هل دخول الجنة مرهون بتشييد مسجد وإهمال مستشفى أو مدرسة؟

الجمعة 14 يناير 202205:12 م

لا يكاد يمضي يوم واحد من دون أن يتم افتتاح مسجد، أو كنيسة جديدين، فيما تشكو في المقابل الكثير من المرافق الحيوية، من مدارس ومستشفيات إلى الله حالها، بعد أن صار الضغط عليها من قبل المنتفعين بخدماتها أكبر بكثير من قدرتها على الاحتمال، وهو ما يفسر الكثير من القصور الذي يعتري أداءها.

لا أحد يمكن أن يعترض من أجل المعارضة على بناء دار جديدة للعبادة، فحرية ممارسة الشعائر في بلادنا مكفولة، لكن الأمر يتطلب في الوقت نفسه، لحظةً واحدةً نقف فيها أمام المرآة، لنصارح أنفسنا بأخطاء منهجية نقترفها بأيدينا، وندفع ثمنها فادحاً من أرواح بعض أهلنا بين الحين والآخر، ومن مستوى تعليم طلابنا الذي يشهد تراجعاً مستمراً.

لماذا يعتقد بعض المقتدرين أنهم لن يدخلوا الجنة، إلا إذا شيّدوا مسجداً، فيما يهملون بالكامل أمر المدارس الحكومية التي لا يجد التلاميذ في البعض منها مقاعد للجلوس عليها، أو المستشفيات الحكومية التي قد يدفع المرء حياته ثمناً لعدم العثور على سرير داخل غرفة العناية المركزة فيها؟

فور أن يتم إطلاق أي حملة تبرّع لإنشاء مسجد، يكون العطاء سخياً، ويتبارى الأثرياء والفقراء في المسارعة إلى الخيرات، حرصاً على الثواب، وليس في ذلك أي نوع من الغضاضة أبداً، ولكن الذي يبدو مستغرباً أن رد الفعل نفسه لا يتكرر عندما يتعلق الأمر بالمرافق الحيوية التي تصبّ في صالح البلاد والعباد، كالمدارس والمستشفيات والحضانات.

لماذا يعتقد بعض المقتدرين أنهم لن يدخلوا الجنة، إلا إذا شيّدوا مسجداً، فيما يهملون بالكامل أمر المدارس الحكومية التي لا يجد التلاميذ في البعض منها مقاعد للجلوس عليها، أو المستشفيات الحكومية التي قد يدفع المرء حياته ثمناً لعدم العثور على سرير داخل غرفة العناية المركزة فيها؟

قوائم انتظار

الحقيقة أنه عندما يتحول الإيمان إلى نوع من التباهي ببناء مسجد، أو تحمّل تكاليف تشييد كنيسة، فإن الكثير من القيم الروحية السامية التي تدعو إليها الأديان السماوية السمحة، تصبح بعيدةً عن أرض الواقع، وعلى من يقعون في هذا الخطأ أن يعلموا أن المؤمنين كما هم مأمورون بأن يداوموا على العبادات، فإنهم مطالبون بالتكافل، وأن يمدّ الغني فيهم يد المساعدة إلى التلميذ الفقير حتى يتعلم، وإلى المريض غير القادر حتى يعالَج في مستشفى حكومي.

أحسب أن الحقيقة المرّة التي يدفن البعض رؤوسهم في الرمال عندها، رافضين الاعتراف بها، أنه في الوقت الذي تكاد تخلو فيه الكثير من المساجد والكنائس من المصلّين في أغلب الأحيان، فإن هناك تلاميذ يُحرَمون من أبسط حقوقهم في التعليم في المدارس الحكومية، ومعدمين يفقدون حياتهم في ظل قوائم انتظار طويلة لا يخلو منها مستشفى حكومي، لإجراء عملية جراحية.

ليست هذه دعوة للتوقف عن بناء المساجد والكنائس، وإنما طرح عقلاني بأن يخضع الأمر للدراسة، سواء أتمّ بالتبرعات الأهلية، أو بواسطة أجهزة الدولة المختصة، فالقرية أو المدينة التي تضيق فيها المساجد أو الكنائس بالمصلّين، يجب على الفور الشروع في إقامة أخرى جديدة لحل المشكلة، ولكن في المقابل، يجب أن يتم في الأماكن التي تضم عدداً كبيراً من دور العبادة، توجيه تبرعات الأهالي وجهود الدولة إلى ما ينفع الناس، عبر بناء المزيد من المدارس والمستشفيات والحضانات للأطفال.

لماذا يتوهّم البعض أن ثواب بناء فصل دراسي، أو تزويد مستشفى حكومي بأجهزة طبية يحتاج إليها، أقل من ذلك الذي يحصلون عليه عندما يهبّون للتبرع لإقامة مسجد أو كنيسة جديدة؟ لقد عظّم الإسلام من قيمة الحفاظ على حياة الآخرين، فالقرآن الكريم يقول: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً".

أموال طائلة

هل ينام قرير العين من تبرع لتشييد مسجد جديد، وهو يعلم أن هناك أطفالاً رضّعاً قد يفارقون الحياة بعد ساعات قليلة من ولادتهم، لأن ذويهم لم يتمكنوا من الحصول على مكان لهم في واحدة من حضانات المستشفيات الحكومية، لرعاية من يولدون غير مكتملي النمو؟

ولماذا أيضاً يسرف البعض في تشطيب المساجد، وإنفاق أموال طائلة على جعلها تبدو أكثر فخامةً، ويتناسون أن الأصل في أماكن العبادة هو أن تتحلى بالبساطة، حتى لا تشتّت انتباه المصلّين؟ أليس من الأفضل أن توجَّه الملايين التي تذهب فى هذا الصدد، صوب ما ينفع الناس في تعليمهم وصحتهم؟

الأرقام في هذا السياق تكشف حجم المفارقة المريرة، ففي مقابل 140 ألف مسجد في مصر، من بينها 100 ألف مسجد جامع قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من المصلين، لا يتجاوز عدد المدارس الحكومية 48 ألف مدرسة مخصصة لنحو 21 مليون طالب.

هل ينام قرير العين من تبرع لتشييد مسجد جديد، وهو يعلم أن هناك أطفالاً رضّعاً قد يفارقون الحياة بعد ساعات قليلة من ولادتهم، لأن ذويهم لم يتمكنوا من الحصول على مكان لهم في واحدة من حضانات المستشفيات الحكومية، لرعاية من يولدون غير مكتملي النمو؟

تبدو فداحة الكارثة بصورة أكثر جلاءً في القطاع الطبي، حيث لا يزيد عدد المستشفيات الحكومية عن 691 مستشفىً، تضم نحو 95 ألف سرير، ما يعني أن قدرتها الاستيعابية لا تزيد عن هذا العدد الزهيد في أي حال من الأحوال، وأن بقية المرضى من غير القادرين، عليهم الانتظار، وأقصى طموحات ذويهم أن يفوزوا يوماً بسرير داخل مستشفى، قبل أن يداهمهم الأجل المحتوم.

أحسب أن مراجعةً سريعةً للمشهد برمته، باتت فريضةً ملِحّةً قبل أن تشهد الأيام المقبلة تسرب أجيال جديدة من التلاميذ من المدارس الحكومية التي تجاوزت الكثافة داخل الفصل الواحد فيها المئة تلميذ، إلى الشوارع، وقبل أن يذهب مرضى جدد للقاء ربهم شاكين ظلم العباد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard