جدران في المسرح العربي لابدّ من هدمها

الاثنين 17 يناير 202205:54 م

أن تحدث بعض اللقاءات مصادفة يأتي جمالها مضاعفاً. فكيف إذا أتى اللقاء ليقلّص المسافة بين الإنسان ومكانه، وبين الماضي والمستقبل؟ وإذا ما استعارت الزيارة بعض طقوسها من المسرح، ليس بهدم الجدار الرابع وحسب، بل بهدم ثلاثة منها تحيط بالخشبة مع الإبقاء على خلفية المشهد، فتكون الرحلة كتاب تاريخ مفتوحاً على آمال لا تقلّ عظمة عن أمجاد قد كانت، وما زالت فاعلة فينا.

للمسرح يوم عالمي يصادف في السابع والعشرين من شهر آذار/مارس، لكن مؤسسي الهيئة العربية للمسرح انتزعوا الاعتراف بيوم عربي للمسرح يحدّد في العاشر من شهر كانون الثاني/يناير من كل عام؛ هذا ما أخبرني به المؤلف والمخرج المسرحي الفلسطيني غنّام غنّام، العضو المؤسس في الهيئة (تأسست عام 2008)، لدى زيارتي للبناء الجميل الذي يضم مكاتبها وأحلامها ومشاريعها في إمارة الشارقة.

جاء التكريس لليوم العربي للمسرح بالأخذ بتوصية مؤتمر انعقد في دبي (19-20 كانون الثاني/ديسمبر 2021) على مستوى وزراء الثقافة العرب.

أتحدث عن الجدران وضرورة هدمها لأسباب تتعدّد؛ أوّلها يفرضه جو الرحلة ومعنى أن تكون في تفاعل حيّ مع الأمكنة وعوالمها، وليس افتراضيًّا، مروراً بأجواء اللقاء مع مسرحي يعرف تماماً كيف يمسرح الحكي ليشعر الزائر بأنّه ينتمي إلى البيت، وليس انتهاء بمصطلح وليد فرضته الظروف الصحيّة بانتشار جائحة كورونا على المسرح، وهو مصطلح "الجدار الخامس"، جدار الشاشة الزرقاء.

الاحتفاء بحركة المهرجانات المسرحيّة العربيّة يعدل فرحاً عودة الحياة إلى مجراها الاعتيادي في أن نكون مع الأشياء والأحداث عن قرب، بل مع ذواتنا

الاحتفاء بحركة المهرجانات المسرحيّة العربيّة يعدل فرحاً عودة الحياة إلى مجراها الاعتيادي في أن نكون مع الأشياء والأحداث عن قرب، بل مع ذواتنا.

يقول الأكاديمي والمسرحي اللبناني هشام زين الدين إنّ التحوّل في أسلوب التواصل بين المسرحي وجمهوره أحدث خللاً في مفهوم الفن المسرحي؛ ذلك في ظل إغلاق المسارح في الآونة الأخيرة، والاتجاه نحو التواصل الإلكتروني بديلاً مؤقتاً عن العروض المسرحيّة الحيّة.

ويرى زين الدين في عدم استمرار هذا الجدار الإلكتروني الخامس المستجدّ ضرورة، وقد بات حاضراً في الفن المسرحي وغيره من أدبياتنا وحواراتنا الافتراضيّة، ويشكّل خطراً على جماليات العرض المباشر، لجهة التلقّي والتفاعل الحسّيين.

حين علم بأنني في زيارة إلى الشارقة، نبّهني الصديق منصور تشتا (عضو ناشط في مهرجان مالمو للسينما العربية في السويد)، إلى لقاء غنّام صاحب المونودراما "سأموت في المنفى"، حيث كان الأداء بغير خشبة أو جدران، وليس من ممثل، لأنّ الحكاية والشخصية المؤدية هما معاً الحياة نفسها بناسها وتجاربها.

"الغربة وطن" قالها غنام في عمله "عائد إلى حيفا". عبارة تذكرتها حين أخبرني كيف كان لقاؤه لأول مرة بمنصور تشتا، الذي يحبّذ آنذاك إغلاق الأبواب للاحتجاب عن العالم في المخيمات، حيث لا أبواب، بل ما يماثل الستارة المثبتة بمسمارين، قد تكون بطانية أو شرشفاً ينزاح وينغلق تلقائياً مع حركتي الخروج والدخول. هي ستارة تشبه تماماً ستارة المسرح الكلاسيكي، لكن في المخيم تنفتح على وجوه أضناها تعب الانتظار، وتُغلق على جرعات أمل في العودة. من فكرة الباب والستارة بدأت علاقة الرجلين.

في يوم المسرح العربي في العاشر من يناير لهذا العام، ستكون الرسالة الملقاة للكاتب والمخرج المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، وقد أصدرت له الهيئة العربية للمسرح كتاب "الراوي-الممثل... على خشبة الحياة" ضمن سلسلة دراسات (رقم93)، وفق إعلان موقع "صوت العرب" للسينما والثقافة والفنون. يقول إنّ "رسالته ستحمل الأسئلة التي لا يخفى جوابها على أحد، لكن هناك من يريد طمس الأجوبة".

رفيق الذي قال عنه الناقد نزيه خاطر (1930-2014) إنّه ممثل حكواتي، يختصر العرض بشخصه؛ فهو مبتكر فكرته ومصمّم مشهديته ولسان لغته، وهو مؤدي شخصياته (ما اصطلح على تسميته بالمونودراما). ومن أعماله: "الجرس" و"المفتاح"، "جرصة" و"زواريب".

اليوم العربي للمسرح حمل على مدار السنوات الماضية رسائل عالمية المستوى، إنسانية المحتوى، وهو "يوم للتفكّر والتفكير، والتمعّن والتدبير"

من الأنشطة البارزة التي أطلقتها الهيئة مسابقة تأليف النص الموجه للطفل. وفي دورتها الرابعة عشرة لعام 2021، وتحت عنوان: "نصوص تشتبك مع التحولات الراهنة ثقافياً وفنياً واجتماعياً"، يعلن الأمين العام للهيئة اسماعيل عبد الله أنّ الهيئة تحرص على معايير تحكيم تضمن مخرجات نصيّة تليق بما يؤمل به للأجيال الصاعدة من ثقافة ومعرفة.

ويقول إن اليوم العربي للمسرح حمل على مدار السنوات الماضية رسائل عالمية المستوى، إنسانية المحتوى، وهو "يوم للتفكّر والتفكير، والتمعّن والتدبير". لا يقلّ عن المسابقة أهميّة، اعتماد استراتيجيّة تنمية وتطوير المسرح المدرسي بوصفه إطاراً عربياً مشتركاً.

عود على بدء في الارتحال؛ فمن الكلام على الكلام والفعاليات والأنشطة إلى الكلام على المكان: الشارقة. إمارة عربيّة تعلي من شأن المسرح والثقافة؛ فالأمر بادٍ للعيان بضمّها مسارح عديدة أبرزها: مسرح المجاز، والمسرح المفتوح في جزيرة العلم، والتحفة المعماريّة المحفورة في الجبل، أعني مدرّج خورفكان الساحليّة. سأتوقف بالحديث عن المدرّج المتّخذ الطابع الروماني لجهة فن العمارة، والطابع الإسلامي لجهة النقش والزخرفة.

عناصر جماليّة أربعة تجتمع في المكان: الطبيعة بملامسة الجبال شاطئ البحر، (وهو مشهد له نظيره في منطقة شكا شمال لبنان، مع فارق الاخضرار اللبناني)، ووجود جزيرة المرجان إزاء الشاطئ، وشلال اصطناعي مستحدث (ارتفاعه 45 متراً، وعرضه 11 متراً) قرب المدرّج.

والعناصر الأخرى تتمثل في الفن والثقافة والتاريخ. على أدراجه وفي ساحاته انطلق موسم "هلا خورفكان" الغنائي من أواخر تشرين الأول/أكتوبر من العام المنصرم ليستمر حتى آذار/مارس من هذا العام.

على رمال الشاطئ صادفت فناناً لا يستخدم لسانه ليتكلم، إنما أصابعه هي التي تنطق. كتب اسمه على لوحة بجانب عدة شغله قريباً من اسم "خورفكان" المشكّل في الرمل، يدعى محمود المغربي؛ لوحة تماثل فن الأداء. نستمتع بالمشاهدة الحيّة، نتفاعل مع المكوّنات، ننظر في عينيّ مبتكر العمل وندقّق أكثر في التماعة الفرح حين يشعر باستحساننا، وإن لم يُحفظ التشكيل الرملي، فلا بأس. هوذا التواصل الإنساني الحقيقي بين الفنان والمتلقّي، في الأثر الذي تتركه الفنون في النفس البشريّة، والعروض الحيّة على وجه مخصوص.

ماذا عن توثيق الجهود الفنيّة عامة؟ سؤال يطرحه غنّام بوصفه مشكلة المسرحيين؛ الأمر الذي تواجهه الهيئة العربية للمسرح في جمعها أعمالهم لتكوين خزانة المسرح العربي انطلاقاً من ذاكرة كل بلد، فضلاً عن مشكلة حقوق الملكية الفكرية مع الورثة.

ستتبعثر الرمال يوماً ما، ويذهب الاسم المشكّل منها، ونظنّ أن جهود الفنّان قد تلاشت، أو قل "ذهبت مع الريح". لكنّ فاعليّة جماليات العمل هي الأبقى، وهنا تكمن وظيفة الفن. هذا أنا من شكّل اسم خورفكان على الرمل، قالها المغربي بعينيه وإشاراته كأنما هو ممثل إيمائي، ورمال الشاطئ المشرّعة على المدى والجمال والأمل مسرحُه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard