكتشفت أنني حين نقلت نص قرار مجلس قيادة الثورة لم أدون رقمه، فقد كان: 666، فقلت: بمثل هذه المفارقات تظل السلطة تظلل وجودنا!... مجاز في رصيف22

والتقط من الأرض غطاء الرأس، وواصل: وإذا كان يمكن أن يتشابه مع ما يرتديه أفراد الجيش في بلدان عديدة، أفلا ترى أنه من الخطأ الفني أن يوضع النسر على غطاء الرأس العسكري هذا؟ وربَّتَ على النسر النحاسي، مرتين، وواصل: الذي يلقيه الجندي السوفيتي الفار من الجندية بافل ايفانوفيتش على الأرض، ويدوسه، ثم تدوسه الخنازير؟ أليس من الأفضل فنياً، أن تضع مكان النسر رمز العسكرية المصرية، بل شعار الجمهورية، نجمة خماسية حمراء، ووضع كفه الأيمن في جيب سترته العلوي، وأخرج شيئا، وأظهره لنا، قائلاً: مثل هذه؟ أتكلم عن المسائل الفنية، فهل قولي صواب.

ظللنا، لبضع ثوان، صامتين، كمن غاب عن الوعي، ولم ننتبه إلا على ضحكات المشاهد، وهو يقول: انتهى الأمر، انزع النسر يا بابيون، مبروك، عرض ممتع، وصافحنا وغادر.

666

على المقهى كان عبد الستار مكروباً وهو يسترجع الكلمات ويحللها، ويخمن الجهة الأمنية ويقدر العواقب، وكنت أحاول تخفيف وقع الأمر عليه، فحكيت له من أول "على ضفاف الفرات" حتى 666. وكان صامتا لا يقاطع أو يعلق، علي غير عادته، فشككت، وأنا أحكي، أنه لم يكن يصغي، لكني فور انتهائي، قال: إنها في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، الأصحاح الثالث عشر الآية الثامنة عشر: "هُنَا الْحِكْمَةُ! مَنْ لَهُ فَهْمٌ فَلْيَحْسُبْ عَدَدَ الْوَحْشِ، فَإِنَّهُ عَدَدُ إِنْسَانٍ، وَعَدَدُهُ: سِتُّمِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ"، هناك تفسيرات وخرافات ورهاب لا حصر لهم من الرقم، قلت: لكن ما معناه في الحلم، قال: وما معنى غائط الأب القائد في عقلك، أو في لاوعيك؟

بعد سنوات اكتشفت أنني حين نقلت نص قرار مجلس قيادة الثورة لم أدون رقمه، فقد كان: 666، فقلت: بمثل هذه المفارقات تظل السلطة تظلل وجودنا! وبت في شك من قدرتي على البرّ بقسمي، فلربما كان الأذى حادثاً، وإن لم أدركه جيداً. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard