فك عزلة إيران تقترب... العرب يحاولون ركوب موجة التسوية

تحاول السعودية والإمارات التعامل بشكل سريع مع المتغيرات المتسارعة

الخميس 18 نوفمبر 202112:45 م

على الرغم من إحراز المفاوضات الأمريكية-الإيرانية تقدّماً ملحوظاً في ما يتعلّق برفع العقوبات الأمريكية، والعودة من جديد إلى الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية مع إيران، في 14 تموز/ يوليو 2015، بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلا أنّ بعض الملفات لا تزال متعثرةً بين الجانبين، الأمر الذي عدّته طهران تنصّلاً من الوعود والتفاهمات التي جرى الاتفاق عليها قبل وصول الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن إلى البيت الأبيض.

المفاوضات الأمريكية-الايرانية ألقت ظلالها بخطى متسارعة على المنطقة، وخاصةً على الجانب السعودي-الإماراتي، الذي يسعى إلى التعامل مع هذه المتغيرات بجدية واضحة، كانت آخرها في زيارة وزير الخارجية الاماراتي عبد الله بن زايد إلى سوريا، والتي قيل إنها تسعى بالدرجة الأولى إلى تقويض النفوذ الإيراني، وإعادة دمشق إلى الحضن العربي، أو على الأقل إيجاد حالة من التسوية وتقاسم النفوذ في المنطقة، بين المحور الإيراني-السعودي.

الجانب الإيراني أعلن مؤخراً عن استئناف محادثات فيينا مع القوى الكبرى حول إحياء الاتفاق النووي للعام 2015، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، حسب ما أكّد كبير مفاوضي طهران علي باقري كني، وسط تفاقم المخاوف الغربية من التقدم في المجال النووي الذي تحققه طهران.

 الإشكاليات بين الجانب الأمريكي والإيراني حول الاتفاق النووي قد تمّ حلّ ما يقارب من 85% منها، وعلى رأسها رفع جميع العقوبات الاقتصادية التي وعد الرئيس الأمريكي جو بايدن برفعها

وفي هذا السياق، يؤكدّ المحلل السياسي الإيراني المقرّب من الخارجية الإيرانية، قيس قُريشي، أنّ الإشكاليات بين الجانب الأمريكي والإيراني حول الاتفاق النووي قد تمّ حلّ ما يقارب من 85% منها، وعلى رأسها رفع جميع العقوبات الاقتصادية التي وعد الرئيس الأمريكي جو بايدن برفعها، مشدداً على أنّ الخلاف الأكبر يتمثل في العقوبات المتعلقة بالجوانب الأمنية، وقضايا دعم الإرهاب التي تُعدّ موضع الجدل، والخلاف بين الطرفين، كاشفاً أنّ بايدن يرى أنّه يجب الذهاب إلى الكونغرس الأمريكي من أجل شرعنة الملفات الشائكة بين البلدين وتمريرها، وهذا ما ترفضه طهران التي ترى هذه الخطوة بمثابة الإخلال بالوعود التي قدّمها وقطعها الديموقراطيون في أثناء المفاوضات بين الطرفين، قبل وصول بايدن، وبعد تتويجه رئيساً للولايات المتحدة.

ومن ضمن الخلافات بين الجانبين، حسب ما يؤكدّ قريشي في حديثه لرصيف22، هي "مسألة تصنيف الحرس الثوري منظمةً إرهابية منذ إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إذ تمّ وضع الحرس الثوري على قوائم الإرهاب في نيسان/ أبريل 2019، وتالياً أصبح العاملون مع المنظمة العسكرية الحكومية ممنوعين من دخول الولايات المتحدة، بالإضافة إلى العقوبات التي تستهدف الأصول المالية لدوائر المرشد الأعلى للدولة الإيرانية، إذ يرى بايدن أنّه من الضروري الذهاب إلى الكونغرس من أجل شرعنة رفع هذه العقوبات عن طهران، وإزالتها، وهذا ما ترفضه الأخيرة".

"إبراهيم رئيسي أجرى خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، تغييراً في السلك الدبلوماسي من أجل المفاوضات بشأن الملف النووي ورفع العقوبات عن إيران والولايات المتحدة باتت معنية أكثر من أي وقت مضى باستمرار المفاوضات مع طهران"

كما ويكشف قريشي عن أنّ "إبراهيم رئيسي أجرى خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، تغييراً في السلك الدبلوماسي من أجل المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، ورفع العقوبات عن إيران"، مشدداً على أنّ "الأمريكيين باتوا معنيين أكثر من أي وقت مضى باستمرار المفاوضات مع طهران، بحكم أنّ نسبة تخصيب اليورانيوم ارتفعت من نسبة 3.8% إلى 60%، وإذا ما بلغت النسبة 90%، فهذا يعني أنّها ستكون قادرةً على تصنيع القنبلة النووية، وهذا ما لا تريده واشنطن".

ويؤكدّ قريشي على أنّه "في أثناء جولات التفاوض، وقبل انطلاق الجولة السابعة من المفاوضات النووية بين إيران والمجموعة الدولية في فيينا، والمقررة في نهاية الشهر الجاري، فإنّ نوعية العقوبات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول عقوبات اقتصادية لم يبدِ الرئيس الأمريكي أي اعتراض حولها، ووعد برفعها مباشرة، أما القسم الأخير من العقوبات فيتمثل في تلك المتعلقة بالإرهاب وقضايا حقوق الإنسان، ولا يستطيع بايدن رفعها إلّا عبر الذهاب إلى الكونغرس، وأخذ موافقته على رفعها".

طبيعة العقوبات التي يرى بايدن أن حلّها يكون عبر الذهاب إلى الكونغرس تتمثل في العقوبات المتعلقة بـ"الحرس الثوري"، و"فيلق القدس"، وتصنيفهما في خانة المنظمات الإرهابية، بالإضافة إلى كل ما يرتبط بشكل مباشر بالمرشد الأعلى في إيران

وحول طبيعة العقوبات التي يرى بايدن أن حلّها يكون عبر الذهاب إلى الكونغرس، يكشف قريشي أنّها تتمثل في العقوبات المتعلقة بـ"الحرس الثوري"، و"فيلق القدس"، وتصنيفهما في خانة المنظمات الإرهابية، بالإضافة إلى كل ما يرتبط بشكل مباشر بالمرشد الأعلى في إيران، آية الله الخامنئي.

وفي سياق متصل، يؤكد رئيس مؤسسة المستقبل في واشنطن، انتفاض قنبر، المقرّب من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في حديث لرصيف22، أنّ "هناك الكثير من المشكلات والتعثرات التي حدثت قبل المفاوضات، والتي تركت بعداً سلبياً لدى واشنطن قبل بدء المباحثات بين الطرفين، منها انتخاب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وكذلك تخصيب اليورانيوم ووصوله إلى نسبة 60%، بالإضافة إلى التصرفات التوسعية لنظام طهران في الشرق الأوسط".

ومع ذلك، يرى قنبر أنّ "هناك عاملاً مؤثراً لاستمرار هذه المفاوضات، ويتمثل في المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، روبرت مالي، الذي سيلعب دوراً كبيراً في دفع هذه المفاوضات، وسيكون له التأثير الأكبر على سياسة إدارة بايدن تجاه طهران، ولا يزال يصرّح بتصريحات إيجابية حول هذه المباحثات"، مشيراً إلى أنّ "واشنطن تتحاشى لوم إيران على ما يحدث في العراق، وكانت آخرها محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، إذ كان هناك تناقض بين تصريحات قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، كينيث ماكينزي، الذي وصف محاولة اغتيال الكاظمي بالعمل الإجرامي، متّهماً مليشيات إيرانية بالوقوف وراءها، وبين تصريحات المتحدث باسم البنتاغون، جون كيربي، الذي قال: إننا لا نوجه التهم إلى أي جهة في محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي".

ومن الواضح أن تلك التصريحات، حسب رؤية قنبر، "الغاية منها إيصال رسالة إلى إيران بأننا لا زلنا نريد التفاوض معكم، كما أنّ قرار واشنطن إلغاء تصنيف جماعة الحوثي إرهابيةً، هي هدية أخرى لإيران، ومسعى آخر لفتح باب التفاوض مع طهران، وإبداء حسن النية من الجانب الأمريكي".

تحركات الأردن والإمارات الأخيرة نحو سوريا، تهدف حسب اعتقاد قادة الدولتين، إلى عودة سوريا إلى الحضن العربي، بعد حالة الاستقرار الأمني النسبي فيها بعد أن استطاع النظام السيطرة على 80% من الأراضي السورية.

وتأتي التحركات السياسية والدبلوماسية من قبل بعض الدول العربية نحو نظام الأسد، قبل القمة العربية التي تستضيفها الجزائر، في آذار/ مارس المقبل، إذ علّقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا، منذ اندلاع النزاع فيها عام 2011.

ومن هنا، فإنّ تحركات الأردن والإمارات الأخيرة نحو سوريا، تهدف حسب اعتقاد قادة الدولتين، إلى عودة سوريا إلى الحضن العربي، بعد حالة الاستقرار الأمني النسبي فيها بعد أن استطاع النظام السيطرة على 80% من الأراضي السورية.

بالإضافة إلى ذلك، يعتزم العراق توقيع عقود تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات مع السعودية، للاستثمار في قطاعات الغاز والطاقة البديلة والمياه والصناعات البتروكيماوية، ويتفاوض في هذا الشأن مع شركة أرامكو السعودية، لإدخالها كشريك في عقود استكشاف الغاز الحر في الحقول الجديدة في الصحراء الغربية، واستثماره.

"النظرة الإيرانية إلى زيارة بن زايد لسوريا مؤخراً إيجابية، ويُنظر إليها على أنّها مشتركات بين السعودية والإمارات من جانب، وإيران من جانب آخر، في مقابل الدور التركي في سوريا كما أنّ الاستثمار الاقتصادي الخليجي في سوريا والعراق مرحَّب به من طهران"

هذه المتغيرات كلها يرى المحلل الإيراني قيس قريشي، أنّها "تشكل بعداً مهماً، كما أن النظرة الإيرانية إلى زيارة بن زايد لسوريا مؤخراً إيجابية، ويُنظر إليها على أنّها مشتركات بين السعودية والإمارات من جانب، وإيران من جانب آخر، في مقابل الدور التركي في سوريا"، مشيراً إلى أنّ "الاستثمار الاقتصادي الخليجي في سوريا والعراق مرحَّب به من طهران".

ويكشف قريشي أنّ "رئيس المخابرات السعودية اللواء خالد حميدان، عقد لقاءً برفقة وفد سعودي، مع مستشار رئيس نظام الأسد للشؤون الأمنية في دمشق، علي مملوك، وناقش فيه الطرفان بدء تطبيع العلاقات، ومسألة إعادة إعمار سوريا، لكنّ الجانب السعودي طلب من دمشق تقليص الوجود الإيراني في سوريا، وردّ مملوك على الحميدان بالقول: نحن والإيرانيون على ارتباط استراتيجي، إذ وقفوا معنا في مرحلة صعبة جداً".

ويؤكدّ قريشي على أنّ السعودية والإمارات وإيران، متفقون على دور "اقتصادي واستثماري في سوريا، بالإضافة إلى مسألة إعادة إعمارها"، منوهاً بأنّ "الإمارات عبر زيارة وزير خارجيتها إلى دمشق مؤخراً، جاءت بدعم من إسرائيل، وتوافق معها، إذ طلبت الأخيرة من أبو ظبي مفاوضة الأسد للتقليص من حجم الوجود الإيراني في سوريا".

ويضيف قريشي قائلاً: "بن زايد بحث مع الأسد مسألة الاستثمار في سوريا، وإعادة إعمارها، كما أعطى وعوداً للأسد بأنّ أبو ظبي ستعمل على التفاوض مع واشنطن للتخفيف من العقوبات على سوريا"، مؤكداً أنّ "الانسحاب الأمريكي من المنطقة يعطي مؤشرات للجانب السعودي-الإماراتي بأهمية التفاوض وإيجاد تفاهمات مع إيران، كونها الرابح السياسي الأكبر في المنطقة، بعد هذا الانسحاب".

التحركات العربية والخليجية تجاه سوريا سببها الشعور العربي العام بأنّ الإدارة الأمريكية لن تكون متشددةً مع إيران، وتالياً يتحتم على دول المنطقة أن تفتح جسوراً مع طهران، تحاشياً لردات الفعل والمشكلات التي يمكن أن تفتعلها الأخيرة

وتبقى الاحتمالات كلها مفتوحةً، لكنّ المفاوضات مع طهران تبقى صعبة الوصول إلى نتائج حقيقية، وهذا ما يذهب إليه قنبر، الذي يرى أنّه "من المستبعد أن تتفاوض واشنطن على التحركات التوسعية لإيران"، منوّهاً بأنّ "التحركات العربية والخليجية تجاه سوريا سببها الشعور العربي العام بأنّ الإدارة الأمريكية لن تكون متشددةً مع إيران، وتالياً يتحتم على دول المنطقة أن تفتح جسوراً مع طهران، تحاشياً لردات الفعل والمشكلات التي يمكن أن تفتعلها الأخيرة".

ويضيف قنبر: "في ظل غياب قاسم سليماني، ستكون هناك احتمالات متعددة للوصول إلى تفاهمات حقيقية، والدافع الوحيد لأن تستمر هذه المباحثات يكمن في اختيار المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران الذي يتسيّد الوفد الأمريكي، في المفاوضات النووية مع طهران، ويمتلك سطوةً كبيرة على قرار الإدارة الأمريكية، لكن هذه السطوة قد تتلاشى ما لم تخرج بنتائج حقيقية للحدّ من البرنامج النووي الإيراني، والاحتمالات كلها مفتوحة، وننتظر الكثير من المفاجآت في هذه الخصوص".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard