"لم نرَ رعباً كهذا"... أخبار من محاكمة ضابطي المخابرات السوريين وحديث مع وفا مصطفى

الخميس 4 فبراير 202101:31 م

تستمر في العام 2021 جلسات محكمة كوبلنز الإقليمية العليا في ألمانيا، لمحاكمة ضابطي المخابرات السوريين السابقين، أنور رسلان وإياد الغريب، بتهم ارتكابهما جرائم ضد الإنسانية، في القضية التي تُعرف بقضية "الخطيب" أو "الفرع 251".

وفي تفاصيل وقائع جلسات المحكمة، بدأ اليوم 56 من المحاكمة، في 14 كانون الثاني/يناير 2021، بقراءة مقاطع إضافية من تقرير منظمة "هيومان رايتس ووتش" بعنوان We’ve never seen such horror أو "لم نرَ رعباً كهذا"، عن تعذيب المعتقلين في سوريا والاعتقالات المنظمة والإخفاء القسري، بالإضافة الى الإعدامات والقبور الجماعية.

 وفقاً لـ ECCHR، المنظمة الأوروبية للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أدلى رئيس المحققين في الشرطة الجنائية الألمانية بشهادته أمام المحكمة، حيث قال الشاهد بأنه قد اطّلع على هاتف إياد الغريب المحمول، وكان فيه أربع صور قام بعرضها أمام المحكمة، هي دفتر العائلة الخاص بإياد الغريب، بالإضافة إلى ترجمة له الى الألمانية ووجهي بطاقة الهوية. في بطاقة الهوية مدوّن أن إياد الغريب هو موظف في المخابرات السورية العامة في الفرع 251.

قاععة المحكمة رقم 120 في مبنى محكمة كوبلنز الإقليمية العليا

بعدها، قرأت المحكمة رسالة مترجمة كتبها الغريب بيده، كرد فعل على الدلائل من صور قيصر، وفيها يصف إياد الغريب مشاعر الألم والحزن تجاه الضحايا وذويهم. كما أكد أنه يحترم عمل المحقق والطبيب الشرعي ماركوس روتشيلد، وادعى أيضاً أنه لا يستطيع فهم كيف حصلت هذه الأمور، ونفى علمه بوجود الصور. وأضاف الغريب أنه يفتقد أقرباء له، وهم معتقلون أو مخطوفون وهو الآن يدين النظام السوري.

تستمر في العام 2021 جلسات محكمة كوبلنز الإقليمية العليا في ألمانيا، لمحاكمة ضابطي المخابرات السوريين السابقين، أنور رسلان وإياد الغريب، بتهم ارتكابهما جرائم ضد الإنسانية، في القضية التي تُعرف بقضية "الخطيب" أو "الفرع 251

الحكم على إياد الغريب سيصدر قريباً

أما في جلسة 27 كانون الثاني/يناير، فقد انتقلت الجلسات الى قاعة المحكمة 120، المعاد ترميمها حديثاً في مبنى محكمة كوبلنز الإقليمية العليا. وفي هذا اليوم، أعلن القاضي الرئيس في المحكمة، أنه اعتباراً من تاريخ 17 شباط/فبراير من العام الجاري، سوف يتم فصل محاكمة أنور رسلان عن محاكمة إياد الغريب، وأن المحكمة ستعقد حصراً لقضية إياد الغريب في 17 و18 شباط/ فبراير الحالي. في 17 سيتم الانتهاء من سماع الشهادات وعرض الأدلة، وسيقدم مكتب المدعي العام الألماني بيانه الختامي، أما المرافعة والبيان الختامي للمتهم فسيخصص لهما يوم 18 شباط/فبراير.

ويقول محام ألماني مشارك في القضية لرصيف22، إنه من المتوقع أن يصدر الحكم على إياد الغريب في 24 شباط /فبراير 2021. في هذه الأثناء ستُلغى جلسات محاكمة أنور رسلان، على أن تعاود المحكمة عقد جلساتها لمحاكمته في 10 آذار/مارس 2021.

وفا مصطفى: عايش ورح يطلع 

عُرفت الناشطة السورية لحقوق الإنسان، وفا مصطفى، بجلوسها خارج المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنز الألمانية، في معرض صور أقامته مع ابتداء جلسات المحكمة في ربيع عام 2020. 

وفا مصطفى، 30 عاماً، سورية مقيمة في برلين، درست الفنون وعلم الجماليات، وتعمل حالياً في حملات المناصرة لقضايا المعتقلين والمخفيين وترحيل اللاجئين من ألمانيا.

غادرت وفا سوريا مع أمها وأختها في 9 تموز/يوليو 2013 إلى تركيا، وذلك بعد أسبوع على اعتقال والدها، علي مصطفى، في دمشق. مكثت وفا في تركيا ثلاث سنوات قبل مجيئها الى ألمانيا في 29 آذار/مارس 2016.

المصدر: Families for freedom

تقول وفا مصطفى لرصيف22: "كنت مقيمة في الشام، ولكني أساساً من منطقة مصياف بالقرب من حماه. أبي اعتقل من بيتنا في دمشق في 2 تموز/يوليو 2013، فهو كان قد انتقل من مصياف الى الشام وعاش معنا، أنا وأختي، فيما بقيت أمي وأختي الأصغر في مصياف، وذلك بسبب الملاحقات الأمنية له كناشط سياسي ومعارض معروف. وكان قد اعتقل سابقاً في مصياف، من قبل فرع أمن الدولة في حماه، بتهمة دعم الإرهابيين".

وتكمل وفا موضحةً: "لاحقاً تبين أن التهمة هي بسبب مساهمته بتقديم مساعدات لأهل حماه الذين نزحوا لمصياف بعد اجتياح مدينتهم. لكن عند هذا الاعتقال لمدة شهر، كنا نعرف أين هو وبماذا هو متهم!".

يقول محام ألماني مشارك في القضية لرصيف22، إنه من المتوقع أن يصدر الحكم على إياد الغريب في 24 شباط /فبراير 2021

عن ظروف اعتقال والدها، تقول وفا مصطفى لرصيف22 بأن والدها انتقل إلى الشام، وقد سافرت أمها لزيارته هناك. قبل ربع ساعة من وصولها هاتفته، وقال والدها لها أنه قد نظف البيت وهو ينتظرها.

وتضيف وفا: "وصلت أمي بعد ربع ساعة وهي تحمل أكياساً كثيرة. اتصلتْ به ولم يردّ. لم تصعد الدرج وقالت لها الجارة في الطابق الأول: هل تنتظرين زوجك؟ لقد جاءت مجموعة من الأشخاص المسلحين وصعدوا إلى شقتكم وأنا سمعت أصوات تكسير، وبعدها نزلوا وأخذوا زوجك معهم، وشخص آخر أيضاً".

تقول وفا إنه تبين لاحقاً أن هذا الشخص كان أحد أصدقاء والدها، ويدعى حسام الظفري، وللأسف، تم إخبار عائلته بعد سنة أنه مات أثناء اعتقاله.  

 وتزيد موضحة لرصيف22: "لكن لم نعرف شيئاً عن أبي منذ ذلك اليوم. استنتجنا أنهم اعتقلوا صديقه في الخارج، وأحضروه معهم واعتقلوا أبي. من الواضح أن الكمين كان منصوباً لهما معاً".

صعدت أمها مع عمتها إلى البيت ووجدوا كل شيء محطماً. كانوا يفتشون بشكل هستيري عن أي شيء، بحسب وفا مصطفى. في مصياف، وفور علمهما بخبر اعتقال والدهما، ذهبت هي وأختها واختبأتا في مكان آمن في حماه: "لأننا كنا قد اتفقنا مسبقاً، أنا وأبي، أنه في حال اعتقل علينا أن نخرج من البلد. لأنه في سوريا، غالباً عندما يتم اعتقال أحد الرجال، يعتقلون النساء من عائلته للضغط عليه".

اختبأتا لمدة أسبوع، وانتظرتا لتأتي أمهما وخرجوا من البلد تهريباً. 

تؤكد وفا لرصيف22: "أنا في داخلي مؤمنة أنه ما زال حيّاً لعدة أسباب، ليس فقط لأن هذا إحساسي، ورغم أنني أعرف أنهم يتركون العائلات لسنوات بدون أي خبر، فقط لتدميرهم نفسياً. أتصرّف كل يوم على أنه عايش ورح يطلع". 

"صحيح أن المحاكمة هي للنظام، ولكن هدفنا أن نقول إن الاعتقال والإخفاء القسري يستخدمه كل الأطراف إلى اليوم في سوريا، بنفس الطريقة، لترهيب المدنيين"

يستحق المعتقلون أن يشهدوا على أحداث المحكمة

كانت وفا تتابع تفاصيل قضية أنور رسلان وإياد الخطيب منذ البداية، عندما ابتدأت القضية بشكوى أمام السلطات الألمانية، وقبل قبول الدعوى أمام القضاء الألماني وابتداء جلسات المحاكمة في كوبلنز.

لذلك عندما عرفت وفا أن جلسات المحاكمة ستبدأ في 23 نيسان/أبريل الماضي، قرّرت أن تأخذ صورة والدها الى أمام المحكمة في عيد ميلاده الواقع في 5 أيار/مايو. لم تكن هناك جلسة في هذا التاريخ بالذات، لكنهم جلسوا أمام المحكمة ثلاث مرات، يومين في كل مرة تقريباً.

حدث ذلك بعد تخرّج وفا من الجامعة وتقول: "ذلك لأنني تمنيت أن يكون أبي موجوداً ليشهد لحظة تخرّجي"، وأيضاً لأنها تعتبر أن والدها والناس المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات مثله، هم أكثر ناس يستحقون أن يشهدوا لحظة ابتداء المحاكمة. وبما أنهم غير موجودين، اقترحتْ وفا على "عائلات من أجل الحرية" أن يأخذوا صور الناس التي لديهم.

أول مرة كانت هناك 61 صورة، ثاني مرة 121 صورة. هذه صور ناس، بينهم معتقلات ومعتقلون ومخفيون قسراً، وهناك مختطفون ومختطفات عند النظام وداعش والنصرة وجيش الإسلام أيضاً. 

Thomas Lohnes/AFP/Getty Image

تضيف وفا لرصيف22: "صحيح أن المحاكمة هي للنظام، ولكن هدفنا أن نقول إن الاعتقال والإخفاء القسري يستخدمه كل الأطراف إلى اليوم في سوريا، بنفس الطريقة، لترهيب المدنيين. ضمن هؤلاء الأشخاص الذين عرضنا صورهم للأسف، هناك ناس مصيرهم مجهول، وهناك أناس بُلّغَ أهاليهم بأنهم قتلوا تحت التعذيب". 

هكذا خططت وفا مصطفى للذهاب والجلوس أمام المحكمة وعرض كل هذه الصور، كي تقول للعالم إن ما يحدث داخل المحكمة هو مهم جداً، وهو خطوة أساسية أولى على طريق العدالة الطويل جداً. وهذه الخطوة لا تختصر العدالة للسوريين والسوريات ولا لسوريا، لكنها الخطوة الأولى، وهي خطوة جيدة برأيها. 

تضيف وفا: "هي أيضاً لحظة تاريخية لنقول إن الوقت لم يتأخر لإنقاذ الأشخاص في المعتقلات والسجون عند كل الأطراف. دائماً أكرر أنني لا أريد أن أنتظر أبي ليُقتل تحت التعذيب، أو ليموت بكورونا في السجن، وبعدين طالب بحقه بمحكمة بأوروبا".

برأي وفا، من الأجدى أن تكون هناك اليوم محاولة جدية من المجتمع الدولي ليتمّ إنقاذ كل الناس في كل السجون بسوريا.

 أول مرتين، ذهبت وفا وجلست أمام المحكمة لوحدها، وفي ثالث مرة رافقتها عدة نساء من خارج الحركة أيضاً (عائلات من أجل الحرية) وانضمت نساء من عائلات المعتقلين.

وفا مصطفى لرصيف22: "أنا أؤمن أننا موجودون فقط عندما يتم تذكرنا. ولذلك أحكي عن أبي للناس كل يوم. إنها طريقة مقاومة. هم يحاربوننا بالاعتقال كي يجبرونا على النسيان، وأنا أحارب بذاكرتي وأقول لهم: لن أنسى"

توسيع شبكة التضامن 

من منظورها الشخصي، هذا المشهد الذي عملته خارج المحكمة من خلال الصور، قد أنْسنَ اللحظة، لأن الناس الذين تكلمت معهم في الشارع سمعوا بصور قيصر، وبذلك البلد الذي يدعى سوريا وفيه تعذيب ومعتقلين. فالمارة، على حد تعبير وفا مصطفى، كانوا يصدمون بالصور. عندما كانوا يسألونهم من هم هؤلاء الأشخاص كانوا يشرحون لهم أن هذه صور أشخاص مجهولي المصير، من غير المعروف إن كانوا أحياء أو أموات، ومنهم أطفال ونساء. كان الناس يتأثرون ويسألون ماذا يحدث هنا؟ فكانوا يقولون لهم هنا تجري محاكمة. 

 هذا المعرض، بحسب وفا، وسّع شبكة التضامن بين عائلات المعتقلين والمختطفين والمغيبين، ليس فقط في ألمانيا، بل داخل سوريا أيضاً. ففي البداية لم يكن الجميع في سوريا يعرف ماذا يحصل في محكمة كوبلنز، لكن عندما شاهدوا صور أولادهم أحسوا برابط.

وتضيف وفا: "طبعاً من خلال عرض الصور تمكنتُ من إيصال قصة والدي، علي مصطفى، إلى العالم، وبسبب الجلوس أمام المحكمة تمت دعوتي للكلام أمام مجلس الأمن، عندما كان برئاسة ألمانيا في تموز/يوليو 2020".

ترى وفا أن محكمة كوبلنز هي من أهم اللحظات فيما تحاول فعله، وتضيف: "من الواضح بالنسبة لي أن ما بعد كوبلنز، على مستوى الإعلام والناس والتضامن، مختلف كثيراً عما قبل كوبلنز.

ولو لم يكن أبي معتقلاً، لكنت ناضلت لأجل القضية هذه نفسها، ربما بطريقة مختلفة. لكن طبعاً جزءاً كبيراً مما أفعله اليوم بسبب أبي ولأجله".

تختم وفا حديثها: "أنا أؤمن أننا موجودون فقط عندما يتم تذكرنا. ولذلك أحكي عن أبي للناس كل يوم. إنها طريقة مقاومة. هم يحاربوننا بالاعتقال كي يجبرونا على النسيان، وأنا أحارب بذاكرتي وأقول لهم: لن أنسى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard