رقصات دودة قزّ على حرير معطوب

السبت 11 ديسمبر 202109:00 ص

 نطفو على قدم من هواء

لم أتفق ابداً مع جاين أوستن حين قالت: كلما أغرمت بالرقص كلما اقتربت أكثر من الوقوع في حب رجل حقيقي، لا مكان للحقيقة في الحب وفي الرجال وفي الرقص. سألني صديقي ذات مساء وضعنا فيه الخيانة على طاولة الجدال: ماذا ستفعلين إن خانك زوجك؟ صمت للحظات ثم أطلقت سراح كلماتي وعيناي تحتوي الجدال والمكان بأكمله. أجبته بدفء خبيث: أقتله ثم أرقص فوق قبره بكعبٍ عال أحمر، بخبلٍ لأعزي قلبي على فقده وبوقار لأسترد حياتي. ثم صمت وأزحت بصري عنه. أقسم بأنه شعر بالأورغازم حينها وشعرت أنا بالانتصار.

أغرمت بالرقص ولم يغرم بي شيء واحد حقيقي. كُنت مثل طُعم من وهم لذيذ تبتلعه القلوب الملتفة بأوردة سممتها حقائق الحياة، جسد مجنون يحاكي صخب الموسيقى وكذب الشعراء، يتلوى على أغنيات الفقد ويتلوى على أغنيات الحب بنفس المرونة والعطاء. روح منافقة كذابة تستطيع أن تمثل اللوعة والغبطة في آن واحد أمام جمهور واحد وتقنعه بقضيتها في كل مرة.

الخاطرة الأولى: دودة الصحراء

بعينين يحوطها سواد الكحل والليل تأملت السماء. كانت تلد النجوم بسرعة مخيفة، فتتضح تفاصيل الصحراء الشاسعة في أعين الجميع، لمَ قررت السماء اليوم فتح مصابيحها؟ هل نجحت عملية تواصلي مع النجوم أخيراً؟ هل سيقبل المريخ بإهدائي واحداً من رجاله الوسيمين، لنسكن الزهرة ثم نأكل ثمرة محرمة فننزل الأرض ونعمر الجزء الأروع منها، بعدما أقدّم له شهوة خمسين رجل في آن واحد؟ مهمة مستحيلة. لو لم أكن أمتلك مفاتيح الأجساد بحركات من جسدي. أحب رغباتي. أحب طريقتي في الفلسفة. جائز أن أكون مريضة أو مهووسة، لكن لا بأس، المهم أنني بارعة دائماً في خلق حالات ممتعة تنتشلني من بؤس الأيام وبردها.

الرمال تلمع أسفل قدمي كالذهب الخالص، وضيوف الصحراء تتربع شهواتهم وأحلام اجسادهم فوق رؤوسهم كتيجان الماس. تيممت لأتطهّر، ثم نويت السحر وابتهلت للمريخ تقدمت نحو هؤلاء الرجال المسنين اللذين يداعبون الربابة وينفخون الشبابة ويدقون على الطبل، بعدما جاؤوا بشبح عجوز (أظنه شبح وديع الصافي)، قيدوه خلفهم على جذع نخلة شامخة، يدندنون أمامها أغنياته التي تقدمت، لاستبيح دمها برقصة، وأخذ بعدها قرابيني من الرجال الذين قد زادوا واحداً بحضور شبح وديع.

أغرمت بالرقص ولم يغرم بي شيء واحد حقيقي. كُنت مثل طُعم من وهم لذيذ تبتلعه القلوب الملتفة بأوردة سممتها حقائق الحياة... مجاز في رصيف22

بـشموخ يساوي توسلاتي في حصولي على رجل المريخ، توسّطت حلقة المجلس، أغمضت عيني، خشيت وقار وديع يسلبني شرّي، ورحت أحرّك خصري بشكل انسيابي كلاسيكي فخم، يشبه ما أسمع: "الليل يا ليلى يعاتبني"... أوقف حركة خصري وأرفع صدري إلى الأعلى ثم أحركه بشكل دائري سلس ساحر، على: "ويقول لي سلم على ليلى". أضع يدي فوق قلبي، بعدها وأنا أحرك خصري من جديد لأعبر عن أن "الحب لا تحلو نسائمه"، ثم أنصب ظهري بحزم وألفّ خصري بشكل دائري مائل، وهو يرتعش إلى الخلف، أؤكد فيه على شرط وديع لكي يحلو ليله بــ "إلا اذا غنى الهوا ليلى".

أتساءل وأنا أمضي بسرعة رزينة أحتفظ فيها برعشة قوامي على "دروب الحي تسألني تره هل سافرت ليلى؟". يكررها من يغني بشجن، فأتقدم نحو امرأة أربعينية، مشروع جمال طمسته أيامها. تجلس خلفي لأتمايل أمامها ويتمايل شعري وعنقي وعيني وابتسامتي وشفتي التي تغني دون صوت، وكأنهم يستجوبونها لترد على سؤاله: "دروب الحي تسألني ترى هل سافرت ليلى؟"، لانتقل بعدها بقفزة صغيرة خفيفة ورشيقة نحو سيدتين بجوارها، ليخبرهم جسدي بأن "طيب الشوق يحملني إلى عينيكِ يا ليلى". أغمز لهم بعين يظللها سواد الكحل والرغبة بعدما كرر من يغني "إلى عينيكِ يا ليلى".

تعمدت تجاهل الرجال الحاضرين بشكل خبيث لأجرّهم من شهوتهم نحوي أو نحو كل ليلى، رقصت داخل عباءتي السوداء المزينة بنقوش حمراء بدوية، وشعري مبعثر متداخل، يستقر فوقه برقع وجهي المرفوع. كنت في نوبة هوس بما أفعل، وبرغم غياب الخلاعة في الثياب إلا أن روحي كانت ترقص رقصات إباحية، ترتفع وتزداد حرارتها حول قلبي كلما شممت عرق شهوة الرجال بوضوح، واجتاح حلقي طعم أحمر الشفاه التي بدأت تفسده القُبل خلفي.

اجتاحني الأسى وانقبضت ملامحي وانكمش حجم صدري، وعدت بظهري للخلف حيث تجلس النساء، وأعطيت وجهي للرجال أخيراً ليئنّ جسدي أمامهم على "رجعت ألم أحلامي وأحيا بين أنغامي"، وكأنني أردت أن أكشف لهم عن نابي المسكين المختبئ خلف ضروس الغواية، ثم ملأت الدموع جفوني بعدها، وضعفت حركت خصري فوق الرمال، وقلّ عمق أثر قدمي عليها. ملت بظهري للأمام، ثم نفضت جسدي بصحبة شعري للأعلى كعصفور صغير دبت فيه الروح فجأة، فتحول لصقر جارح لأنهي  بـ "وغاب ربيع أيامي وليلى لم تزل ليلى".

انتهت الليلة وانطفأت مصابيح السماء واحد وراء الآخر، كلما سالت شهوة أحدهم على الرمال بعدما نضجت رغبته تحت شرنقتي الحريرية، تذكرت مشهد المحاكمة في الفيلم "العطر" وأنا أعد المصابيح المتبقية التي تنطفئ بشكل تنازلي وأنتظر إعلان الانتصار. بدأ المشهد بتنفيذ محاكمة لقاتل متسلسل، صانع عطور في وسط القرن الثامن عشر، أمام ميدان يحتل أرجاءه كل أهل البلدة، وبالأخص أهل ضحايا القاتل المجنون بالجمال.

يأتي الجلادون بالقاتل أمام المواطنين ورجال الكنيسة والدولة لتنفيذ إعدامه أمامهم، فيلقي عليهم لمسة من عطره، فيفقد الجميع عقله وتتغلب الشهوة عليهم، وتتحول ساحة المحاكمة إلى ساحة لممارسة الجنس، وعلى رأسهم رجال الدين والدولة. خارج خيمتي كان هناك مسرح للجنس، وداخلها أجلس وحيدة أقاوم الاختناق إثر أدخنة شواء الأجساد الملتحمة ببعضها والتي غلّفت سمائي، أختنق وأتضوّر جوعاً لرجل المريخ.

بحثت عن خلخالي لأستأصله من عنق ساقي وأعلقه أعلى مدخل خيمتي، حيث يعلن رنين حلقاته قدوم رجل المريخ، فأشعل حشيشة غامضة وأرقص بها حول مضجعي، فيأتيني وهو قابض على خلخالي، يتحسس بأصبعه حباته، ويتجول بينهم بسرعة تسير بشكل طردي مع سرعة رعشة جسدي العاري المنبطح، شبه النائم، الذي يرقص أمام جسده القوي، حتى تندلع النار وتنقطع المياه وتحيا الأجساد، فتستقيم وتفرط حبات الخلخال في باطن يده، وتكتمل الطقوس.

لكن ما جاء كان منديلاً مبللاً، عليه مخلوق يشبه جنين العصفور، قال إنه رجل المريخ المنتظر، وأن عملية اكتماله قد فشلت، فهي توقفت عند ترشيحه كحيوان منوي صالح للمهمة، بسبب ما فعله شبح وديع الصافي حين سرق خلخالي، عندما انفصل عن عنق ساقي وأنا أنثر الشر بجواره، وعلى أنغام أغنيته الشريفة الصالحة، وفرطت حباته في يده بعدها حين كان يقلبها وهو يعبث في فوهة بركانه لينفجر، وتبدلت الطقوس.

عدت لشرنقتي الحريرية التي ألقيتها على الصحراء ورفعتها عن مسحاتها الجرداء. لا بأس، لا داعي للحزن. فقدت رجل المريخ وانتصرت على واحد وخمسون من رجال الأرض دون أن يلمس واحد منهم جسدي، حتى من كره منهم سحر إثارتي وحاول فصلي عن أغنيته وتاريخه. انتصرت.

الخاطرة الثانية: الدودة والذئب

ليلتها همس علي في أذني، وجسده قد تحول إلى جسد رخوي لا عظام فيه لتقوى على حمله، باستعارة رائعة. قال: "أنتِ دودة قز نضجت شرنقتها الحريرية الناعمة المتينة حول جسدي، ولا شيء يستطيع تمزيقها حتى أنياب الذئاب". استعارة وشمني بها إثر رقصي فوق جسده العاري. صدق ميلان كونديرا حين قال إنه لا يمكننا أن نمزح مع الاستعارات، فالحب قد يولد من استعارة واحدة.

في أول لقاء بييننا صارحني علي بأنه لا يحب رقص النساء، رددت على إهانته بتحدٍ، بأنني أحب الرقص، ثم اعتليت جسده العاري بجسدي والتصقت به، ورحت أدندن بانسجام بالغ، وعيناي تتأملان جسده القوي وعينيه الماكرتين: "بدي ألاقي محبوبي بين الياسمين والريحاني يا عيني"

في أول لقاء بييننا صارحني علي بأنه لا يحب رقص النساء ولا يشتهي أطباقه. رددت على إهانته بتحدٍ، دون مقدمات للموضوع، بأنني أحب الرقص وأبدع صنع أطباقه، ثم اعتليت جسده العاري بجسدي والتصقت به، ورحت أدندن بانسجام بالغ، وعيناي تتأملان جسده القوي وعينيه الماكرتين: "بدي ألاقي محبوبي بين الياسمين والريحاني يا عيني"، وأنا أضرب بياسميني وريحاني أرضه، وكأنني أرقص المعلاية على لحن صاخب، هزات متتالية تشبه حفر الآلات الثقيلة على الأرض البور لأزرع جذوري.

فأغدق علي بمائه لأنبت، وهو يكمل بصوته الرخيم المختلط بتأوهات خيالية: "بين الياسمين والريحاني يا عيني"، وشعري الذي يغطي ظهري يرقص انعكاسه على الجدار المقابل لنا، إثر ضوء مسكين منبعث من مصباح صغير في ركن الغرفة، لنصبح لوحة تمثل الرقي والرق، قادرة أن تعبر عن حقبة بأكملها لم تكن النساء قبلها قد سكنت الأرض.

اتفق مع مالكوم إكس حين قال إن حقيقة المرأة تظهر على وجهها عندما تندمج في الرقص، لم يقرأ علي الرضا على وجهي مثلما قرأه يوم رقصت على جسده، وانتشيت من فرط نشوته. كانت حقيقتي عريضة ومنيرة، مكتوب عليها بماء الذهب: "هنا شرنقة حريرية لقز أبيض، يرقص لينسج المتعة ويخلق من الحرير العجائب". أؤمن بعمق بأن الرقص هو حالة أكثر من كونه حركات جسدية معبرة، بل أتطرف بإيماني، وآخذ الرقص مأخذاً آخر ليصبح موقفاً أواجه به الحياة أو أحب به الحياة وأحب به علي.

كنت أشعر بالعجز من جاذبيته الأربعينية الرائعة، ومقدرتي على مواكبة رغبات رجل عبر فوق كل محيطات المتعة وغرق في بطونها. شيء ما يجعلني أشعر بحضوره بروح غسان كنفاني. أحب حيز المبالغة واللامنطق داخل عقلي، كما أحب غسان وأحب الرجال المناضلين وأحب تلك الربكة التي تخلقها القضايا المصيرية التي يؤمن بها الشريك، وتخلق مستحيلاً ما في العلاقة، لكن المستحيل هنا كان في جعل علي يكشف عن أنيابه، ويقر بأنه الذئب المتنكر في سرير جدة ليلى.

المستحيل هنا كان مؤرقاً، فقد أكل علي كل ما بحوزتي من أزهار ومتاع، وأطعمني لحم جدتي، وتظاهر بالمرض وما زال يرفض الاعتراف بأنه الذئب. ما زال وديعاً ولا يخضع أمام سلاح "الرقص" الذي يخلق حتى في الأموات من الرجال الرغبة، ولا تسحره لا منطقيتي التي تجرده من المسؤولية وروتين النساء، فجنونه وسخريته تضرب الخيال نفسه في مقتل، وتضرب سري الوحيد لأحب ذاتي وأتفرّد في مقتل.

استفزتني يومها صراحته حين قال لا يثيره الرقص، فاعتليته بعدها ليرى الرقص من الأعلى، ليرى كيف تستجيب الأجساد لأصوات الحياة من فوق. كان قد قال لي ذات مرة إن الأشياء حين نراها من الأعلى ونشعر بدونيتنا أمامها فنقدسها. شعر بدونيته أخيراً وحاصرته بشرنقتي الحريرية المتينة، يا لروعة اهتزاز الجسد وهو يمثل أن ما يحركه هو اللحن وعيناه تبوحان بسر اللحن الحقيقي. ليس صوت دق الطبول المجوفة الذي يختزنه عقلي من أغنية "حبيبي يا عيني" التي خدعتُ أذنيه بها هي ما تستفز خصري ومؤخرتي وردفي لتنفر وتتمرد وتخضع وتقبل ثم تهدئ، ولا مزمار الليل الحزين الذي يقود كل ألحان التراث الصعيدي هنا هو ما يجعل ظهري يتلوى ويتطوح يميناً ويساراً، ينحني في رجاء وتذلل ثم يعود لمكانته شامخاً متكبراً، ولا حيوية الكمنجة هي التي وهبت نهدي حيويتهما ونضوجهما النقي كندى الصباح، وجعلت شراسة تردداتهم تغلب رياح تشرين، فراحت بعدها عيناه تكبران ويداه وفمه وأنيابه، فسألته وأنا في رداء ليلى الطفلة المسكينة عن السبب بخوف كاذب، فأجابني وهو في غياهب الشهوة وفي جسد الذئب: لأراكِ لأعانقكِ لأكلكِ بشكل افضل.

بعدها قفز كما قفز الذئب ليأكل ذات الرداء الأحمر "ليلى" وينام بعدها في سرير جدتها بهدوء وسلام. وانتصرت.

الخاطرة الثالثة: دودةالقصب

كيف كانت تؤدى رقاصات الغوازي للملوك عبر التاريخ؟ هل كان بحوزتهن مفردات مختلفة للحكي والتعبير؟ احتقر التاريخ الراقصة التي تنتمي للغجر ولقبها بالغازية على سطور حكايته، قاصداً ربطها بفكرة الغزو والإجبار على المعايشة، ولكن دون دماء أو لفت نظر لأي ممارسة قهرية. إجبار بالرضا تحت مظلته تتكاثر الإثارة والإغراء. تركيبة ساحرة كانت تحقق مكاسب وخدمات لجماعات كاملة من البشر، تحتل قياداتها السلطة الذكورية في أبهى صور تعجرفها، وقد كانت أيضاً الشوكة الناعمة التي تقف بالعرض في حلوق أصحاب الأمر.

ارتفع دق النساء على الطبول في وسط الغرفة التي امتلأت بسيدات من بالأقارب، والجيران في القرية جلسوا القرفصاء على الارض الإسمنتية بشكل عشوائي، وراحوا يطلقون الزغاريد ويصفقون. هممت لربط خصري بشال ناعم قصير. كنت أرتدي عباءة للرقص قديمة الطراز، لونها أسود مقصب طويلة وضيقة بعض الشيء، قماشها مرن، مكشوفة الصدر ومفتوحة آخر الجنبين. بدأت تقود مسيرة الغناء الريفي الأصيل، الخالة سميرة ذات الصوت الرنان، لتبارك بصوتها حنة ابنتها. رن صوتها في أرجاء المكان بــ "يا ابو اللبايش يا قصب عندنا فرح واتنصب".

تردد وراءها النساء نفس المقطع، ويرتفع معه ايقاع الطبل وتصفيق الكفوف، وترتفع رعشة مؤخرتي ودوران خصري وإيقاع صدري الذي رحت ألوح به يميناً ويساراً، والخالة تلقي على أذني بـ "جابوا القميص على قدها نزلت تفرج عمها". لألف حول ذاتي وجسدي مفتون بنفسه وبالغناء، أضيق عباءتي حول جسدي كمشهد تمثيلي لمّا تقوله الخالة في أمر قميص العروس، ثم أترك عباءتي وحالها وأمسك بشعري وهي تقول: "قال يا حلاوة شعرها تسلم عيون اللي خطب". أترك شعري وأختم وأنا أحرك عنقي ورأسي بدلال، وعيني تغمز إعجاباً بذوق الخاطب. أتطرف في استخدام جسدي، فالتحدي هنا كان أصعب، فملوك اليوم نساء، لن يغريهن صدر غض وخصر مستدير وجسد ممشوق وساقان متناسقتان وشعر كالليل رائع ودهاء غجرية مسكينة.

من قال إن هدفي يومها من الرقص كان الإغراء أو هبة المتعة التي اعتبرها سري وهدفي نحو أيامي ومن يسكنها، هدفي اليوم أسمى وصيدي أصعب. أنا هنا لأنتقم من نساء العائلة المجرمات... مجاز في رصيف22

من قال إن هدفي يومها كان الإغراء أو هبة المتعة التي اعتبرها سري وهدفي نحو أيامي ومن يسكنها، هدفي اليوم أسمى وصيدي أصعب. أنا هنا لأنتقم من نساء العائلة المجرمات. راحت عيناي تُغرقان مريم وسميحة وصابرة، رؤوس الأفعى في عائلتي، بإعجابي بجسدي وشعوري به، وكأنني أعايرهم بختانهم في حفل لمباركة الشبق والشهوات. لحقت بي الكثير من الشائعات المدمرة لأي أنثى في مجتمع مثل مجتمعنا. كان خلفها تكهّنهن بعدد جرائم الشرف المفترض أنني ارتكبتها لقطعي عمر الثلاثين دون زوج.

صاحت الخالة سميرة "جابوا السرير على قدها نزلت تفرج عمها"، نزلت بجسدي الحلزوني تدريجياً حتى أصبحت منبطحة على الأرض، وبخفة القزّ في خلق شرنقة الحرير رحت أتلوّى وكأنني على سرير رجل من الملوك، أغدق عليه بفتنتي وهو يغدق علي بكرمه. تردد النساء المقطع نفسه فأنفعل أكثر، وكأن سريره بالفعل مقاسي. كنت في غياهب جنوني، لا أشعر إلا بخبل رزين. أنتقم وأنتشي دون فعل شيء. أنا فقط أرقص لفرحة ابنة الخالة سميرة.

وصل للنساء شعورهم بعلتهن وبعقم أجسادهن الحقيقي، فلا يمكن لامرأة معطوب جسدها أن تتحكم فيه. هكذا وكأنها تتحدث وتتجاذب معه أطراف الحكايات. تحارب به أعداءها وتسترد به كيانها. كان ينقص هذا المشهد شيء واحد فقط، وهو أن يتجسد الملك صاحب السرير أمامهن، ليدخل بي حلبة الرقص، فيقطعن فروجهن إلى الأبد.

"قال يا حلاوة شعرها تسلم عيون اللي خطب"، فأصلّب ظهري الغض وكأنني دودة قز رخوية، أمتص من القصب سكره وأقذفه بجسدي في وجه كل من حولي، فتحلو أيامهن وتبتهج . تبتهج الخالة وهي تخبرنا بـأنهم "جابوا الخلخال على قدها نزلت تفرج عمها"، أرفع ساقي في الهواء لأكشف عنه. أتحسس خلخالي وأنا أرعش ساقي عائدة به إلى الأسفل، فتردده النساء وراءها مرة أخرى، فأتوجه بصدري نحو وجوههن وأحركه وأنا أسير أمامه، بسرعة، ثم بثقل وتكبر على "قال يا حلاوة شعرها تسلم عيون اللي خطب"، ثم ترتفع أصوات النساء والتصفيق والطبل ارتفاعاً مجنوناً، يذكرني بمشاهد الاحتفالات التي تقام خارج غرفة العروس أثناء إتمام دخلتها بشكل بلدي في الأفلام القديمة، يرددن بصوت جماعي "يا ابو اللبايش يا قصب عندنا فرح واتنصب.. يا ابو اللبايش يا قصب عندنا فرح واتنصب"، وأنا أتطوّح يميناً ويساراً، أنحني للأسفل وأرتفع، أودع بكل ذرة في جسدي الأنفاس الأخيرة للأغنية.

غادرت النساء اللواتي حاولت أن أقتصّ منهن جزءاً من حقي فوراً، كانوا يجرون أجسادهن الميتة جرّاً. ترى كم تبعد المسافة بينهن وبين أجسادهن حتى أنهن يفقدن سلطة تحريكها؟ سكنني الرضا، ولكن بشكل عابر ما جنيته إثر نظراتهن التي شعرت بسيرها على جسدي، وهي تقبّل شفتي وعنقي وثديي أثارني جداً، ولكن دون أن يسمن أو يغني جسدي من جوعه، لأنه توقف وانتهى سريعاً دون أن يكتمل فأرضى، لم يكن انتصاري هنا كاملاً، لكن لا بأس، كنت غازية رائعة والعقبة كانت في كونهم عبيداً لا ملوك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard