من انتخب الشيخ أسامة الرفاعي؟

الجمعة 26 نوفمبر 202110:20 ص

خلال ثلاثة شهور، أثار المجلس الإسلامي السوري الجدل مرتين؛ في المرة الأولى خلال شهر آب/ أغسطس الماضي، عندما هاجم الشيخ أسامة الرفاعي منظمات مجتمع مدني تعمل في مناطق الشمال السوري الخارجة عن سيطرة النظام، محذراً من نساء يعملن في هذه المنظمات، مكلفات "بنشر الفساد بين النساء المسلمات، بتوجيهٍ من منظماتهن الكافرة"، حسب نص الخطبة التي ألقاها الرفاعي في مدينة إعزاز، في ريف محافظة حلب، والمرة الثانية عندما أعلن المجلس عن "انتخاب" أسامة الرفاعي "مفتياً" لسوريا، بعدما أصدر بشار الأسد مرسوماً بعزل أحمد حسون، المفتي السابق، ونقل صلاحياته إلى المجلس الفقهي التابع لوزارة الأوقاف.

علينا أن نتوقف عند العديد من النقاط في"انتخاب" الرفاعي؛ أولاً، من انتخبه؟ المجلس انتخبه! حسناً من أعطى الصلاحيات للمجلس للانتخاب أصلاً، وهو ليس جهةً رسمية؟ ومن انتخب المجلس لينتخب الرفاعي؟ لا أحد!

"علماء دين" اجتمعوا في مدينة إسطنبول التركية، في العام 2014، وأعلنوا عن ولادة المجلس، في حالة تتشابه حد التطابق مع حالات المؤسسات السياسية للمعارضة السورية، والتي تدّعي بدورها أنها تمثّل السوريين "بشكل شرعي"، ويتبادل أعضاؤها السلطة في ما بينهم، وهم ينتظرون أوامر الداعمين.

كيف نستطيع التصديق أن الرفاعي ومجلسه، الذي أصدر فتاوى عن تحريم التداول بالعملات الرقمية، والوساطة الإلكترونية، وهاجم النسويات، ولم يتحدث عن معاناة السوريين إلا في حال كانت معاناتهم تتصل بإيران (كما تهجير أهل درعا)، يمكن أن يكون مفتياً للسوريين كلهم؟

النقطة التالية التي يجب التوقف عندها، هي أن منصب المفتي يمثّل السوريين المسلمين، السنّة منهم فحسب، إذ إن الاختلافات الجوهرية بين السنّة، والشيعة، والعلويين، والإسماعيليين، وغيرهم من الطوائف الدينية المنتمية إلى الدين الإسلامي، لا تعطي لأي مفتٍ القدرة على منح فتوى عامة، إلا في أمور عامة تتعلق بالدين الإسلامي، موجودة في الطوائف كلها، وعلى هذا الأساس يجب أن يكون المفتي مفتياً للسوريين "المسلمين" كلهم، حصراً، وهذا ما لا يمكن أصلاً، لأن السوريين أنفسهم يملكون من أسباب الانقسام، وأدواته، الكثير، حتى أن السنّة أنفسهم منقسمون بفعل السياسة.

النقطة الثالثة: جاءت خطوة "المجلس الإسلامي" بسبب التخوفات من تحركات الأسد، والمجلس الفقهي التابع لوزارة الأوقاف في حكومة النظام السوري، لأن المجلس الفقهي يضم مختلف الطوائف الدينية الإسلامية، وتالياً فهناك اتهامات بتدخلات إيرانية واسعة فيه، ليتحول، حسب الاتهامات، إلى مجلس إيراني، يتبع لإيران ولو كان بطريقة غير مباشرة. إذاً، في المضمون هي خطوة ضد إيران والأسد. لكن هل يملك المجلس الإسلامي استقلاليته أصلاً؟ وكيف يمكن للسوريين ألا يصدّقوا أنه، كما الائتلاف وغيره من المؤسسات، ينتظر أوامره، ويتحرك وفق الدول الداعمة له؟ ما الفرق إذاً؟ الخوف من تشييع سوريا؟ هل تعلم يا عزيزي عدد السنّة المؤيدين للأسد ممن لم يحرّكوا ساكناً، والبراميل تنهال على رؤوس المدنيين؟

خطوة الرفاعي لا تنفصل عن خطوات المعارضة السورية وتوجهاتها كلها، والأساليب والأهداف نفسها.

المجلس غير المنتخب، الذي لا يملك أصلاً أي صلاحية قانونية، قادر على مهاجمة النسويات السوريات، والمجتمع المدني، لكنه غير قادر على اتخاذ موقف واضح من عمليات ترحيل اللاجئين السوريين في تركيا، إذ أثنى في بيانٍ، على التسهيلات التي تقدّمها تركيا، متناسياً مئات المشكلات التي يواجهها السوريون، ومتى؟ في أثناء حملات حكومية ضد السوريين (ولست هنا في صدد الحديث عن عمليات الترحيل، وأسبابها، وقانونيتها). اللافت في الأمر، أن بيان المجلس في تلك الفترة، جاء مشابهاً لبيان الائتلاف السوري. التشابه هنا ليس صدفةً، بل هو نتيجة أن الأوامر تأتي من طرف واحد!

فكيف نستطيع التصديق أن الرفاعي ومجلسه، الذي أصدر فتاوى عن تحريم التداول بالعملات الرقمية، والوساطة الإلكترونية، وهاجم النسويات، ولم يتحدث عن معاناة السوريين إلا في حال كانت معاناتهم تتصل بإيران (كما تهجير أهل درعا)، يمكن أن يكون مفتياً للسوريين كلهم؟ وكيف نستطيع أن نصدق الرفاعي، وفتاواه، وهو لم يهاجم جبهة النصرة، أو هيئة تحرير الشام، كما عُرفت لاحقاً، على الرغم من أن المجلس يقول عبر موقعه الإلكتروني، إنه "جهة وسطية"، وهو ما لا يتفق نهائياً مع "منهج تحرير الشام"، ولا مع "داعش"، وغيرها من التنظيمات؟ أما كان من الأجدى بدلاً من مهاجمة النسويات، أن يهاجم النصرة، وهي لا تبعد عن مكان إلقاء خطبته سوى بضعة كيلومترات؟

المجلس، والرفاعي الذي أضحى مفتياً عاماً لسوريا، "يريدان الحفاظ على هوية المجتمع السوري، ومسار ثورته"، وفق الموقع الرسمي. لكن، من حدد هوية المجتمع السوري الذي يضمّ عشرات الطوائف، والإثنيات، والأعراق، والتوجهات الليبرالية، واليسارية، إلى جانب شريحة من المجتمع المحافظ، كما أن هناك ملحدين، ولا دينيين، وتوجهات كثيرة أخرى أيضاً؟

خطوة الرفاعي لا تنفصل عن خطوات المعارضة السورية وتوجهاتها كلها، والأساليب والأهداف نفسها. لا أصدّق، وكثيرون غيري، أن مجلساً يضم السلفيين، والإخوان المسلمين، وغيرهم، يمكن أن يكون للسوريين كلهم. هذا الأمر منافٍ للمنطق، والهدف كما في كل مرة، صبغ سوريا بهوية واحدة، كما صبغها البعث من قبلهم على مدار خمسين عاماً. الفارق أن البعث ادّعى القومية، وهؤلاء ادّعوا أن سوريا إسلامية، وكذلك ثورتها، وهو أمر لم يكن يوماً صحيحاً، ولن يكون بطبيعة الحال.

من حدد هوية المجتمع السوري الذي يضمّ عشرات الطوائف، والإثنيات، والأعراق، والتوجهات الليبرالية، واليسارية، إلى جانب شريحة من المجتمع المحافظ، كما أن هناك ملحدين، ولا دينيين، وتوجهات كثيرة أخرى أيضاً؟

أما إذا كان السؤال: من أين سيأتي السوري بالفتاوى اللازمة لمعرفة دينه؟ فهناك عشرات الجهات الرسمية التي يمكن اللجوء إليها، وإن كنت شخصياً لا أنصح بالأزهر الذي رفض تكفير داعش، ولديه من إثارة الجدل الكثير. هنا حالة أخرى يجد فيها المجلس من يشبهه، وربما المؤسسات الدينية تتشابه هكذا دائماً، والنتيجة هي نفسها. لذا، ربما على المجلس أن ينضم إلى الأزهر في مصر، أو أن يعلن نفسه "إخوانياً" بشكل كامل. فليفعل ما يشاء، لكن لا يمكن أن يكون رئيسه مفتياً عاماً للسوريين، سنّة كانوا، أم غير ذلك، لأنه ليس مستقلاً أصلاً، على الأقل من وجهة نظري الشخصية التي تمثلني أنا فحسب! وليس مطلوباً منها أن تمثل السوريين أساساً!

نقطة أخيرة أنهي فيها مقالي بطلبٍ واحد: ألقوا نظرة على الموقع الرسمي للمجلس، واقرأوا فتاواه، وبياناته، التي تعكس طريقة تفكير أعضائه، وتوجهاتهم، والتي لا تدلّ إلا على الحلم بسوريا إسلامية لا تشبه سواهم، ثم فكّروا هل هذه هي سوريا التي نريد؟ وهل هذا المجلس يمثّل السوريين، ويمكن له أن "ينتخب مفتياً عاماً"؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard