حواري مرسومة بالأصفر المغبرّ على إسفلت مكسّر

السبت 15 يناير 202212:09 م

الحميم، البيوت التي نسكنها فتسكننا


كنت أجلس مع عمي المهندس المعماري أراقب رسوماته دائماً. سألته لماذا يرسمها على مراحل، فقال لي إن المعمار في الأحياء والحواري لابد أن يكوّن طبقات تصنع في النهاية طعماً وروحاً للمكان.

مع الوقت أدركت أن تلك الطبقات هي في التشبع بالتفاصيل. ليست في الشوارع أو البيوت أو حتى الأرصفة وتكسيرات الأسفلت، بل ما يفعله الناس بكل هذا. الروائح والأصوات، همسات الجيران، الصباحات المختلفة بين كل حارة وأخرى. اليوم أصابتني لحظة تنوير اكتشفت فيها أن سبب تفضيلي للعمل ككاتب حر هو أنني لم أعد أجد نفسي مؤثراً أو متأثراً بمجموع طبقات الحواري الحديثة.

طفولتي تقمّصت حالة الترانزيت بين المملكة العربية السعودية ومصر. في الأولى حارتنا صغيرة نظيفة لامعة. كنت أكره العصافير التي يشبه صوتها سكيناً حاداً يقطع صمت الحارة في الصباح. حتى يأتي يوم الخميس ليبدو وكأنه اليوم العالمي للصخب في الحي. يمر علينا الجميع مبتسمين، وصوتنا يعلوا مع كل هدف يدخل المرمى المكون من حجرين على أسفلت الشارع الحريري. في الثانية كان الصخب هو السائد، لكنه صخب حميمي يظهر في تفاصيل غريبة. صمتها ينطق وسط وآخر اليوم فقط، فالمرور بجانب أي بيت في تلك الأوقات يكفي لشم روائح الطعام التي تبدو وكأنها تستبدل بها الصخب. الحالة كلها تتشبع بالطعام المتغير حسب الوجبة ثم تنتهي، لتظهر طبقة ما من المزح بين جلسات الجيران على المصاطب، التي ترتجّ من مرور القطار القريب من المكان كل فينة وأخرى.

حي أبحث عنه

لم أعرف وقتها أي حارة يجب أن أحب، في مصر كنت أجد الأمان مع جدي وأبناء أعمامي، وخالي الذي نسيت أن أخبره أنني أحبه قبل أن يصل خبر موته لنا خانقاً، مكتوماً، عبر أسلاك دولية. بينما في السعودية، كان أصحاب الطفولة المتعددة الجنسيات، ودغدغة الرفاهية اللذيذة التي تترجمها نظرات انبهار الأقران لأي قطعة ملابس أو أدوات أو أحذية أحملها معي في كل إجازة. يوماً ما قال لي صديقي إنه كان يعرف شهر أغسطس من كثرة مشية الطواويس، الآن أفهم أنه كان يقصد موسم إجازتنا السنوية.

اختبرت دقات القلب التي تزيد مع ظهور بنت الجيران في البلكونة العتيقة لنشر الغسيل، نظرتها التي تسرقها لشباكنا كلما أخذت بصلاً من الخزين المعلق على مسامير... مجاز في رصيف22

مع دراستي في الكلية واستقراري دون أهلي في مصر، بدأت أرى الحواري بعين أخرى. كان الاغتراب سيد الموقف، بينما بدأت الطبقات تتزايد وتجعل الشعور بالحارة عميقاً. اختبرت دقات القلب التي تزيد مع ظهور بنت الجيران في البلكونة العتيقة لنشر الغسيل، نظرتها التي تسرقها لشباكنا كلما أخذت بصلاً من الخزين المعلق على مسامير، والذي يبدو كهوية مشتركة للحارة المصرية التي رسختها الأفلام وأدب نجيب محفوظ في الأذهان. أصوات البائعين المتجولين، ما بين الآيس كريم وحلاوة غزل البنات الممزوجة بالكثير من طفولة الضحكات التي لم اختبرها هنا. وصوت نشرات الأخبار الممتزجة بالمسلسلات، بينما من مكان آخر كان إيهاب توفيق يغني عن المراسيل التي كانت تحمل روح الحارات بين الدول.

تغيرت ملامح الطبقات نفسها مع الوقت، أضيف لها لحظات كانت ترتج مع أهداف حسام حسن -بغض النظر عن لون الفانلة التي يلبسها- والثعلب حازم إمام . "بيبو وبشير بيبو والجون"، يصرخ بها طفل ما فيعني أنه يرقص بالكرة. بدأت العبارات تستبدل بالرسومات على حيطان الحارة لرقم 22 على خلفية حمراء رسم فوقها نسر محلق.

ثم تطورت مع الوقت لتنتشر أرقام 74 مع شعار النادي الأهلي الذي رسمه طفل لا أعرفه تحت شباكنا. تسونامي المو صلاح اكتسح ليصبح ماركة الحارات المصرية المسجلة. هي نفسها الحارة العجوز التي هاجمها الغاز المسيل للدموع في أحد الينايريات، وسكت الناس عن الخروج، وحل الخوف ضيفاً لازم التكاتف والأمل في شيء ما من التغيير. في تلك الليلة قال أحد كبار السن قبل يوم التنحّي: "الحارة وحشتنا!".

الحارة وحشتنا

الكلمة رنت في أذني بعدها بثماني سنوات وأنا أحمل حقيبتي وأمشي في شوارع دبي مبهوراً بالبنايات الحديثة، وفي خلفيتي صوت ألعاب نارية تكسر عتمة الليل. كان أول ما لفت نظري لماذا لا تمتلك بلكونات الحواري في دبي حبال غسيل؟ قالوا لي إنهم يضعون الغسيل في الداخل، تماماً كما يحتفظ الجميع بمشاعرهم في تلك المدينة خلف الابتسامات المرسومة في كل مكان، مهما تغيرت أسماء وأشكال الحارات والأحياء.

لاحظت في ليلتي الأولى أن كل البلكونات في الحي الذي أسكن فيه مضاءة بأنوار صفراء. سألتهم فقالوا أنه عيد "الديوالي". عيد هندي في مدينة إماراتية، ابتلعت مصرياً يحاول أن يتذكر كيف يطلب طعاماً بإنجليزية يفهمها البائع الفليبيني بعد أن اختنق بالكلمات من الوحشة والارتباك. الجوع جعله يتواصل بالإشارة، يأكل محاولاً التماسك، ثم ينام باكياً ومقرفصاً كالأطفال. أتذكر أنني في اليوم التالي وقفت أبحث عن أي مبنى يشبه حارتنا أمام الشباك قبل أن أذهب إلى العمل. تكرر ذلك لأيام، فسألني رفيق الغرفة الفلسطيني عما أفعله، وحين أجبته قال إن الغربة حواري متنقلة في الأدمغة والقلوب.

كان أول ما لفت نظري لماذا لا تمتلك بلكونات الحواري في دبي حبال غسيل؟ قالوا لي إنهم يضعون الغسيل في الداخل، تماماً كما يحتفظ الجميع بمشاعرهم في تلك المدينة خلف الابتسامات المرسومة في كل مكان... مجاز في رصيف22

بدأت أكتشف بعداً آخر للحواري، قالت لي صديقة أنها تتمنى لو كانت تحمل معها في حقيبتها رائحة صفائح الزعتر التي يحملها الأولاد من المخابز على رؤوسهم ليأكلوها ساخنة على الإفطار، وهم يعدون علامات الرصاص على المباني التي يحفظون عددها عن ظهر قلب، لتلون بها المباني العديمة الرائحة. أخبرتني أنها أحبت حواري الإسكندرية التي عملت فيها قليلاً كمصورة فوتوغرافيا، لأنها تشبه بيروت مدينتها التي افتقدتها، الفرق أنها من دون رصاص!

صديقي الأقرب كان ينام في السرير المقابل، يعمل كشيف ماهر في فندق شهير، في كل ليلة يتحدث مع حبيبته، وفي أحد المكالمات بعد أن سلم على كل أهله الذين يسكنون نفس البناية التي يضع صورتها مع صورة خطيبته بجانب سريره، سمعته يقول إنه اشتاق لها، وألا تخاطر وسط المظاهرات، قال لها إنه سيتزوجها قريباً وسيأخذها معه من حلب.

كانت له طريقة مميزة حين ينهي المكالمة قائلاً: "أنتي الحارة". في يوم ما خرج وهو صامت ويده ترتعش حتى سقط الهاتف منه، ثم بدأ في البكاء، وقال لنا: "الحارة راحت"! مع الوقت فقد "نَفَس الطبخ"، وحين وضع صورة لبنايتهم التي دكها القصف مع أهله عن بكرة أبيها، أدركت أنه سيهاجر وكأنه يبحث عن حارة جديدة يخفي بها فقد حاراته.

حارة مرسومة

لربما تعلمت الكتابة لكي أرسم حارتي التي أتمنى، والتي بدأت بذرتها من رحلات الطيران ومراقبة شكل الأحياء من السماء. بالتأكيد لن أمنحها عشوائية شكل القاهرة رغم اللهفة التي تجعلني أطل من الشباك دائماً كلما اقتربنا منها. ربما أضيف لها القليل من خَضَار قرى لبنان التي تشبه الأراضي التي تحيط كوخ جد شخصية هايدي الكرتونية.

سأجعلها تطل على سحب تشبه صفاء سماء المغرب. وسأجعلها نظيفة الشوارع وبيوتها حجرية الطراز والمعمار، ولكل بيت جنينة مزروعة بزرعة الكولونيا الصيفية، والنباتات الموسمية كما في حارات الأردن، وسأمنحها صمود وأصالة شوارع فلسطين. الجو لابد أن يكون عامراً بالسكينة كالحارات المطلة على المسجد الحرام وساحات قبة الصخرة. أهلها لابد أن يكونوا بإخلاص عائلة ماوكلي في الغابة.

سألوّنها بضحكات الأطفال، وعناق الجيران، وروائح المخبوزات والفطائر. وسأمزج أصواتها مع أغاني عبد الحليم وفيروز وصباح فخري، وترتيل صوت السديس وهو يقرأ القرآن مع ابتهالات النقشبندي وصوت أجراس الكنيسة. سأحتفظ بها بجرافيتي الأهلي وأسماء الشهداء في كل قطر عربي حتى لا ينساهم أحد. وسأجعل عملتها الورود وعنوانها البسمة والحب. ولابد أن تكون مخفية تحت الأرض، أو ربما في قلب جبل ما مثل الجولان، حتى لا يدكّ حارتي وأهلها أي صاروخ.

لكنني حتى مع تعدد مدارس الكتابة لم أستطع رسمها أفلاطونية كما تخيلتها، ببساطة لأن القراء لا يحبون المثالية، يعشقون الأماكن المشوهة التي تشبه الواقع. ربما لهذا أبدعت روحي الميتة في كتابة الدستوبيا، غصت في حاراتها المليئة بالخوف من المستقبل. وكلما عدت إلى الواقع، أجد نفسي أمشي في الحارات بروح مضطربة، واضعاً السماعات في أذني حتى لا أسمع أصوات المهرجانات. رأسي منكس للأرض حتى لا أرى أكوام القمامة في الأركان. أتوه أكثر، ويبتلعني الزحام والأدخنة دون أن أعرف على وجه الدقة، ما ومَن هو الحي الذي أبحث عنه! 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard