بين رضا ورضوى، كيف أتعامل مع الموت؟

السبت 8 يناير 202212:41 م

الرحيل، المقبرة التي على الجدران


في نهاية الأسبوع الماضي قررت أن أتخفف من أسبوع مضني من التعب، فما بين تعب طفلتي وضغط العمل الذي بدأت أن أخطو فيه خطوات جدية تفرض علي العمل بجهد مضاعف لأصل إلى ما أريد- العمل بالكتابة- قررت أن أشاهد أحد الأفلام الأجنبية، بالرغم من تفضيلي للأفلام العربية، جاء الحظ على فيلم knowing. لا أعرف أحداً من أبطال الفيلم، ربما أحكي في مرة قادمة عن الأسباب التي جعلتني أمضي جزءاً طويلاً من حياتي لا أشاهد الأفلام، أما ما أود مشاركته الآن هو جزء من حوار دار بين الابن والأب في أحد مشاهد الفيلم، الابن الخائف يسأل والده: "هل سنموت؟" ليجيب الأب المطمئن ابنه: "لن أسمح بحدوث ذلك".

تستوقفني جملة "لن أسمح". هل تلك الكلمة حقيقة أم أنها مجرد مغالاة في التعبير من المؤلف؟ أسرح فأتذكر لقاء للشاعر أحمد فؤاد نجم يقول فيه إنه لم يتخذ قرار الموت بعد، أو على حد قوله وقتها: "أنا لسه مخدتش قرار الموت".

أمتلك حساسية مفرطة تجاه الموت منذ زمن بعيد، يستوقفني ويدهشني، أكثر الأفعال تكراراً في العالم، أحد الأمور التي يجتمع جميع البشر على الإيمان المطلق بها أياً كانت معتقداتهم أو إيمانهم الداخلي أو جنسهم.

قلت إنني أمتلك حساسية تجاه الموت، السبب أن تجربة الموت الأولى التي عايشتها عن قرب كانت الميتة هي أمي، رضا.

تحولات الطبقة الوسطى

ككل طبقة" الموظفين" في مصر، يرى الأب والأم أنه لا مستقبل لأطفالهم إلا بالتعليم والحصول على أعلى الشهادات، كان الاهتمام منذ صغري موجهاً للدراسة فقط، حتى القراءة كانت تتم على فترات متباعدة، تحديداً في الإجازات الصيفية. عدت للقراءة بانتظام ووجدت شغفاً حقيقياً بها بعد أحداث ثورة يناير، حين امتلأت الأرصفة ببائعي الكتب، كانت تلك الأرصفة المكان الأول الذي اشتريت منه كتباً في حياتي، وعندها أيضاً بدأت علاقتي بواحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً فيّ، رضوى عاشور.

كانت رواية فرج أول ما قرأته للكاتبة رضوى عاشور، أشعر بونس حقيقي بعيداً عن الكتابات النسائية المنتشرة عن الحب والفراق، أرى ثقافة حقيقية وأسلوباً إنسانياً فريداً. أقرر أن أبحث عن رضوى لأعرف عنها أكثر.

عندما ماتت أمي عشت التجربة بمشاعر فتاة مراهقة من طبقة اجتماعية يعني موت الأم بها تلميحاً بانهيار الأسرة أو لنقل بتشتتها، الأب يتزوج لأننا من طبقة لا ترى أن الرجل يمكنه أن يعيش دون زوجة، كانت تجربة مريرة وصعبة جعلتني أكره الموت وأكره قسوته في التفكير المطلق برغبته، كنت أرى الموت كياناً أنانياً لا يهمه سواء تنفيذ رغباته وتحقيق ما يريد.

أبحث عن رضوى فأعرف عنها الكثير، أرى الكثير من لقاءاتها التليفزيونية بعد ثورة يناير فأحبها أكثر، أعرف قصة زواجها من العم مريد وحبهما وأعرف عن تميم ابنها. أشعر برابط حقيقي بينها وبيني، وتنشأ بداخلي أمنية أن ألقاها.

"بنت الغالية" هكذا يقدمني الكثير إلى الآن بعد مرور قرابة العشرين عاماً على رحيل أمي، أشعر بغبطة حقيقية لأن الجميع ما زال يتذكرها. وأشعر بسعادة عندما يرى البعض أن ابنتي تشبهها في الشكل، ولكنني دائماً ما كنت أتساءل ما الأثر الطيب التي تركته أمي ليسخر لها الله من يذكرها بالخير بعد كل تلك السنين؟

وداع مبكر

تتلاشى أمنيتي بلقاء رضوى في صباح الأول من ديسمبر عام 2014 بموتها. أتأثر بشدة لوفاة رضوى لم أكن أعرفها وقتها كما أعرفها الآن، الآن قرأت كل أعمالها وبعضها قرأته عدة مرات، الآن سمعت كل لقاءات مريد وعرفت عنها أكثر، الآن زارتني عدة مرات في المنام، الآن قرأت عنها من كل من عرفها سواء في ذكرى ميلادها أو ذكرى رحيلها، الآن أنا أعرف رضوى أكثر، لكنني في حين وفاتها لم أستطع أن أتغافل عن القدر الذي اختار يوم رحيلها نفس يوم مولدي.

أمتلك حساسية مفرطة تجاه الموت منذ زمن بعيد، يستوقفني ويدهشني، أكثر الأفعال تكراراً في العالم، أحد الأمور التي يجتمع جميع البشر على الإيمان المطلق بها أياً كانت معتقداتهم أو إيمانهم الداخلي أو جنسهم... مجاز في رصيف22

"أحلى مربى فراولة كلتها كانت من أيد طنط رضا الله يرحمها"... هكذا تذكرني دائماً رنا التي أصبحت الآن دكتورة أسنان، وكانت لم تتجاوز الخامسة عندما أكلت ساندويتش المربى التي صنعتها أمي، ولكنها لم تنسى أمي إلى الآن.

زارتني رضوى عدة مرات في المنام. ذات مرة كنا في مكتبة ومرة أخرى جاءت لتعطيني كتاباً لم أتذكر اسمه بعدما استيقظت، ولكن المرة التي لن أنساها، عندما نمت بعد ليلة طويلة من التفكير والبكاء عندما رفض أحد الكتاب المشهورين مقالاً لي، وجاء الرد بأنني لا أمتلك أي موهبة وأن "الشغلانة لمت". جاءتني رضوى يومها لم تتكلم معي، ولكنها ابتسمت لي فقط وأهدتني ورقاً، استيقظت بعدها من النوم أردد: "قبلت البشرى يا رضوى".

بقيت أمي محفورة في ذكريات كل من عرفها. تركت أمي بعد رحيلها حبل ود حقيقي وبسيط متغلغل في أدق التفاصيل لمن عرفها وعاشرها، يتذكر الجميع أمي في كل الأفعال، يفتقدونها في الأفراح وتتذكرها زوجة خالي في زفاف ابنها الأكبر، ويتذكرها جيراننا في حفل زواجي وعندما يباركون لي حملي الأول ويتشاركون معي أحداث حملها بي، وتتذكرها طنط سحر عندما يهاجمها النمل في فصل الصيف، لتخبرني أن أمي هي من أخبرتها عن وضع "برو الصابون" في الجحور لتمنع خروج النمل منها.

أصبحت عندما يأتي ذكر الموت ينسحب عقلي لأمي بالطبع ثم تأتي رضوى عاشور، أعتقد أن ذلك بسبب النضوج والتفكير بعقلانية أكثر واختياراتي الشخصية التي ربطتني بعالم الكتابة، والاهتمام بإزالة الآثار السيئة للموت من تجربتي الأولى عندما فقدت أمي... مجاز في رصيف22

كثيراً ما أفكر في الرابط الذي يجعل رضوى تمر بذاكرتي عند أي حديث عن الموت، من المتوقع أن أتذكر أمي لكن لماذا رضوى؟ هل هو التشابه بين اسميهما فأمي "رضا" وتلك "رضوى"، أم السبب في ما فعله بي موتهما بالرغم من اختلاف الظروف والأماكن؟ ربما يختلفان في كل شيء لكن كلتاهما أحدث بداخلي تأثيراً عميقاً في فكرة الموت.

موت وفقدان

لعل أخطر ما أحدثه موت أمي بداخلي أنه أفقدني القدرة على التعبير عن الحب، هذا ما أعرفه الآن. كنت شخصاً شديد العصبية، متقلب المزاج بشكل دائم، شخصاً حاد الطباع، الآن عرفت بعد أن اهتممت بصحتي النفسية وحاولت فك طلاسم تلك الأفعال غير المبررة بأن كل تلك الأفعال كانت وسائل دفاعية مني لعدم رغبتي في التعلق بشخص قد يأتي الموت رغماً عنى وعنه ليفرقنا، خسرت العديد من الأصدقاء وعشت في توتر دائم وإحساس بالوحدة لا ينقطع.

تغير الوضع الآن، فأصبحت عندما يأتي ذكر الموت ينسحب عقلي لأمي بالطبع ثم تأتي رضوى، أعتقد أن ذلك بسبب النضوج والتفكير بعقلانية أكثر واختياراتي الشخصية التي ربطتني بعالم الكتابة، والاهتمام بإزالة الآثار السيئة للموت من تجربتي الأولى عندما فقدت أمي.

في مقدمة كتاب" العادات السبع للناس الأكثر فاعلية" يضعك الكاتب أمام اختبار محدد يساعدك في اختيار أهدافك في الحياة، يسألك سؤالاً: "ما الأشياء التي تريد أن يقولها الناس عنك بعد مماتك؟". الإجابة على هذا السؤال هو ما يجعلك تعرف الحقيقي من المزيف وتعرف أهدافك الحقيقية ومن ثم تتحرك تجاهها.

أعتقد أن رضا صاحبة التعليم المتوسط ورضوى الأستاذة الأكاديمية جاوبت كل منهما على السؤال بطريقتها، أعتقد- أو هذا ما أراه- أنهما اختارتا أن يتركا أثراً طيباً في نفوس كل من يقابلهما، أن يتركوا ونساً حقيقاً حيثما ذهبوا وأينما حلوا... ببساطة أعتقد أن كلتاهما اختارتا أن تكونا في الصف الإنساني دائماً، أن تنحازا للجانب الإنساني، سواء في مساعدة جارة في حياكة بعض الملابس أو الإعلان عن رفض سياسات التطبيع.

لم تتحدث أمي الكثير بلغة العالم الذي تغيرت لغته عدة مرات منذ أن رحلت، لكن أمي تركت وداً حقيقياً في قلب كل من عاشرها، لم تبخل بنصيحة ولم تترفع عن تقديم المساعدة إن قدرت عليها، أمي لم تحافظ على الباقي من صحتها المتدهورة باستمرار في سبيل الذهاب إلى زيارة مريض أو شد أزر شخص محتاج. أمي كانت إنسانة وكان هذا يكفي.

ورضوى أيضاً تركت أثراً في كل مكان وضعت فيه، تركت الأثر الطيب مع طلابها في الجامعة، وتركت الأثر في مقاطع منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث فيها بإنسانية ودون مواربة عن الحق، وتركت كتابات عرفتنا على غرناطة ومجازر الأعداء في لبنان، وتركت كتابات ربطتنا بها أكثر في "أثقل من رضوى". كانت رضوى إنسانة وكان هذا يكفي.

الآن أتعامل مع الموت على أنه سبيل جديد للحياة بإنسانية، فإذا علمت أن الموت نهايتي فلتكن السيرة الطيبة هي الإرث الذي أتركه، الأثر الطيب في كل ناحية من نواحي الحياة. لا يهمني التفكير في من يتخذ قرار الموت، فأنا لم أعش تلك اللحظة لأجزم بها، لكنني أستطيع أن أجزم تجربة رضا ورضوى في الموت علمتني أن أبسط الأشياء تترك أثراً لا يزول.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard