هذه خطة إيران لاتفاق نووي "لا يُنقلَب عليه"

السبت 8 يناير 202210:34 ص

على الرغم من حالة التعقيد والغموض التي تجري فيها مفاوضات فيينا حول إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وعلى وقع الزخم الكبير في تحركات الوفود المفاوضة، إلّا أنّ هناك حالةً من التفاؤل الحذر لا تزال قائمةً بين جميع الأطراف المنخرطة في المفاوضات وعلى رأسها إيران.

المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، أكدّ أنّ تقدماً حدث في المفاوضات على مستوى الالتزامات النووية، ورفع العقوبات، والتحقق منه، والضمانات المتبادلة، منوّهاً بأنّ "التقدم بتعهدات الطرف الآخر كان أقل، ولذلك فإنّ الكرة في الملعب الأمريكي والأطراف الغربية".

وشدد المتحدث الإيراني على أنّ "الطرف الآخر لا يمكنه مطالبة طهران بتعهدات نووية أكثر مما ورد في الاتفاق النووي، ولا يمكنه تنفيذ تعهدات أقل مما تم الاتفاق عليه"، لافتاً إلى أنه في حال وصل الطرف الآخر إلى هذه القناعة، فيمكن الحديث وقتها عن اتفاق جيد في فيينا.

الطرف الآخر لا يمكنه مطالبة طهران بتعهدات نووية أكثر مما ورد في الاتفاق النووي، ولا يمكنه تنفيذ تعهدات أقل مما تم الاتفاق عليه

ودخلت مفاوضات فيينا في جولتها الثامنة على مستوى لجان الخبراء، إذ يركّز المتفاوضون على ثلاثة مسارات، هي: رفع العقوبات، والالتزامات النووية، إلى جانب الضمانات وآليات التحقق.

يكشف المحلل السياسي الإيراني، سياوش فلاح بور، لرصيف22، أن "إیران لم تعد تطالب بإحیاء اتفاق 2015، أو ما يسمى بخطة العمل الشاملة المشترکة JCPOA فحسب، بل إنّها تريد المزید كون الاقتصاد الإیراني تحمّل ضغوطاً وخسائر کبیرة خلال السنوات التي أعقبت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018".

الاقتصاد الإیراني تحمّل ضغوطاً وخسائر کبیرة خلال السنوات التي أعقبت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.

وتزايدت الضغوط على النظام الإيراني في السنوات الأخيرة، وتحديداً في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إذ أدت العقوبات إلى إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الإيراني، ما أدى إلى حال من التململ في الداخل الإيراني، وحاولت إيران التوجه إلى الأسواق الآسيوية لبيع نفطها، لتتمكن من مواجهة الضغوط المتزايدة التي بدأت بالتراجع مع خروج ترامب من البيت الأبيض، ووصول جو بايدن الذي كان عضواً فاعلاً في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي في وُقّع في عهده اتفاق عام 2015.

يرى المحلل السياسي الإيراني أنّ "إیران وجمیع القوی الإقلیمیة تدرك مدی ترکیز واشنطن علی الملف الصیني، ورغبتها في إغلاق الملفات الأخری، حتی لو بصورة مؤقتة، وبإمكان إیران أن تستخدم الظروف لصالحها، لأنّها استطاعت مقاومة العقوبات، وتالياً فإن استمرار الأوضاع الراهنة لیس خياراً کارثیاً بالنسبة إليها".

خلال الجولة السابعة من المفاوضات، والتي انتهت في 17 كانون الأول/ ديسمبر الفائت، قدّمت إيران مسودّتين تشمل كل منهما شروطاً جديدة لتضمينها في الاتفاق الجديد، ويقول بور: "هذه الشروط تركز على أخذ ضمانات بعدم خروج الإدارات الأمریکیه المقبلة من الاتفاق، ورفع جميع العقوبات، وتحریر أموال إیران المجمّدة، والتي تقارب المئة ملیار دولار، وتعویض خسائرها الاقتصادیة بعد حملة الضغوط القصوی".

إیران وجمیع القوی الإقلیمیة تدرك مدی ترکیز واشنطن علی الملف الصیني، ورغبتها في إغلاق الملفات الأخری، حتی لو بصورة مؤقتة

وتتحفظ واشنطن على شروط إيران والبنود التي تطرحها في المفاوضات، ويشير بور إلى أنّ "الضمانات قد لا تكون بالضرورة اقتصادیةً فحسب، وقد تشمل ضمانات حقوقية دولية أيضاً، فإيران بحاجة إلی ضمانات أمريكية لتوسیع علاقاتها الاقتصادية مع دول آسيوية في الدرجة الأولى، وأوروبية في المرحلة التالية، وهي إذا حصلت على ضمانات، فليست لديها إشكالية في مجال جذب الاستثمارات من الصين والهند وبقية الدول الآسيوية".

إيران بحاجة إلی ضمانات أمريكية لتوسیع علاقاتها الاقتصادية مع دول آسيوية في الدرجة الأولى، وأوروبية في المرحلة التالية.

شد الحبال

يسعى الأمريكيون إلى إعادة الحياة لاتفاق 2015 النووي، ووضع برنامج إيران النووي مجدداً في نطاق السيطرة، ولا يُمانع النظام الإيراني هذا الأمر، وهو مُستعجل لفك عزلته والاهتمام بالاقتصاد المأزوم منذ سنوات، لكنه وفي إستراتيجيته في "شدّ الحبال"، يحاول انتزاع ما أمكن من المفاوضات. وتشير معلومات إلى أن المفاوض الإيراني يتذرع بالخسائر التي تعرّضت لها طهران نتيجة قرار ترامب الخروج من الاتفاق، للمطالبة بتعويض طهران عما لحق بها.

وعليه، مقابل إصرار الولايات المتحدة على الرجوع إلى اتفاق عام 2015، تتمسك إيران بمبدأ تعويض خسائرها، "كإجراء منطقي للعودة إلى الاتفاق"، وفي هذا السياق، يُشير المحلل السياسي المقرّب من الخارجية الأمريكية، قيس قريشي، لرصيف22، إلى أنّ "عودة إيران إلى الاتفاق يجعلها تخفض نسبة تخصيب اليورانيوم التي وصلت إلى 60%، لتعود إلى نسبة 3.67%، وهذا بحدّ ذاته ليس خياراً منطقياً في ظل الخسائر الفادحة التي لحقت بها".

في عام 2019، قررت إيران رفع نسبة التخصيب من 3.67%، إلى 20%، أي تقليص التزاماتها في الاتفاق، مستغلةً الانسحاب الأمريكي منه، فتواصلت حملة الضغط الأمريكية-الإسرائيلية باغتيال مهندس البرنامج النووي العسكري الإيراني محسن فخري زاده، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، فردت طهران بتصعيد مشروعها النووي لتصل نسبة التخصيب إلى 60%.

عودة إيران إلى الاتفاق النووي يجعلها تخفض نسبة تخصيب اليورانيوم التي وصلت إلى 60%، لتعود إلى نسبة 3.67%، وهذا بحدّ ذاته ليس خياراً منطقياً في ظل الخسائر الفادحة التي لحقت بها

يشدد قريشي على أنّ أي "تجاوز أمني أو عملية عسكرية أخرى ضد إيران ستجعلها تتجه إلى رفع نسبة تخصيب اليورانيوم لتصل إلى 90%، وهذا يعني أنّها نقطة "اللاعودة إلى الوراء"، والمضي قدماً في تصنيع القنبلة النووية".

في عام 2018، فرض ترامب حزمةً من العقوبات الاقتصادية على إيران ظلت تتصاعد بشكل تدريجي لتشمل شراء النفط والمواد النفطية الإيرانية، وقطاع الطاقة، وفرض حظر على الموانئ الإيرانية والخطوط والصناعات الملاحية، بالإضافة إلى إعلان واشنطن في أيلول/ سبتمبر 2019، عن نيتها فرض عقوبات على أي دولة تتعامل مع إيران، أو تشتري منها نفطاً.

عام 2018، فرض ترامب حزمةً من العقوبات الاقتصادية على إيران ظلت تتصاعد بشكل تدريجي لتشمل شراء النفط والمواد النفطية الإيرانية، وقطاع الطاقة وغيره.

يقول قريشي إنه "لا يمكن لإيران أن تتجاهل الأضرار والخسائر الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد الإيراني، وإجبارها على العودة إلى الحدود الدنيا في تخصيبها لليورانيوم، من دون التعويض عن تلك الخسائر التي لحقت بها، وهذا نقطة الخلاف الجوهرية في المفاوضات الجارية في فيينا".

ضمانات "متشددة"

خلال الجولة الثامنة من المفاوضات، لا تزال المساعي الإيرانية ترتكز على نقطة جوهرية أساسها عدم الخروج من الاتفاق النووي مجدداً، كما حصل في عهد ترامب، وحسب قريشي، طالبت طهران إدارة بايدن بضمانات حقوقية، وتحديداً عبر الكونغرس الأمريكي ومجلس الشيوخ، إلا أنّه لا يملك القدرة على تحقيق مثل هذا الأمر، خصوصاً أنّ أمريكا مقبلة على انتخابات الكونغرس النصفية بعد أشهر قليلة، بالإضافة إلى المخاوف الإسرائيلية المتكررة المبنية على تحوّل إيران من قوة صاروخية إقليمية إلى قوّة نووية.

وفي هذا الصدد، عمدت إيران عبر فريقها المفاوض إلى تقديم سلسلة من المقترحات لتجاوز هذه النقطة العالقة، إذ اقترحت إنشاء بنك استثماري برعاية رسمية من الدول الكبرى، تكون مهمته ضخ استثمارات دولية وتمريرها إلى الداخل الإيراني في مجالات مختلفة كالطاقة والبترول والغاز وقطاع الاتصالات، وتكون هذه الاستثمارات منحصرةً بالجهات الرسمية، وليس القطاعات الخاصة، لأنّ إيران تريد ما يضمن عدم تعرّض أي استثمارات دولية للحصار والتضييق مجدداً.

اقترحت إيران إنشاء بنك استثماري برعاية رسمية من الدول الكبرى، مهمته ضخ استثمارات دولية وتمريرها إلى الداخل الإيراني مجالات مختلفة، لتضمن عدم تعرّضها للحصار مستقبلاً

يُشير قريشي إلى أنّ "الجانب الإيراني عرض هذا المقترح على وفود الدول، وعلى رأسها روسيا وألمانيا وفرنسا وروسيا"، منوّهاً بأنّ "استثمارات القطاع الخاص من المؤسسات والشركات في إيران، من الممكن أن تتعرض لضغوط قادمة، وهذا ما لا تريده طهران، خصوصاً بعد التجربة التي خاضتها في اتفاق 2015، فهي تريد ضمانات تلزم واشنطن عبر الحكومات المتعاقبة بعدم الخروج من الاتفاق".

وترى طهران أن البنك الاستثماري الذي ستكون مهمّته الإشراف على هذه الاستثمارات، يستطيع إلزام واشنطن مستقبلاً بعدم فرض حصار عليها، لأنّها تأتي من أطراف دولية، وليس عبر قطاعات خاصة من مؤسسات وشركات.

يؤكدّ قريشي على أنّ إيران تسعى في الفترة المقبلة في ظل المفاوضات التي تقوم بها مع الأطراف المشاركة في محادثات فيينا، إلى تكثيف جهود الإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج، وذلك بالتزامن مع هذه المحادثات، وهذا ما دعا إليه فعلياً مساعد الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية، علي باقري كني، خلال اجتماعه بنظيره الكوري الجنوبي، تشوي جانغ كان، الذي يزور فيينا حالياً، والذي يأتي في أعقاب إعلان "سيول استعدادها للإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمّدة فوراً". 

ووسط كل ذلك، يغيب الحديث الفعلي عن التدخلات الإيرانية في المنطقة على طاولة المفاوضات في الوقت الحالي، في ظل تراجع عربي دبلوماسي وتحديداً سعودي، وتوازياً مع جنوح أمريكي للعودة إلى الاتفاق النووي الذي تعتبره الإدارة الحالية أولوية وترسيخاً لنهج إدارة أوباما، وهو ما يُستشف من تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص لإيران روبرت مالي، والذي يُعتبر من أشد المتحمسين للعودة إلى الاتفاق ورفع العقوبات عن طهران. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard