أرقص كمن ترتدي روحاً ملونة

السبت 13 نوفمبر 202112:48 م

 نطفو على قدم من هواء


فتاتان في ثوب

كانت طفولتي غريبة، شعرت بشخصيتن داخلي: الأولى لفتاة تلتف بالعادية، يزينها المألوف، يُغريها السمع وتجذبها الطاعة، فلم أكن أحب ملابس الجينز رغم شراء أمي الدائم لها، فور ارتدائها تيبس جسدي، سمعته يسبني، يستغيث بي لأحرره من ضيقها وأنتشله من سجنها، أما الثانية تريد كسر النمطية والتحرر من التقليدية.

ذات يوم باغتت عيني ملابس من بعيد، كانت جبونة قصيرة بيضاء، وبلوزة مثلها حليبية اللون، وجورباً وحذاءً كالثلج النقي، لم أشعر بنفسي إلا وأنا داخلها، كنت ملكة على عرشها، فأنا خلقت "بالرينة"، والبالية خُلق لي.

نظرتُ أمامي كأنني أعرف وجهتي، نقطة واحدة ركزت عليها، شددت قوامي، تنفست بعمق، منحت نفسي ثقة وثباتاً، مشيت على أطراف أصابعي، رجلاي متجاورتان، ثنيت ركبتي قليلاً، ثم دفعت الأرض بكل قوة وقفزت للأعلى بتمايل، ارتفعت في الهواء، كأنني أرتقي عن الأرض وألامس شيئاً بعيداً عن يدي.

شعرتُ كأنني طائرٌ محلقٌ في السماء، رجلاي لا تلمسان الأرض بل تلامسان السحاب، كنت أشعر بالتخفف في الهواء، مع كل تمايل وحركة تخففت حتى أصبحت ريشة تحملني الرياح، وقتها شعرت بنشوة لم أتذوقها من قبل، تشبه إحساس الطيران.

عندما أشاهد رقص سهير زكي أتساءل كيف تحول جسدها إلى موج بحر، تتمايل أمواجه برشاقة ودلال كأنها لا تلمس الأرض، إنه سحر التهادي والتبختر على الألحان والنغمات الإيقاعية التي تشعر الجسد باللين والدفء والانسيابية... مجاز في رصيف22

في المناسبات العائلية أشعر بالتخشب إن طلب مني أحدهم الرقص؛ لم أخلق له لكنني خلقت لتذوق هذا الفن الذي يحول الفرحة إلى حركات إيقاعية ملموسة على الأرض، بإمكانك أن تبتسم فور رؤيتها، شعور بالليونة والتمايل، خفة وحيوية ونشاط، طاقة تندفع من قلب صاحبها إلى جسده، تدب فيه روحٌ مشتعلةٌ بالحركة بعد السكون والخمود والركود والجلوس ساكناً.

عندما أشاهد رقص سهير زكي أتساءل كيف تحول جسدها إلى موج بحر، تتمايل أمواجه برشاقة ودلال كأنها لا تلمس الأرض، إنه سحر التهادي والتبختر على الألحان والنغمات الإيقاعية التي تشعر الجسد باللين والدفء والانسيابية.

علّي صوتك بالغنا

حكت لي صديقتي ذات مرة أنها ذهبت إلى عرس خطيبها السابق، لتبارك له، ذكرتني بنظرة ياسمين رئيس في فيلم فتاة المصنع لمحمد خان، إنها النظرة المتمايلة مع تمايل جسد هيام، كان الهدوء يتقافز من عينيها مع رقصها الرشيق كأنها تعلن تخففها وتحررها من حبها لصلاح الذي تنصل منها متحججاً بأنها كانت نزوة عابرة في حياته. رقصت وقتها هيام بخفة في حركات انسيابية مع صوت منير في الخلفية:

دنيا تدور مهما تدور ما هي بتدور سواقينا

في عشطنا في ألمنا ما بتنساش تداوينا

لينا الحب لينا قبل الجراح ما تدق بابنا.

عندما أسمع محمد منير يغني: "ترقص؟ أرقص، غصب عني، غصب عني، غصب عني، أرقص، ولا انهزام ولا انكسار ولا خوف ولا، ولا حلم نابت في الخلا، في الخلا، علي صوتك بالغنا، لسا الأماني ممكنة، ممكنة".

أشعر برغبة في الهروب من الدنيا الضيقة إلى البراح الواسع، العالم الرحب الذي أنا بالتأكيد مجرد ذرة صغيرة تسبح فيه، أدوس على أحزاني، أركلها بعيداً إلى خارج حدود المجرة، ورغم أنني لا أجيد الرقص إلا أنني أجد جسدي يتمايل مع الأغنية تلقائيّاً، كأنه يعلن رغبته هو الآخر في التخلص من الهموم والضغوط والأوجاع، يقول لي: انطلقي، تحرري، عيشي!

"وحياة قلبي وأفراحه، وهناه في مساه وصباحه، مالقيت فرحان في الدنيا، زي الفرحان بنجاحه"، الأغنية التي غطت فيها نشوة الانتصار على صوت عبد الحليم، لذة النجاح التي نشعر بها جميعاً عند وصولنا لهدف طالما لهثنا سعياً وراءه، يغمرنا الفرح للدرجة التي تجعلنا نتراقص أمام الجميع كأننا نقول: لم يكن الأمر سهلاً لكننا فعلناها، لقد نجحنا! بصوت عالٍ يدغدغه الحماس، وتملأه السعادة، وترقص أجسادنا دون إرادة منّا مهما سيطرنا عليها لا نستطيع.

كان مغمض العينين لكنني أقسم إنه كان مبصراً بشيء ما، ربما هو وحده من يراه، كانت ملامحه تتغير كل ثانية، وتتسع ابتسامته كاتساع الدائرة التي يدور فيها... مجاز في رصيف22

عندما شاهدت لأول مرة درويشاً بساحة مسجد السيد البدوي بإحدى حضرات الذكر الصوفية، يلبس تنورة بيضاء، يدور حول نفسه، يغمض عينيه، ويهيم، يذوب في مكانه، كأنه لم يعد معنا، ذاب كما تذوب ذرات الملح في كوب ماء، هو أيضاً كان ذرة تسبح في عشق خالقها. رقصه عبر وقتها عن تحرر روحه من قالب جسده الطيني الجامد، وعن رغبتها في الطيران والتحليق للقاء بارئها حبيبها.

كان مغمض العينين لكنني أقسم إنه كان مبصراً بشيء ما، ربما هو وحده من يراه، يقولون عنها "العين الثالثة"، كانت ملامحه تتغير كل ثانية، وتتسع ابتسامته كاتساع الدائرة التي يدور فيها، والتي من كثرة اتساعها تشعر كأن المكان كله غير قادر على احتواء دورانها، عندها تصبح رقصة الدرويش في حب خالق الحب رغبة في نيل محبته ورضاه، لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار، يكون هنا رقص العشق الإلهي، رقص حرارة الوجد.

رحيل راقص

في يوم غائم، حزنت الشمس، إذ كانت تودع روحاً معطاءة، إنسانة كريمة جمعت بين لين العجين وتخمة الطبيخ، كانت ترش طيبتها وحنانها على الجميع كما ترش السكر على فطائرها، والشمر في خبيزها. رحلت أيقونة الأرواح، وشعاع الرحمة الممتد عبر الفضاءات، ومع غياب بسمتها غربت ابتسامة النعناع ورائحة الريحان للأبد. لم أذرف الدموع وقتها. فكرت في جسدها الذي قبع لسنوات على كنبة الغرفة، جسدها الذي تحمل عناء سنوات من المرض، إذ كانت تعاني ربواً مزمناً. لم يجعلها قادرة على الحركة من شدة ضيق التنفس الذي لم يكن متاحاً سوى بالبخاخات وجلسات التنفس، وأدوية موسعة للشعب الهوائية، كنت أسمع صوت خشخشة ذرات الدواء داخل البخاخة، يتبعها صوت خشخشة صدرها، كأن ذرات الهواء ترقص داخل رئتيها متحدة مع الدواء.

ذكرتني وقتها تلك الأصوات بسنواتها السالفة التي قضتها تعمل بقوام رشيق نشيط، تغلفه الطاقة والحيوية التي كانت توزعهم بين المهمات المنزلية والأمور العائلية والاهتمام بكل تفصيلة تخص ابنتيها وزوجها، بجسد يركض بين النزول مبكراً للسوق، وتجهيز الطعام والطبيخ والغسيل وغيرها من أعمال البيت، كانت تذكرني بالبطلات الرياضيات في عروض الأوليمبيات وهن يركضن لنيل الجائزة، بينما هي كانت تلهث من أجل أسرتها بكل حب، كنت أرى وقتها جسدها راقصاً على حبال الأيام ليفوز بابتسامة رضا لأبنائه.

عندما مرض ذلك الجسد فسكن، ثم نُزعت منه الروح فهمد، تخيلت روحها تعود أخيراً للرقص، تخلت عن الجمود والركود والسكون وركضت نحو هدف جديد، تمايلت في خفة وشفافية وصعدت إلى بارئها متبخترة متمايلة مطمئنة، تنظر إلينا من أعلى مبتسمة، فلم يعد يسجن روحها مرض ولا تعب، تحررت تماماً كطير مكانه السماء لا الأرض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard