صدمة محلية ودولية عقب قرار تجميد "الشبكة العربية"... وحقوق الإنسان المصري "في أزمة"

الثلاثاء 11 يناير 202205:38 م

 أثار إعلان الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وقف نشاطها بدءًا من يوم الإثنين 10 كانون الثاني/ يناير الجاري ردود أفعال إقليمية ودولية واسعة، لما تمثله الشبكة في إطار العمل الحقوقي العربي.

وقالت الشبكة في بيان إعلان توقف نشاطها أن التوقف بات السبيل الوحيد في مواجهة الضغوط والملاحقات التي تتعرض لها هي والعاملون فيها منذ سنوات.

وبحسب بيان الشبكة فإن قرار وقف العمل يأتي في ظل "غياب الحد الأدنى لسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان"، وبعد محاولات "عديدة ومضنية للاستمرار رغم الظروف الصعبة التي يعيشها المصريون، وحالة عدم الاستقرار السياسي الذي وظفته الحكومة للتضييق على المؤسسات الحقوقية المستقلة والتوسع في حالات القبض والحبس للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين والنشطاء السياسيين سواء كانوا منتمين لأحزاب أو مستقلين".

وقال المحامي جمال عيد مدير الشبكة – المجمد نشاطها- لرصيف22، إن القرار "جاء بعد تفكير طويل في ما يحدث مع الشبكة ومجال حقوق الإنسان بشكل عام"، لافتاً إلى أن موقع الشبكة وأرشيفها من الوثائق الحقوقية العربية الصادرة بين عامي 2004 و2014 مستمر على شبكة الإنترنت وأن "روافد الشبكة ستستمر لكن من دون تحديث متواصل".

وأكد عيد أنه تم التنسيق مع العاملين في الشبكة والمتعاونين معها من محامين وصحافيين وباحثين لإخبارهم بقرار التجميد قبل الإعلان عنه رسمياً، وأبلغوا بالأسباب "بشكل واضح ومباشر"، وأنه كان هناك توافق على القرار في ظل ما يتعرض له العاملون والمتعاونون من تهديدات وملاحقات أمنية لا تتوقف وصلت إلى تهديد أمنهم الشخصي وعلاقاتهم الاجتماعية والأسرية. "وبالفعل وافق الجميع على القرار وبدأ بعضهم في البحث عن فرص عمل أخرى، فيما فضل آخرون الحصول على إجازة للتفكير في الخطوة التالية"، بحسب عيد.

جمال عيد: وقف تجميد الشبكة مرهون باحترام دور القانون والتوقف عن ملاحقة الحقوقيين وتهديد أمنهم الشخصي

صدمة دولية وإقليمية

محلياً، اعتبر المحامي الحقوقي خالد علي مؤسس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ورئيسه السابق أن وقف عمل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان هو خسارة لكيان حقوقي مهم لعب دوراً محورياً في الدفاع عن الصحافة وحرية الرأي والتعبير.

ودولياً، أصدرت منظمة العفو الدولية "أمنستي انترناشونال" – محجوبة في مصر- بياناً أعربت خلاله عن أسفها لوقف نشاط الشبكة "بعد 18 عاماً من العمل المتفاني من أجل حقوق الإنسان وعلى خلفية سنوات من مضايقات السلطات المصرية للشبكة العربية ومؤسسها جمال عيد والعاملين فيها". وعدّت العفو الدولية تجميد عمل الشبكة "خسارة عظيمة لحركة حقوق الإنسان" وطالبت المدافعين عن حقوق الإنسان بالضغط على الحكومة المصرية لإلغاء "قانون المنظمات القمعي" في إشارة إلى قانون الجمعيات الأهلية ولائحته التنفيذية اللذين يثيران انتقادات دولية لتضييقهما على العمل المدني والحقوقي في مصر.

ورصدت صحيفة "واشنطن بوست" في نشرتها اليومية قرار وقف عمل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، واستعرضت في تغطيتها مجموعة من القوانين التي استصدرتها السلطات المصرية واعتبرتها الصحيفة ضمن "هجمة واسعة النطاق" تشنها السلطات على المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان". وتواصلت وكالة "أسوشيتدبرس" مع ممثلين للحكومة المصرية بغية التعليق على قرار تجميد عمل الشبكة والرد على الأسباب التي أعلنتها الشبكة للإغلاق، إلا أن أياً من ممثلي الدولة لم يستجيبوا لاتصالات وكالات الأنباء العالمية.

عضو بالقومي لحقوق الإنسان: اجتماع للمجلس لمناقشة سبل إقناع الشبكة بالعودة إلى العمل، ودوافع القرار تتناقض مع ما تعلنه الدولة من احترام حقوق الإنسان. لا بد من التوقف عن ملاحقة النشطاء

لن نكون "كوافير" لأجهزة الأمن

وعن فرص عودة الشبكة للعمل قال جمال عيد لرصيف22: "لن نتوقف عن العمل الحقوقي بشكل فردي، ولكن وقف تجميد الشبكة مرتبط بشكل وثيق الصلة بتحركات الدولة تجاه احترام القانون ووقف الانتهاكات، وهنا لا أتحدث عن الكلام المعسول على احترام حقوق الإنسان، الذي تطلقه أصوات حقوقية تشير به إلى تحسن الوضع ولا أدري هل يفعلون ذلك عن قصد تبعاً لتوجيهات أو هو سذاجة منهم؟ ولكن على أرض الواقع الأمر يسوء".

ويوضح عيد: "عملنا ليس فقط الكشف والتنديد بالانتهاكات؛ ولكن أيضاً طرح رؤى وأفكار تسهم في تحسين حالة حقوق الإنسان. لكن بالتأكيد لن نعمل على أن نكون ديكوراً أو كوافيراً لتحسين صورة الأجهزة المعنية".

تأتي تصريحات جمال عيد بالتزامن مع كلمة ألقتها السفيرة مشيرة خطاب، الرئيسة المعيَّنة للمجلس القومي لحقوق الإنسان، أشادت فيها بجهود السلطات المصرية في احترام حقوق الإنسان والإعلاء من شأنها.

 وفي كلمتها بمنتدى شباب العالم في نسخته الرابعة، الذي افتتحه الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد ساعات قليلة من إعلان تجميد عمل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قالت خطاب إن مصر وضعت إستراتيجيات صحية تشي باحترامها حقوق الإنسان، وحققت معجزة القضاء على فيروس سي وإزالة العشوائيات وخصصت 100 مليون دولار "للتعاون مع الجائحة".

أتت كلمة خطاب أثناء نموذج محاكاة جلسة "المجلس الدولي لحقوق الإنسان" احتفالاً بإطلاق "عام المجتمع المدني" في مصر.

وأكد عيد أنه "مستمر في الدفاع وتقديم يد العون في القضايا التي تعمل عليها الشبكة بصفته محامياً حقوقياً، لكن ليس من خلال الشبكة". قال: "على مدار خمس سنوات، توالت علينا رسائل مفزعة من الأجهزة الأمنية، ولن نتحول إلى تابعين، أو مرشدين للضباط في الأجهزة الأمنية، هذا قرار نهائي، لن يتم استغلالنا تحت أي ظرف".

جمال عيد: لن نسهم في تجميل أو رسم صورة زائفة لاحترام حقوق الإنسان في مصر. العصف بدور القانون مستمر وسنستمر في رفضه وكشفه 

وأشار إلى تحركات محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، الذي يلعب دور وساطة بين بعض الأطراف في المعارضة المدنية المصرية وحركة حقوق الإنسان من جانب وبين الأجهزة المعاونة للرئيس عبدالفتاح السيسي من جانب آخر، وقال عيد إن السادات "يبذل مجهوداً يُشكر عليه. ولكنه واهم إذا تصور أنه سيصل لأي نجاح يذكر، خاصة أن الذين تم الإفراج عنهم بفضل جهود السادات لم يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد. في النهاية يجب توجيه الشكر للسادات ولأي شخص يجتهد للإفراج عن المحبوسين. ولكن ما أخشاه هو تحوّل كل من يحاول الوساطة إلى مجرد تابع".

وتواصل رصيف22 مع النائب السابق السادات للحصول على تعليقه على ما يتصل بتجميد عمل الشبكة، خاصة أنه قاد وفداً رسمياً مصرياً لطرق الأبواب وتصحيح صورة الملف المصري أمام الإدارة الأمريكية، مع تصاعد الانتقادات في الدوائر الرسمية الامريكية لملف مصر في حقوق الإنسان. إلا أنه لم يستجب إلى أي من اتصالاتنا المتعددة يومي الأحد والإثنين وحتى قبل دقائق من نشر هذا التقرير.

وكانت الإدارة الأمريكية قد وافقت على قرار الكونغرس حجب 130 مليون دولار من قيمة المعونة السنوية التي تحصل عليها مصر ووضعت شروطاً تتصل بملف حقوق الإنسان والمجتمع المدني من أجل رفع الحظر عن المبلغ. وردت مصر بإطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي اعتبرها المجتمعان الحقوقيان المحلي والدولي "حبراً على ورق"، ولا ترقى إلى تطلعات الشعب المصري في العدالة واحترام حقوق الإنسان.

واشترطت الإدارة الأمريكية إطلاق سراح ناشطين معارضين من أجل إعادة النظر في الملف المصري واستجابت السلطات المصرية بالإفراج عن بعضهم تدريجياً.

حقوق الإنسان على المحك

في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2021، صدر قرار رئاسي بتشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان برئاسة السفيرة مشيرة خطاب، وضم عدداً من الحقوقيين والقانونيين والباحثين، إلا أن البعض اختلف على التركيبة الحالية للمجلس، إذ غلب عليها "المؤيدون" ولم تحو أسماء معروفة بإخلاصها للدفاع عن حقوق الإنسان عدا جورج إسحق.

والمجلس القومي لحقوق الإنسان هو هيئة حكومية يصدر رئيس الجمهورية قرار تشكيلها وتتمتع باستقلال إسمي، وبات في السنوات الأخيرة محل انتقادات واسعة من المجتمع الحقوقي المحلي. ويناط به - إلى جانب مجلسي النواب والشيوخ-  لعب دور الوسيط بين الحكومة ممثلة في أجهزتها الأمنية ومنظمات المجتمع المدني.

ولا يخفي محمد زارع، مدير برنامج مصر في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، رفضه تركيبة المجلس القومي الحالية، مؤكداً أن التشكيل الحالي "لا يصلح لأن يكون وسيطاً، هذا إلى جانب أن الدولة ترفض وجود وساطة، إذ تصدر قراراتها فقط، ولا يوجد أي نوع من أنواع التوازن على مستوى دوائر الاتصال التي هي مغلقة تماماً".

في سياق متصل، كشف جورج اسحاق، عضو المجلس القومي لحقوق الانسان لرصيف22، أنه من المقرر أن يعقد المجلس اجتماعاً لبحث سبل التدخل المناسب في أزمة تجميد الشبكة العربية لنشاطها، معتبراً أن بيان الشبكة العربية يظهر تعارضاً واضحاً مع ما تم ترويجه بأن 2022 هو عام المجتمع المدني. وقال: "كيف يتم دفع مركز حقوقي كبير لإيقاف نشاطه نتيجة تعرضه لمضايقات أمنية في بداية عام المجتمع المدني؟".

جورج إسحق: "تجميد نشاط مركز حقوقي كبير لا يستقيم بأي حال مع ما جاء في إستراتيجية حقوق الإنسان وعام المجتمع المدني"

وأضاف: "تجميد نشاط مركز حقوقي كبير لا يستقيم بأي حال مع ما جاء في إستراتيجية حقوق الإنسان وعام المجتمع المدني، ويجب بحث حلول مناسبة لكافة الأطراف، وسنعمل على ذلك في اجتماع المركز القومي في 19 يناير/ كانون الثاني، وسنتناقش في كيفية الحيلولة دون وقف مراكز حقوقية لعملها". منوهاً بأن المجلس القومي لحقوق الإنسان سبق أن توسط لدى الحكومة لتأجيل تنفيذ الإنذار الحكومي الملزم للكيانات الأهلية غير المسجلة بالتسجيل تحت مظلة قانون العمل الأهلي رقم 149 لعام 2019 في موعد أقصاه 11 يناير 2022، "لذا هناك لغة حوار وتفاهم بين جميع الأطراف المعنية بمجال حقوق الإنسان" وفق قوله.

وعبر اسحاق عن تخوفه من أن يفتح إعلان الشبكة تجميد نشاطها الباب أمام منظمات مماثلة للإعلان عن تجميد أنشطتها نظراً لتعرضها لمضايقات تخالف أسس الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، قائلاً: "هنلاقي كل شوية مركز بيقفل ويجمد نشاطه، لو حس إنه هيتعامل بالطريقة دي، وطبعاً ده خسارة كبيرة للمجتمع المدني".

يتشارك محمد زارع مع جورج اسحاق في التخوف من محاولات التضييق المستمرة من الأجهزة الأمنية على العاملين في منظمات المجتمع المدني، سواء بالملاحقات الأمنية أو القضائية. وقال إن الشبكة العربية ومؤسسها المحامي جمال عيد تعرضا على مدار السنوات الماضية لمضايقات وانتهاكات وصلت إلى حد الاعتداء الجسدي عليه، و"هذا دلالة على ما تشهده حركة حقوق الإنسان المصرية من ضغط مباشر من قبل الأجهزة الأمنية، ونتيجة لهذا، فنحن نشهد انحساراً غير مسبوق في عدد منظمات المجتمع المدني، بسبب ما نشهده من قمع ومضايقات أمنية وانتهاكات مختلفة".

وأضاف: "ما يحدث مع الشبكة العربية والمنظمات الأخرى من قمع ومضايقات ودفعها إلى تجميد نشاطها، ليس سوى مثال ملموس وواضح لاستمرار الدولة المصرية في نهجها للقضاء على منظمات حقوق الإنسان المستقلة التي لا تزال مستمرة في عملها بالرغم من حالة الترصد والتضييق المستمر على العاملين في مجال حقوق الانسان والحريات".

وختم: "المشكلة لا تكمن في القوانين فقط. نحن أمام مشهد سياسي وحقوقي واضح تغيب فيه دولة القانون، وتستمر سيطرة الأجهزة الأمنية على جميع مؤسسات الدولة، منذ عام 2014 وتواجه المنظمات الحقوقية تعنتاً شديداً أقرب للحرب من أجل استمرارها في العمل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard