اسمع يا حسن... لإيتيل عدنان

السبت 27 نوفمبر 202111:20 ص


الجوار

إيتيل عدنان، شاعرة وفنانة تشكيلية سورية، (تقول ويكيبيديا إنها لبنانية، ويذكر ذلك في أغلب المقالات عنها في شوفينية مرهقة، بينما تقول بوضوح "أنا دمشقية يونانية" في حوارها مع الشاعر نوري الجراح) تكتب بالإنكليزية، عاشت خارج سوريا ما يزيد عن أربعين عاماً، توفيت في 14 نوفمبر الماضي.

النص المنشور هنا نشر أول مرة في مجلة "شعر" العدد 41 عام 1969. ومكتوب بالإنكليزية بلغته الأصلية. ننشره مجدداً كتحية لروحها العظيمة، وهو حسب علمنا لم ينشر مرة أخرى. نحتاج أن نقرأه لنجد صورة دقيقة لنوع من التبصّر لصورتنا الحالية. نص مدهش وبريء عن دمشق القديمة التي أفضت إلى دمشق المعاصرة، وعن الكآبة والشمس والجنون، وعن الكآبة التي تدفع الشمس إلى الجنون.


هذه الشمس التي تغلي تدفعني إلى الجنون. فأنا أفتقد كاليفورنيا، وقد جئت إلى هذه البلاد لأتخلّص من دولارات مزيفة. هل أنت مصغ؟ أعطيكم دولارات رديئة مقابل نقود جيدة، وأن النقود يمكن أن تكون جيدة. في الوطن يقولون: حافظوا على خضرة كاليفورنيا. والجميع يضحكون لأن الدولار هو أخضر ويراه الناس في كل مكان. التلال مغطاة بذلك السراب الأخضر. نعم، يا حسن، لقد جئت لأغطي سوريا بنقود زائفة.

أفتقد كاليفورنيا يا حسن: رائحة البنزين والأرضية المهتزة لمدنها الصغيرة وتلك الطرق التي كنت أندفع عليها، وبجانبي فتاة. كل يوم فتاة جديدة، عندما كنت في الرابعة عشرة، لقد كنت رجلاً، في الرابعة عشرة يا حسن. والآن فالنساء بالنسبة لي ميتات.

تدفع شمس دمشق الحامية بمساميرها في رأسي. والبوليس الأعمى هنا يملك عليّ حواسي. وفي الوطن، رجال البوليس سريعون. وهم يتحركون على دراجات بخارية عنيفة. إنهم رياضيون، ولهم أنف مرهف وسرعة تكمن في كل خلية من خلاياهم، وهم يشربون الخمر بكثرة.

اليوم، كان بودي لو أن كاليفورنيا وجود من لحم أستطيع أن أتنفس أو أحطم يدي تلقاءه. وددت لو أنها في هذه الغرفة. إنها تفوح برائحة المرائب والكلاب غير المغتسلة، إلا أنها طفولة سعيدة.

ليس للإنسان أصدقاء في بلادي يا حسن. للمرء أصدقاء صدفة. إنك تحدّث من شئت. وفي مدينة دمشق هذه أتجوّل في دوائر وأنتهي وحيداً في سريري. لا أحد أشاركه عرقي، لا أحد ألصقة بجلدي. إنني أكره الاغتسال يا حسن، فمع كل دوش آخذه أشعر بأن عريي قد زاد قليلاً، ووحدتي قد زادت قليلاً.

ليس للإنسان أصدقاء في بلادي يا حسن. للمرء أصدقاء صدفة. إنك تحدّث من شئت. وفي مدينة دمشق هذه أتجوّل في دوائر وأنتهي وحيداً في سريري. لا أحد أشاركه عرقي، لا أحد ألصقة بجلدي. إنني أكره الاغتسال يا حسن، فمع كل دوش آخذه أشعر بأن عريي قد زاد قليلاً، ووحدتي قد زادت قليلاً... إيتيل عدنان في مجاز

حتى الآن تخلّصت من محفظة واحدة، محفظة كبيرة تضم في بطنها الملايين. المال قذر بما يكفي وحين يكون زائفاً فهو سمّ خالص. في هذه المدينة الأكثر قدماً بين المدن، تلقحت أنا، تواً. وبعد ذلك سأكون حراً. ينبغي لي ألا أشتغل ثانية أبداً.

هذه الشمس الحامية تغيظني. إنها تستحضر في داخلي كراهية ليس لها موضوع. إنني بحاجة إلى الكراهية يا حسن. فأنا أقضي ساعات، أياماً، ليالي، وأنا أطوف في دوائر. وعندما لا تكون حاضراً لتترجم لي من الصحف العربية، لا يكون لدي شيء أعمله. وما أن ينزل ما في المحفظة إلى السوق، حتى أكون قد خرجت.

يكفيني بلداناً عربية. لقد انتهيت من البلاد العربية. كلا، لا آسيا ولا أفريقيا أريد. أريد أن أذهب إلى الوطن وأشتري سيارة من تلك السيارات وأقوم بغسلها كل يوم... وربما زوجة... إحدى هاته النساء الوقحات والجامدات تمضغ لي هويتي.

أنا أحبّك يا حسن، لأنك صامت. ففي الوطن يتكلم الجميع. لكل واحد ما يقوله عن المناخ. أما أنت، فتستطيع أن تسكت. جعلتني أحب الصمت، وأنت تتركني أحدثك، فتسبح في كلماتي ولا تهجريني. لقد غسلن يديك باعتناء بعد أن فرقت دولاراتي، وعند ذاك عرفت بأن لي فيك صديقاً حقيقاً.

إنك لا تردّ يا حسن. أنت مثل العرب جميعاً: فلهم عيون معبرة لا يمكن الإنسان أن يقرأ فيها شيئاً واحداً. ربما كان وهماً ما تعبر عنه. أو لا شيء. وربما كنتم شعباً ينظر إلى عدم ما

علمتني دمشق ما يمكن أن يكون عليه الحب في فوريته. لم تكن لي ارتباطات بها ولا ذكرى. ما أحببته كان الشوارع الضيقة الفائحة برائحة الجبن، والأسواق الفائحة بول الجمال، والنافورات الفائحة بالطين. تعلمت فيها الرغبة في أن أكون طائراً، كلباً، حماراً. رأيت بعيني هاتين، الخيط الرفيع الذي يفصلنا عن الحيوان، إذا كان هناك خيط ما. لا حيوانات في بلدي. فهي قد سبق موتها وتقطيعها وتعقيمها إذ نلتقي بها.

عندما بقيت هناك يوماً بعد آخر، دون أن أمارس الحب، ارتبط شيء ما في بالمدينة. إن المدينة هي التي تشبع الآن ذلك التحرّق الذي يقطن أعضائي وعيني. فأهالي دمشق يخبئون زوجاتهم، بينما أن ما اشتهر هو مدينتهم. لقد جلبت إليهم أوراقاً نقدية محملة بالجريمة، فشغلهم حبها. وبالمقابل، منحوني هم عصوراً مطبوعة بذات التراب الذي أتنفسه.

إلهي، لكم استفظعت المدينة عند مجيئي. الذباب على اللحم المعلق، الأطفال ذوو العيون المريضة، المتسولون. وقلت لنفسي إنني لا أتعامل مع أناس، بل مع جيش من الهوام. فهناك، في الوطن، كل شيء نظيف.

قابلتك يا حسن في السوق عندما عرضت نفسك كمترجم لإرادتي. وفي عينيك الحزينتين رأيت أنك بحاجة إلى مال. وبدا لي أنك تشتهي كل شيء دوماً بلا رجاء. كذبت عليك عندما تظاهرت بأنني أضعت السبيل إلى غرفتي. أردتك أن تأتي لتخدم خططي، وكنت سأخدم رغبتك في امتلاك الأشياء. ومذاك، أنت مفسّري، وأنت بين بوليس بلادك وبين محفظتي. عندما أكون قد صببت جميع الأوراق القذرة في السوق سأعطيك نقوداً حقيقية، نقوداً سيمكنك أن تشتري بها الأشياء التي تريدها بلا خوف.

أول ما لاحظته في دمشق يا حسن، هو الشمس. فلنورها ألق ذهبي تجاهلته. إننا نحب السماء في كاليفورنيا وأطفالنا يشترون كتباً فلكية. وإذ ليس لدينا ماض حقيقي، فإننا نحاول غزو فضاء أكثر هولاً من أي شيء آخر عرفه العالم. نحن نحب الكواكب، يا حسن، حتى لو أننا نادراً ما ننظر إليها. لقد فكرت دوماً بأن الشمس أميركية.

اكتشفت شمساً صفراء غريبة على ظهائر كالفورنيا، حتى أنه تملكني، وأنا أكتشف ذلك، جنون أن أقرر بأنني سأستقر في دمشق إلى الأبد. واستمر هذا أسابيع عدة. ورويداً رويداً، مثل مصل سام، ولجت الشمس ذهني وأخذت مكانها في دماغي الخاص. والآن يا حسن، فإن لي عدواً. لا أعرف، بعد، من ذا أحب، ولكنني أعرف ما أتفاداه. فأنا أهرب من الشمس.

اليوم أنا مريض بوجه خاص. إنني بحاجة إلى تشرينات كالفورنيا، إلى إحدى تلك الأمسيات البطيئة التي تلي فورة لعبة كرة قدم رابحة. إن فتياتنا، بأسنانهن المثالية، في تلك الليالي، لدنات وهن في السيارات، فشخصية كل سيارة تأسرهن كعقاب.

وفي مدينة دمشق هذه لا نصر أستطيع المشاركة فيه. وأنا لا أرى أي نصر.

لماذا يرددون لي دوماً أننا وطن فتي؟ فما نحن أكثر فتوة من العالم ذاته. أعرف ذلك، فغالباً ما رأيت حفرة كبيرة، أمامي، وأنا أسوق على طرقات كاليفورنيا. كنت في حوالي العشرين عندما بدأت أرى تلك الحفر. ربما هذا هو سبب سفري.

افتح الراديوـ، يا حسن. لا، لا صلوات أيضاً. جد لي شيئاً من الجاز يا حسن، واخرج. سأراك غداً.

حسن، بحثت عنك بجنون. ذهبت إلى بيتك فصفق والدك الباب في وجهي. لم يكن هذا من عادتهما. وتبعني أخوك الصغير، مبرزاً لي لسانه. حاولت أن أطاله، فهرب وهو يصرخ.

حدث شيء فظيع. الأحد، خرجت في مهمة. سرت بمحاذاة النهر. كان فيه ماء قليل جداً. مجرى أكثر منه نهراً. بلغت السوق وعبر المسجد وأبعد بقليل.

حسن، ما الذي تفعله النساء عندما لا يكن متزوجات؟ إلى أين يذهبن؟

يبدو أنهن يلازمن بعضهن بعضاً، ناظرات بعضهن إلى بعضهن. ما الذي يفعلنه بهذه الكثرة من الصمت؟ يبدو وكأنهن ينظرن إلى كل شيء بازدراء.

الأحد، في ما بعد الظهر، كان الطقس حاراً. وعندما يكون الطقس حاراً، يا حسن، يبدأ تفكيري بالفتيات. لا أحب أن أكون وحيدة عندما ترتفع درجة المحرار. وكانت الشمس تلتهب. كان عدوي منتصراً في السماء. عندما يكون الطقس حاراً فجسد المرأة غدير.

أفتح الراديو. الجاز قطرة ماء في هذه الصحراء. يقولون لك إن الجاز بارد، وأنا أقول إنه كالخمر. يبدأ بارداً وسرعان ما يشتعل في عروقك بعد لحظات. أعرف أشخاصاً في وطني كانوا يقولون أشياء فريبة حين ينزرون إلى هذه الأبراج. غريبة هذه المآذن بصلواتها المسجلة.

حسن، لست أعلم كيف ستتقبل ما سأقوله لك، كان الأمر فظيعاً. لن أقدر على ملامسة امرأة بعد الآن. سيكون عليّ أن أغتسل وأن أغتسل. وجدت بيتاً صغيراً. غرفة مربعة على سقف مخزن، في السوق، في نهاية الشارع يمين المسجد. قالوا لي إنني يمكنني إغواؤها، وإن من يتولى أمرها هو أخوها نفسه.

ستنال هذه المدينة جلدي. دخلت إلى تلك الحفرة الكبيرة، تلك الغرفة المعتمة، فوجدت البغي قتيلة وهي لا تزال جالسة على كرسيها، منكفئة إلى الوراء. وأخبروني أن من قتلها هو أخوها. فكل النقود التي كانت تجلبها مؤخراً كانت أوراقاً مزيفة. وفي عضبه سحقها. أعتقد أننا نحن القاتلان... وما زالت لدينا محفظة مليئة بتلك النقود.

ربما كنتم شعباً من البُله يستورد من بلادي أسوأ ما يمكن أن نعطي: آلاتنا، تبغنا، موادنا الميتة. كنت آمل سراً أن أجد هنا ملجأ لحياتي. من المحتمل جداً أنني جئت إلى هنا باحثاً عن شيء آخر غير المال

بحثت عنك في كل مكان. راغباً في أن أكلمك، أن أراك. أردتك أن تجد لي بعض الخمر، وأن ترعاني فيما بعد.

أتسمع الراديو؟ كنت في الرابعة عشر عندما كتب ألينغتون هذا اللحن. كنت يا حسن رجلاً في الرابعة عشرة مليئاً بالشجاعة، خيالياً. وكنت أقيم وحيداً، وعندي مسدس صغير في العلية. وكنت أصفرّ الأغاني الشعبية، كان هناك بار في علبة موسيقى، وكنت أجلس على الرصيف منتظراً أن يدخل الناس ويخرجوا لتخرج معهم الموسيقى إلى الشارع. وكنت لأقتنص المقاطع. أما الآن فهناك مرآب في ذلك الركن.

حسن. كيف لا تستطيع حتى أن تكرهني. إنك لا تقول شيئاً. أنا لست حزيناً حقاً بسبب المرأة الميتة، ولكن من الآن فصاعداً سأرى صورة رعب مرتسمة على وجه كل امرأة. ليس الأمر أنني أهتم لهن، يا حسن. فليس هناك سعادة كبيرة فيهن بالنسبة لي، لكن كيف أمارس الحب مع شيء مفزع؟

كنت أتمنى لو أننا انتهينا من هذه النقود، هل ندمرها؟ لكنني لا أستطيع أن أفعل هذا، فسيعتقد الذين بعثوا بي إلى هنا، أنني سرقتها، وسيأتي انتقامهم عاجلاً.

أول ما لاحظته في دمشق يا حسن، هو الشمس. فلنورها ألق ذهبي تجاهلته. إننا نحب السماء في كاليفورنيا وأطفالنا يشترون كتباً فلكية. وإذ ليس لدينا ماض حقيقي، فإننا نحاول غزو فضاء أكثر هولاً من أي شيء آخر عرفه العالم... مجاز في رصيف22

حينما بدأت أعمل لحساب هذه العصابة فكرت أنني سأتركهم حالما يصبح لدي مال كاف يتيح لي ذلك. وسواء كان المال حقيقياً أو زائفاً، يا حسن، فما هو غير قطعة ورق. ولنا، نحن الأميركيين، فإنه يأخذ موضع أشياء كثيرة. فهو نوع من الأفيون، يا حسن، مخدر لا يراه البوليس.

في باب مدرستي الثانوية كان هناك فتى مكسيكي يبيع الماريجوانا. لم أستسلم له قط. ولكنني فيما بعد، عندما حصلت على عملي هذا في دمشق رأيت المكسيكي بمخدره، وشعرت بأنني في نوع من الحلم، نوع من التبرير... تبرير أشياء عديدة.

إنك لا تردّ يا حسن. أنت مثل العرب جميعاً: فلهم عيون معبرة لا يمكن الإنسان أن يقرأ فيها شيئاً واحداً. ربما كان وهماً ما تعبر عنه. أو لا شيء. وربما كنتم شعباً ينظر إلى عدم ما.

ربما كنتم شعباً من البُله يستورد من بلادي أسوأ ما يمكن أن نعطي: آلاتنا، تبغنا، موادنا الميتة. كنت آمل سراً أن أجد هنا ملجأ لحياتي. من المحتمل جداً أنني جئت إلى هنا باحثاً عن شيء آخر غير المال.

أحب وجهك يا حسن. عيناك بنيتان وحزينتان. أما العيون التي أتذكرها من بلدي فهي عيون كلاب صودفت هنا وهناك. إن أكثر ما رأيت في أميركا إنسانية هي وجوه الكلاب. لا تأبه يا حسن. فأنا لا أهين أحداً، إنني أحب كاليفورنيا. وهذه ليست غلطتي إذا كانت الكلاب تؤثر بي.

هذه الأغاني العربية التي لا تتوقف أبداً، هي أقرب ما يكون إلى جازنا. لكن الجاز شيء آخر، إنه يمنحني السلام وأغانيكم تجرّني إلى الجنون. إنها تجعلني أصرخ. هناك في الوطن، يا حسن، يدخل رجل إلى بار ويجلس مع أي كان، ويسرد سيرة حياته... أما هنا، فليس لي غيرك، أنت يا من أفسدته... ومع ذلك تنظر إلي بعينين ممتنتين.

منذ أن رأيت هذه المرأة، هذه المجزرة، لم أعد أفكر إلا في شيء واحد، الذهاب. وكل ما تبقى من الأوراق المالية سأعطيك إياه.

تدبر أمر كلينا، وسوف أتقاسم معك. كنت أعتقد أن ألينغتون يمكنه أن ينشلني من أي شيء. لكن تلك الموسيقى، الليلة، أكاد لا أسمعها. تلك النغمات، كيف أقول، ذلك الأرجوان الذي تحمله، بترف، سأفكر بأن دمشق قد قضت عليه إلى الأبد.

حسن، أنت لا تعرف ألينغتون. إنه رجل. وهو يأخذ النغمة ويجعل منها مخملاً. في الرابعة عشرة كنت على استعداد للموت من أجله. كان يعطيني نشوة لم تعطني إياها امرأة. وهناك ترف في موسيقاه أكثر مما في كاديلاكات الشارع الخامس. وهناك الليل برمته في أوركستراه، كما أن فيها جميع النسوة التي يمتلكهن المرء في حياته.

لدمشق تلك الشمس اللقيطة التي هزمتني. وفيها رائحة الجمال، رائحة الغزلان. إنني لم أمسك بوجوه نسوتها بين يدي. فبالنسبة إليّ هي مدينة جافة بأكملها. في البدء أحببت مصابيحها الكهربائية العارية، وسوقها لبيع الجلود، ومراهقيها الذين يتحدّونك وهم يسيرون. لا بد أن دمشق حافظت على بقائها بقدرتها على الازدراء. لكنه ازدراء لدي منه الكثير ضد نفسي.

حسن، أبعد عني هذه المحفظة. افعل بها شيئاً ما. سأمنحك نسبة مئوية أفضل. والآن عليّ أن أذهب لأتناول طعام العشاء مع قنصلي. ينبغي أن يستمر على جهله بأي شيء. سأراك غداً.

هذه الشمس التي تغلي يا حسن. أود لو أنك تبعدها عني. وهذا الضوء المصفرّ على الحجارة سيخدرني ذات يوم. أعجب كيف أنكم جميعاً تستطيعون السير بعيون مفتوحة في هذا النور الفظ.

بعثت إليهم ببرقية أخبرهم أن العملية نجحت. من يدري من ستكون ضحيتنا المقبلة. كلما لمست مالاً حاولت أن أتخيل حياة الذين سينفقونه.

سأكون في بلدي قريباً يا حسن، فأنا إنسان غني. إنني غني حتى لو أنني لست إنساناً تماماً. إنك غني أيضاً يا حسن. وما زلت تبدو كئيباً. لم يتبدل وجهك. بل إنه تبدل. نعم، قليلاً، في نظر من يعرفك جيداً. لو أنه توجب أن يفعل الأمر ثانية، لو كان لي أن أراك بوجهك الحالي، فلا أعتقد أنني سأصحبك معي إلى غرفتي في الفندق. إنك شيء أقرب لما أدعوه صديقاً.

مادامت الأموال جميعها أصبحت في السوق، فأنني أشعر بالعري. لا بمزيد من السعادة. وها أنا الآن عائد إلى بلدتي الصغيرة في كاليفورنيا، إلى سمائها الحديدية، وزواياها المستقيمة، وسأشتري هناك زوجة وجيراناً. فشوارعنا لا تداجي كشوارع دمشق. فالمرء فيها يعرف إلى أين تؤدي.

وأنت يا حسن، ستبقى هنا. ولبضع سنوات أخرى ستلعب مع أخيك الصغير. سيكون له رداء النوم نفسه. ولن تخبرهم في البيت أنك غني. ستبدأ بذكر عمل غير حقيقي، ورويداً رويداً تريهم قوتك الجديدة. ستصغي إليك أخواتك وأمك ستباركك. ستقول لك بأن الله اختارك.

لا أعلم ما سأفعله حين أعود، فالشهور القليلة التي قضيتها هنا قد أضاعتني. لقد كان جنودنا العائدون من اليابان وكوريا يفتقدون ذينك البلدين بينما هم يكرهونهما أيضاً. كانوا جميعاً يقولون بأن أميركا تبدو فارغة. لكنني لم أفكر قط بإمكانية وجود أي شيء، في مكان ما، لم يصبح لنا.

لا مساجد في مدننا، بل فيها أنواع عديدة من الكنائس. وهناك أنصاب لم أحببها قط. الطرق ليست فوضى كما هي هنا، والأحياء الشعبية لا يرتادها أحد. فليس هناك ما يعمل. نعم، إنني أتذكر أمسيات ضجر طويلة. إلا أن هناك على الدوام باراً تستطيع فيه أن تتحدث إلى أحدهم.

في برقيتي أخبرتهم أيضاً أنني نفضت يدي من هذا النوع من الأعمال. لقد قمت بواجبي. قلت، ولم يعد هذا الشيء يثير اهتمامي بعد أبداً. دعنا نحتفل هذه الليلة بإثرائنا وحريتنا. لسوف أشتري أي شيء كان ونلقي به في المهر. هذا اليوم يا حسن، هو يوم عيد.

قريباً سأكون قد ذهبت. فلينته عندي ذكر البلاد العربية. كانت لي فيها تجربة غريبة أريد أن أنساها. لسوف أفتقدك. أين سأجد شخصاً له عينا حيوان أصيب بأذى كعينيك؟ أين سأجد شخصاً يصغي إلي ويتركني أتكلم، شخصاً له وجه يقظ وحزين كوجهك. إنني أدير ظهري إلى بلادك يا حسن. كفاني

حسن، هذه بداية المساء. لو لم يكن الجو حاراً هكذا، لخرجنا في هذه اللحظة. لكن انظر، إن عدوي في السماء يبدو وهو يرتعش كانعكاسة نهر. هذا الوقت غريب حقاً. أنا خارج يا حسن، خارج لأسلّم نفسي إلى البوليس، ذلك البوليس الذي أمقت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard