شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
المستقبل المفقود... أن تكون فلسطينياً في الأزمة اللبنانية

المستقبل المفقود... أن تكون فلسطينياً في الأزمة اللبنانية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الخميس 6 يناير 202211:30 ص

يتأقلم الناس في لبنان مع الأحوال العامّة، كلّ على طريقته. منهم من أصبح حاله أفضل بعد انهيار الليرة اللبنانية، ومنهم من صار راتبه الشهري يعادل خمسين دولاراً أمريكياً. هذه الأزمة لا تشمل حملة الجنسية اللبنانية وحدهم، بل أيضاً حملة الجنسية الفلسطينية الذين يعانون منذ عقود من القوانين التي تهمّشهم من الناحيتين المهنية والاجتماعية.

كان وزير العمل ابراهيم بيرم قد أصدر قراراً في نهاية العام الماضي يعدّل القانون المتعلّق بحصر عددٍ من المهن باللبنانيين فحسب، ويفكّ الحظر المفروض على الفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية. وبعد صدور القرار ذكر مكتب الوزير أن "ما كان ممنوعاً ومحظوراً في القوانين والمراسيم والأنظمة النقابيّة وغيرها، ما زال ممنوعاً، وهو باقٍ على حاله. وأنّ ما سمح به الوزير هو توسعة نسبة العمالة الفلسطينيّة فحسب، وضمن ما تتيحه القوانين، ومن صلاحيّات الوزير حصراً".

"حين تختفي فرص العمل تصبح الحياة كئيبة وخالية من التفاعل والإنتاج. راهناً يختبر فلسطينيو لبنان هذه المشاعر لأن الآفاق أمامهم مقفلة".

يشرح مدير مؤسسة شاهد لحقوق الانسان الدكتور محمود حنفي لرصيف22 تأثير الوضع العام الحالي على اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان تحديداً من الناحية المهنية: "قرار الوزير شكلي. تنفيذه يحتاج إلى تعديلات قانونية كثيرة وإلى قرارات تدعمه مثل تغيير قانون الضمان الاجتماعي، وتعديل قوانين المهن الحرة والإجازة المسبقة. لكن من الناحية الشكلية القى قرار الوزير حجراً في مياه راكدة وحرّكها".

ويكمل: "يرتبط العمل بالحياة وهو يحدّد مدى وضوح مستقبل الأفراد. حين تختفي فرص العمل تصبح الحياة كئيبة وخالية من التفاعل والإنتاج. راهناً يختبر فلسطينيو لبنان هذه المشاعر لأن الآفاق أمامهم مقفلة، إذ أصبحت اليوميات لا تطاق ومشروع تأسيس الحياة مفقود. وهذا الفقدان نابع من خسارتهم التفاصيل البديهية المرتبطة بحقوق الإنسان، مثل حقهم بالعمل على نحو يتناسب مع تخصّصهم وتطلعاتهم وقدرتهم على تأمين حياة كريمة".

وظائف غير متاحة

تقول آية ه. (28 عاماً) التي ولدت من أم لبنانية وأب فلسطيني لرصيف22: "تعرّضت لعدة مواقف عنصرية ضمن مؤسسات العمل بسبب جنسيتي. مثلاً، قصدت قبل مدّة إحدى الجمعيات التي أعلنت عن وجود وظيفة شاغرة تتطابق معاييرها مع الخبرة التي أملكها، لكن في نهاية المقابلة قيل لي: "لا يمكننا أن نضمّك إلى فريق عملنا لأنك فلسطينية، لكن نقبل بك مدرّبة".

آية التي تخّرجت من كلية الفنون في الجامعة اللبنانية لم تستطع أن تحصل على وظيفة في الجامعة نفسها بعد تخرّجها في الوقت الذي شاهدت فيه زملاءها يصبحون دكاترة ويزاولون مهنة التعليم بسهولة. تحكي: "عندما زاولت مهنة التعليم عملت في مدارس خاصّة لأن المدارس الرسمية لم تستقبلي. وكنت شهرياً أدفع جزءًا من راتبي للضمان الاجتماعي من دون أن أستفيد منه. بالإضافة إلى عدم وجود ضمانات مستقبلية مثل تعويض نهاية خدمة".

وتختم: "ليس عدلاً دفع بدل خدمة لم أستفد منها مثل الضمان الاجتماعي، أو الحرمان من الوظائف الشاغرة وسماع جواب الرفض على النحو الآتي "هيدي وظيفة دولة". باختصار ليست هذه القوانين والأفعال والردود سوى انتهاكات لحقوقنا كبشر".

"الشغل مش عيب". لكن من الغريب أن نجد شاباً فلسطينياً متخرّجاً حديثاً يعمل في معمل فرز النفايات بدلاً من الجلوس خلف شاشة الحاسوب وتطبيق كل ما تعلّمه في السنوات السابقة".

يلفت الدكتور محمود حفني إلى أنه لا يوجد صندوق خاص للضمان الاجتماعي لبحث المقتطعات من رواتب الموظفين الفلسطينيين الذين لا يحصلون على قيمة ما يدفعونه على غرار حاملي الجنسية اللبنانية. يقول: "حين يؤخذ من الموظّف الفلسطيني/ة 23% بنسبة التحصيلات، فيحب أن يرد إليه/ا 23% وليس 8%".

ويؤكّد على ضرورة تعديل قوانين المهن الحرّة باعتماد مرسوم ثابت بدلاً من اعتماد قرارات وزارية تتبدّل دوماً. ويضيف: "قد يكون الوزير صديقاً ويقوم بالتعديل ليأتي بعده آخر ويلغي ما فعله السلف. نحتاج أن تصبح المسألة نهائية لا أن تعتمد على رؤية الوزير. ونحتاج إلى تعديل لا يُلزم الفلسطيني بضرورة استصدار إجازة عمل، وإلى تعديلات تشمل مهناً أخرى مثل صيد الأسماك وقيادة السيارات العمومية وغيرهما. فالهامش المتاح حالياً للفلسطيني/ة ضيّق جداً بينما هنالك طيف واسع من فئات العمل لا تزال محرّمة عليه/ا".

من الجامعة إلى فرز النفايات

يروي حسين رعد (21 عاماً)، وهو فلسطيني مقيم في مخيّم شاتيلا، معاناته لدى الحصول على وظيفة. يقول إنه لم يتمكن بسبب القوانين المفروضة عليه من تحقيق رغبته بالتخصّص في مجال الطب من أجل ضمان الحصول على وظيفة بإمكانه مزاولتها قانونياً بعد التخرّج. لكن بسبب الأوضاع الحالية لم تتحقّق رغبته الأخيرة أيضاً وهو حالياً في عداد العاطلين عن العمل ويلاحقه قلق البطالة.

ويضيف: "لا أعلم ما هي أحوال أصدقائي في المخيّم، فإما هم يسعون لإيجاد وظيفة أو يشغلون أكثر من واحدة. لذا لا أراهم".

ويكمل حسين: "سأدلي بمعلومة لا يذكرها أحد. في كل بلدان العالم، بإمكان الأفراد أن يتطوّعوا في الدفاع المدني لخدمة المجتمع الذين يعيشون فيه إلا في لبنان. فقد مُنع الفلسطيني حتّى من التطوّع بعدما كان مسموحاً له". ويختم: "قلق العمل يرافقني طوال الوقت، تحديداً بعد أن تخرّجت وبدأت بالتساؤل عن المستقبل الذي ينتظرني. كل الوظائف جيّدة و"الشغل مش عيب". لكن من الغريب أن نجد شاباً فلسطينياً متخرّجاً حديثاً يعمل في معمل فرز النفايات بدلاً من الجلوس خلف شاشة الحاسوب وتطبيق كل ما تعلّمه في السنوات السابقة. فأنا فلسطيني مقيم في لبنان حين أشهد هذه القصص أُصدم بمدى تدني الحال الذي وصلنا إليه في ظل الانهيار الاقتصادي".

"ليس عدلاً دفع بدل خدمة لم أستفد منها مثل الضمان الاجتماعي، أو الحرمان من الوظائف الشاغرة وسماع جواب الرفض على النحو الآتي "هيدي وظيفة دولة"

ويرى الدكتور حنفي أن الفلسطيني يعمل من دون وجود أمان وظيفي براتب أقل من ذلك الذي يتقاضاه زميله اللبناني، ومن دون عقود أو ضمانات مستقبلية. يقول: "غياب مؤسسات الدولة في الظروف الطبيعية أو في الظروف الاستثنائية التي نشهدها اليوم ترك فجوة كبيرة جداً، وحمّل مؤسسات المجتمع الثقل الأكبر. تحاول هذه المؤسسات ردم الهوّة التي تتّسع يوماً بعد يوم لكن لم يعد بإمكانها سد حاجات الناس لأن الواقع فرض نفسه، تحديداً في ظل المعوقات المتأتية من صعوبة الوضع الاقتصادي.

وماذا عن الحلول التي يمكن اعتمادها؟ يجيب: "يحتاج الوضع إلى إطلاق نداء استغاثة عاجل يتولاه المجتمع المدني والأونروا وكل من له علاقة بهذا الشأن. وذلك بهدف إيقاف استنزاف المجتمع الفلسطيني وهجرته وتلاشيه تحت وطأة الأزمة الحالية". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard