"لقد قتلنا للتو 50 امرأةً وطفلاً"... تفاصيل غارة للقوات الأمريكية أودت بحياة عشرات المدنيين في سوريا

الاثنين 15 نوفمبر 202105:41 م

تكتّم الجيش الأمريكي على هجوم أسفر عن مقتل عشرات المدنيين في سوريا، حسب تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، مشيرةً إلى أن كبار القادة العسكريين عملوا على دفن آثار الحادث الذي تم وصفه بجريمة حرب، ومحوِها.

أسفر الهجوم الذي وقع في عام 2019، خلال حكم الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي صرّح لقادة الجيش في الميدان، باتخاذ قرار استهداف الجماعات الإرهابية، من دون الرجوع إلى الإدارة، عن مقتل 80 شخصاً، من بينهم 16 فقط تم تحديدهم كمسلحين تابعين لتنظيم داعش.

في الأيام الأخيرة من المعركة ضد داعش، في سوريا، عندما حوصر أعضاء من التنظيم في حقل على ضفة مجرى مائي جوار بلدة تُسمّى الباغوز، كانت طائرة من دون طيّار عسكرية أمريكية تحلّق في سماء المنطقة، بحثاً عن أهداف عسكرية، لكنها لم تجد سوى حشد كبير من النساء والأطفال مجتمعين على ضفة نهر.

عندما حوصر أعضاء من التنظيم في بلدة تُسمّى الباغوز، كانت طائرة من دون طيّار عسكرية أمريكية تحلّق في سماء المنطقة، بحثاً عن أهداف عسكرية، لكنها لم تجد سوى حشد كبير من النساء والأطفال مجتمعين على ضفة نهر

من دون سابق إنذار، حلّقت طائرة هجومية أمريكية من طراز F-15E، مدعومةً بصور عالية الدقة التقطتها طائرة من دون طيّار، وأسقطت قنبلة زنتها 500 رطل على الحشد البشري، ونسفتهم جميعاً في انفجار مروّع.

مع تلاشي الدخان، حاول عدد قليل في الحشد البحث عن غطاء، لكن لاحقتهم طائرة أخرى بقنبلة زنتها ألفا رطل، ثم بقنبلة أخرى، ما أسفر عن مقتل معظم الناجين. حصل هذا المشهد المأساوي في 18 آذار/ مارس 2019 في الباغوز السورية.

في مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للجيش الأمريكي في قاعدة العديد الجوية في قطر، كان أفراد يرتدون الزي العسكري يشاهدون في ذهول، اللقطات الحيّة التي التقطتها الطائرات من دون طيّار، من هول ما حدث.

في مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للجيش الأمريكي في قاعدة العديد الجوية في قطر، كان أفراد يرتدون الزي العسكري يشاهدون في ذهول، اللقطات الحيّة التي التقطتها الطائرات من دون طيّار، من هول ما حدث.

كتب أحد المحللين على نظام دردشةٍ آمنٍ يستخدمه الأشخاص الذين يراقبون الطائرات من دون طيّار: "من أسقط ذلك؟"، وتم استدعاء شخصين قاما بمراجعة سجل الدردشة. وقال آخر: "لقد قتلنا للتو 50 امرأةً وطفلاً".

سرعان ما وجد تقييم أولي لأضرار المعركة، أن عدد القتلى كان في الواقع نحو 70 شخصاً على الأقل. كانت غارة الباغوز واحدةً من أكبر حوادث الضحايا المدنيين في الحرب ضد داعش، لكن لم يعترف بها الجيش الأمريكي علناً. تظهر التفاصيل التي تم الإبلاغ عنها، أن عدد القتلى كان واضحاً على الفور تقريباً للمسؤولين العسكريين.

ووصف ضابط قانوني الغارة، بأنها جريمة حرب محتملة تتطلب إجراء تحقيق، لكن، قام الجيش الأمريكي بخطوات أخفت آثار الضربة الكارثية، وتم التقليل من عدد القتلى، كذلك تم تأخير التقارير، وتصنيفها.

وقامت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بتجريف موقع الانفجار، ولم يتم إخطار كبار القادة. كما فتح المفتش العام المستقل في وزارة الدفاع تحقيقاً، لكن التقرير الذي يحتوي على نتائجه تم تعطيله، وإزالة أي إشارة إلى الضربة منه.

قال جين تيت، وهو ضابط سابق في البحرية عمل لسنوات كمحلل مدني مع وكالة استخبارات الدفاع والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، قبل الانتقال إلى مكتب المفتش العام وكان مطّلعاً على الحادثة، إنه انتقد عدم اتخاذ أي إجراء، وتم إجباره في النهاية على ترك وظيفته.

جمعت صحيفة "نيويورك تايمز" تفاصيل الضربات، على مدى شهور، من وثائق سرية ومعلومات عن تقارير سرّية، بالإضافة إلى مقابلات مع أفراد متورطين بشكل مباشر، ومسؤولين لديهم تصاريح أمنية سرّية للغاية ناقشوا الحادث بشرط عدم ذكر اسمهم.

جمعت "نيويورك تايمز" تفاصيل الضربات، على مدى شهور، من وثائق سرية ومعلومات عن تقارير سرّية، بالإضافة إلى مقابلات مع أفراد متورطين بشكل مباشر، ومسؤولين لديهم تصاريح أمنية سرّية للغاية ناقشوا الحادث 

وخلص تحقيق نيويورك تايمز إلى أن العملية تم تنفيذها من قبل وحدة عمليات خاصة أمريكية سرّية، تُدعى الفرقة 9، التي كانت مسؤولةً عن العمليات البرّية في سوريا.

عملت الفرقة في سرّية تامّة، إلى درجة أنها في بعض الأحيان لم تبلِغ حتى شركاءها العسكريين عن أفعالها. وقال ضابط خدم في مركز القيادة، عن تفجير الباغوز، إنه لم يكن لدى قيادة القوات الجوية الأمريكية في قطر أي فكرة عن الضربة.

وفي الدقائق التي أعقبت العملية، استدعى ضابط مخابرات في سلاح الجو في مركز العمليات، محامي القوات الجوية المسؤول عن تحديد مشروعية الضربات. أمر المحامي سرب الطائرة "إف-15 إي"، وطاقم الطائرة من دون طيار، بالحفاظ على مقاطع الفيديو والأدلة الأخرى جميعها، وفقاً للوثائق التي حصلت عليها الصحيفة.

استدعى ضابط مخابرات في سلاح الجو في مركز العمليات، محامي القوات الجوية المسؤول عن تحديد مشروعية الضربات. أمر المحامي سرب الطائرة "إف-15 إي"، وطاقم الطائرة من دون طيار، بالحفاظ على مقاطع الفيديو والأدلة الأخرى جميعها

صعد المحامي إلى الطابق العلوي، وأبلغ القيادة بالضربة، قائلاً إنها انتهاك محتمل لقانون النزاع المسلح (جريمة حرب)، وإن اللوائح تتطلب تحقيقاً شاملاً ومستقلاً، لكن لم يتم إجراء أي تحقيق شامل، أو مستقل.

هذا الأسبوع، بعد أن أرسلت صحيفة نيويورك تايمز النتائج التي توصلت إليها إلى القيادة المركزية الأمريكية، التي أشرفت على العمليات الجوية في سوريا، أقرّت القيادة بالضربات للمرة الأولى، قائلةً إن 80 شخصاً قُتلوا، لكن الضربات كانت "مبررةً".

وأضافت أن القنابل قتلت 16 مقاتلاً من داعش، وأربعة مدنيين. أما بالنسبة إلى القتلى الستين الآخرين، فقال البيان إنه لم يتّضح أنهم مدنيون، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنهم من النساء والأطفال في تنظيم داعش ممن حملوا السلاح في بعض الأحيان.

وقال النقيب بيل أوربان، المتحدث الرئيسي باسم القيادة، "إننا نبغض فقدان أرواح الأبرياء، ونتخذ جميع الإجراءات الممكنة لمنع حدوث ذلك".

وقال جين تيت، المفتش الذي عمل في القضية، والذي أقيل في وقت لاحق، للصحيفة: "بدت القيادة وكأنها عازمة على دفن هذا الأمر. لم يكن أحد يريد أي شيء له علاقة بالقضية".

ويُعدّ برنامج الطائرات من دون طيّار الذي يستهدف الإرهابيين، والذي تديره بشكل أساسي وكالة المخابرات المركزية، وقيادة العمليات الخاصة المشتركة السرّية للجيش الأمريكي، المتّهم الأبرز منذ فترة طويلة بقتل المدنيين.

قال جين تيت، المفتش الذي عمل في القضية، والذي أقيل في وقت لاحق، للصحيفة: "بدت القيادة وكأنها عازمة على دفن هذا الأمر. لم يكن أحد يريد أي شيء له علاقة بالقضية"

وفقاً لمكتب الصحافة الاستقصائية، وهي منظمة مقرّها لندن، تتبّعت ضربات الطائرات الأمريكية من دون طيار، تُقدّر أن ما بين 300 إلى 909 مدنيين قتلوا في مثل هذه الهجمات في أفغانستان، منذ كانون الثاني/ يناير 2004.

ويقرّ البنتاغون بأن الضربات الجوية الأمريكية قتلت أكثر من 1400 مدني في جميع أنحاء العراق وسوريا، منذ بدء العمليات ضد داعش في عام 2014.

وكشفت منظمة "Airwars"، وهي منظمة أخرى غير ربحية، مقرّها لندن وتتعقب الخسائر في صفوف المدنيين في مناطق الحرب، أن الرقم أعلى من ذلك بكثير، مشيرةً إلى أن نحو 29 ألف شخص بريء قتلوا في الضربات الجوية بقيادة الولايات المتحدة.

وقالت جماعات حقوقية أخرى، إن الجيش الأمريكي يعترف بمسؤوليته عن الخسائر المدنية في هذه القضية فحسب، لأنه تم توثيقها على نطاق واسع، لكن كثيراً ما يتم تنفيذ ضربات لطائرات من دون طيّار في مناطق ريفية بعيدة عن الكاميرات في العراق، وسوريا، واليمن، وباكستان، وليبيا، والصومال، وفقاً لمجلة التايمز الأمريكية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard