الدرون الأمريكية في سوريا... عائلة قسّوم تتحدث عن الموت القادم من السماء

الخميس 13 يناير 202212:52 م

لم تتوقع عائلة أحمد قسوم، ابن ريف إدلب الجنوبي، أن يتحول يوم الثالث من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إلى ذكرى لا تُنسى. ترك أحمد قريته كفر بطيخ، الواقعة في ريف إدلب الجنوبي، قبل وصول قوّات الأسد، وسيطرتها على المنطقة قبل عامين، وانتقل للعيش في مناطق عفرين شمال حلب، وبقي قسم كبير من أقاربه في قرى ريف إدلب.


يقول أحمد إنه كان في زيارة لأقاربه، لقضاء بعض الوقت لديهم. استمرت زيارته أياماً، ليُقرر بعدها العودة إلى عفرين صباح يوم كانوني مُتقلّب. شدّت العائلة رحالها مع ساعات الصباح الأولى، على أمل الوصول وقت الظهيرة إلى منزلهم في عفرين.

في طريق العودة، كانت العائلة تعيش أجواءً مفعمةً بالسعادة، حسب وصف أحمد، إذ يعلو صوت غناء الأطفال على وقع الموسيٍقى التي تخرج من مذياع السيارة. كان يستمع إلى صوت أولاده، وهم يُغنّون ويضحكون، وفجأةً انقلب كُل شيء. تحوّل الغناء إلى نداءات استغاثة؛ بُكاء وألم كواقع حال غالبية من السوريين.

أصيب كامل أفراد عائلة أحمد، ودُمّرت سيارتهم نتيجة استهدافهم من قبل طائرة أمريكية من دون طيار في ذلك اليوم.

أصيب كامل أفراد عائلة أحمد، ودُمّرت سيارتهم نتيجة استهدافهم من قبل طائرة أمريكية مسيّرة في ذلك اليوم. يقول الوالد: "غادرت منطقة جبل الزاوية، وفي منتصف الطريق بين بلدة المسطومة ومدينة أريحا، حاولت تجاوز دراجة نارية كانت تسير على الطريق نفسه، وفي اللحظة التي بتت فيها بالقرب منها، شعرت بانفجار عنيف لم أعرف طبيعته بداية الأمر. كل ما كنت أذكره وقتها أني رأيت الدماء على زجاج السيارة الأمامي، وسمعت صراخ الأطفال. كنت أظن أنني المصاب الوحيد، تماسكت جيداً، وسيطرت على السيارة حتى تمكّنت من إيقافها قبل أن تهوي بنا إلى الجرف المجاور لحافة الطريق".


أصيب أحمد وزوجته وأطفاله الأربعة بجروحٍ تفاوتت بين متوسطة وخطيرة. يقول: "في البداية، ظننت أن عبوةً ناسفةً انفجرت على جانب الطريق الذي عبرنا عليه، لكن في المشفى علمت أنه تم استهدافنا من قبل طائرة مسيرة قصفت الشاب الذي كان على الدراجة التي تجاوزتها في أثناء القيادة".


عانى أحمد من جروح في رأسه، ويده، وتعرضت زوجته لكسر في رجلها. ابنه محمود، تسع سنوات، أصيب بكسرٍ في الجمجمة أدّى إلى تلف بعض عظام الرأس، وإزالتها، بالإضافة إلى إصابات في قدميه الاثنتين، وينبغي أن يُجري عملياتٍ لاحقةً بعد ستة أشهر لترميم العظم المفقود من الجمجمة. ابنه الآخر، وليد، أصيب في يده، ابنته بتول 15 سنةً، تعرضت لإصابة في الكتف، أما هبة، 13 سنةً، فقد أصيبت في قدميها.



يروي أحمد أنه هرب بأطفاله من خطر نظام الأسد إلى منطقة عفرين، كان يخشى أن تتعرض القرية التي أقاموا فيها، في أثناء زيارتهم للقصف الاعتيادي الذي يطال جبل الزاوية، لم يكن يتوقع أن يأتيهم الخطر من أمريكا التي تصرّح دائماً "برغبتها بحماية الشعب السوري". كان يأمل بأن تقوم هذه الطائرات باستهداف المجرمين من نظام الأسد الذين قاموا باحتلال قريته، وتهجيره منها.





يروي أحمد أنه هرب بأطفاله من خطر نظام الأسد إلى منطقة عفرين، كان يخشى أن تتعرض القرية التي أقاموا فيها، لم يكن يتوقع أن يأتيهم الخطر من أمريكا التي تصرّح دائماً "برغبتها بحماية الشعب السوري"

لحظات القصف الأولى، وثّقها أولاد أحمد مصادفةً، فقد طلبت ابنته الكبيرة المتزوجة في تركيا من والدها أن يصوّر لها الطريق الذي سيسلكونه إلى منزل جدها، كانت هذه أول زيارة يقوم بها الأهل من دون وجود ابنتهم الكبيرة معهم. لم تكن تعلم أن أهلها سيوثقون لحظاتٍ بسيطةً تفصلهم عن الموت.


اعترفت القيادة المركزية للجيش الأمريكي بإصابتها للعائلة عن طريق الخطأ، وقالت في بيان تلا الحادثة، إن "الجيش الأمريكي شن غارةً بطائرة مسيّرة في إدلب، الجمعة، ضد قيادي بارز في تنظيم القاعدة".

وأشارت القيادة، إلى احتمال وقوع إصابات بين المدنيين نتيجة هذه المداهمة، لكنها لم تقدّم تفاصيل عن حجم تلك الإصابات، أو عدد الجرحى. وأكد البيان أن الجيش الأمريكي فتح تحقيقاً في إدلب، وأن نتائجه ستنشر بعد استكمالها. لكن لم تصدر أي نتيجة للتحقيق بعد مضي أكثر من شهر على الحادثة.


اعترف الجيش الأمريكي بإصابته للعائلة عن طريق الخطأ، وقال في بيان تلا الحادثة، إن "الجيش الأمريكي شن غارةً بطائرة مسيّرة في إدلب، الجمعة، ضد قيادي بارز في تنظيم القاعدة".


أما الشاب المستهدف على الدراجة النارية، والذي قُتل على الفور، فقد تبين أن اسمه مصعب كنعان، من بلدة إحسم، في جبل الزاوية، وكان سائقاً لقيادي في فصيل "حراس الدين" يُدعى أبو عبد الرحمن المكي، لكن كنعان ترك العمل العسكري، وتوجه إلى الحياة المدنية، نتيجة الخلافات بين فصيل حراس الدين، وهيئة تحرير الشام، ويُذكر أنه حين استُهدف سائق القيادي، كان المكي يقبع في سجون الهيئة.


تقول عائلة كنعان إنه ترك المجال العسكري، وبدأ بدراسة الحقوق في جامعة إدلب، وبعد ثلاثة أشهر، ترك الجامعة، وقرر إعادة دراسة الثانوية على أمل دخول فرع جامعي آخر، حسب رواية شقيقه، وهو ما ينفي الرواية الأمريكية التي تحدثت عن استهداف قيادي بارز في تنظيم القاعدة.


وحادثة عائلة أحمد لم تكن أول انتهاك بحق المدنيين في مناطق المعارضة، فقد وثّق ناشطون ثماني غارات أمريكية في إدلب، خلال عامي 2020 و2021، نتج عنها 18 قتيلاً بينهم أربعة مدنيين، وطفل، بالإضافة إلى إصابة خمسة متطوعين من منظمة بنيان (منظمة غير حكومية تهتم بالتربية والتعليم وصقل المهارات)، في إحدى العمليات، في حين تم توثيق خمسة قتلى نتيجة ضربات نفّذها الجيش الأمريكي في مناطق ريف حلب.


وكشف تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، عن ضلوع الجيش الأمريكي في عشرات العمليات الخطأ، والتي أدت إلى وقوع إصابات بين المدنيين، منذ بدء استعمال الطائرات من دون طيار.

بالاعتماد على أكثر من 1،300 وثيقة من أرشيفٍ مخفيٍّ في البنتاغون، يكشف التحقيق أنه "منذ عام 2014، ابتُليت الحرب الجوية الأمريكية بمعلومات استخبارية معيبة للغاية، واستهدافٍ متسرعٍ وغير دقيق، ومقتل آلاف المدنيين، العديد منهم أطفال".

الشاب الذي استهدفته الطائرة المسيرة، والذي قُتل على الفور، كان سائقاً لقيادي في فصيل "حراس الدين"، لكنّه ترك العمل العسكري، وتوجه إلى الحياة المدنية

وأكدت الصحيفة أن "الجيش الأمريكي أخفق في افتتاح تحقيقات خاصة، لتحديد الجهات المسؤولة عن هذه الأخطاء، والتي تم الاعتراف عن أعداد قليلة منها فقط، ولم يتم إجراء أي عقوبة تأديبية للمتسببين بهذه الحوادث، ولم يقدّم الجيش الأمريكي أي تعويضات مادية، علماً أن الناجين المصابين غالباً ما كانوا يحتاجون إلى رعاية طبية مكلفة".



من ناحية أخرى، طالب "المركز السوري للعدالة والمساءلة"، بإنشاء برنامج أمريكي، لتعويض أهالي المدنيين الذين تضرروا جراء الضربات الجوية العسكرية، وقال في ورقة بحثية أصدرها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021: "ينبغي أن يحصل السوريون الذين تعرّضوا إلى إصابات، أو فقدوا أفراداً من عائلاتهم جراء أنشطة التحالف، على مبالغ مالية على سبيل الهبة، بما في ذلك التعويض النقدي والاعتذار الرسمي على حد سواء. ويرى المركز أن برنامج المبالغ المدفوعة على سبيل الهبة مجدٍ ومناسب بالنظر إلى التبعات التي لحقت بالضحايا المدنيين جراء العمليات العسكرية الأمريكية".
 

يأمل أحمد اليوم أن تُشفى زوجته، وتقف على قدميها من جديد، وأن تنجح عملية طفله التي ينتظرها بعد أشهر، ولديه قناعة كاملة بأنه لن يحصل على أي تعويض، "فدماء السوريين رخيصة، ولا تستحق أن ينشغل القضاء الدولي بها". 

تتكرر اعترافات الجيش الأمريكي كل فترة بخصوص إصابة مدنيين عن طريق الخطأ، في إحدى المناطق التي تتدخل فيها القوات الأمريكية، لكن هذا الاعتراف لم يقدّم أو يؤخر بالنسبة إلى الضحايا وذويهم، إذ لم تمنح أمريكا أي تعويض عن الأخطاء التي ارتكبتها في سوريا، حسب ناشطين.


ويمنع القانون الدولي رفع الدعوى لدى بلدٍ آخر مثل تركيا، لأن تلك الأخطاء لا تُصنَّف ضمن القانون الدولي بـ"جرائم ضد الإنسانية"، حسب الناشط الحقوقي فهد الموسى، بينما يرى ناشط حقوقي آخر أن الحل الوحيد أمام ذوي الضحايا اليوم، هو توثيق الجريمة بطريقة قانونية معتمدة في المحاكم الدولية، وتسجيل أقوال الشهود، بهدف الاعتماد عليها في المستقبل.

يأمل أحمد اليوم أن تُشفى زوجته، وتقف على قدميها من جديد، وأن تنجح عملية طفله التي ينتظرها بعد أشهر، ولديه قناعة كاملة بأنه لن يحصل على أي تعويض، "فدماء السوريين رخيصة، ولا تستحق أن ينشغل القضاء الدولي بها". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard