سياحة الأنف في روائح الياسمين والشياطين

السبت 5 فبراير 202210:30 ص

 الخارج إلى الضوء


فصلونا عن الصبية في المدرسة، انتقلنا إلى مدرسة الفتيات، وتباعدت عن أنفي رائحة الأولاد الذكور، فباتت مجهولة، ملفوفة بالغموض، والمخاطر، و الخوف من الوقوع في الخطيئة، تساؤلاتنا العفوية انصبت جميع أجوبتها في إطار الكبت و التهديد، قيل لنا أن هؤلاء الرجال روائحهم تشبه رائحة الدم والدموع التي ستدفعنها ثمناً لسؤالكن.

الرائحة التي تعرفونها/تصمونها جيداً في أجسادنا نحن النساء

كان ذلك في مرحلة الثانوية الدراسية، وبدايات تعرفي على روائح لايزال المجتمع يعتبرها نجسة وكريهة وتستدعي العار، إنها الرائحة التي تعرفونها/تصمونها جيداً في أجسادنا نحن النساء.

عشت بدايات شبابي انطوائية شيئاً ما، فكأني أشم رائحة الكلمات والأخلاق، وانتبهت بعد ذلك إلى دلالات الرائحة الأخلاقية والمعجمية.

كلما قرأتُ كتاباً اشتم رائحة المدينة التي تدور فيها أحداثه، وكلما تصفّحت أشعار نزار قباني شعرتُ أن قطعة ملبّس تذوب في فمي.

وفي اليوم الأخير من كل عام، تعود لذاكرتي رائحة النبيذ، فأرى كأس أبي ممتلئاً شهيّاً، يغريني بالعودة إلى الماضي، طفلة تسحرها رائحة دفاتر الرسم و الأقلام الملوّنة في مكتبة الأطفال.

هل هناك رائحة حسية مشمومة فعلاً مرتبطة بتلك الذكريات، أم أن مشاعر الحنين تخلق روائحها الخاصة المتخيّلة، فأستخدم تلك الكلمة بطريقة مجازية؟

روائح الدين

عندما كنت في التاسعة من عمري، اعتادت جارتنا إشعال البخور كل جمعة، وصلتني رائحته، ركضت قائلةً: "مو طيبة هالريحة!". أخبرتني أنها رائحة مباركة، تطرد الأرواح الشريرة، وتضفي راحة نفسية للأشخاص والمكان، ورغم أنني إلى الآن لا أفضّل رائحة البخور، لكن لم اجرؤ سابقاً على قول ذلك علانيةً.

ارتبطت رائحة النبيذ بالضلال، والحشيش بالخوف، أما رائحة الذكور فمجهولة، ملفوفة بالغموض والمخاطر

يحدثني صديقٌ من سلطنة عمان عن طقوس استقبال الضيوف في الخليج العربي، يقول: "لا يخلو بيت أو منزل من البخور والعود العربي والعطور الثقيلة، يجب تبخير البيت يومياً، وبعد تناول الغداء، ولا بد لكل عروس أن تحمل في حقيبتها بعض القطع من البخور، لأنه يبعد الحسد، ويطّهر المنزل من الأرواح الشريرة، كل بيت يحتوى على مبخرة لتبخير الملابس، فالبخور طقس يومي في الخليج العربي".

لا أدري لماذا لم تشغلني يوماً مشكلة الحسد، معظم أصدقائي يشعرون بالخوف منه، يخفون الكثير عن حياتهم درئاً للعين والسحر، يستخدمون البخور لطرد تلك الشياطين الحاسدة من منازلهم، ربما يعود ذلك لتعليمات دينية.

روائح الأخلاق

بعد الثلاثين من العمر، عندما تصفع الحياة غرورنا، فنبدأ بقراءة واقعنا كما هو، أدركت أن الروائح أيضاً لم تنجُ من تصنيفات المجتمع وأهوائه، وضعوا لها أخلاقاً خاصة، فربطوا رائحة الأجساد بـ"الشرف"، مثلاً يُقال في سوريا: فلانة ريحتها طالعة، أي أنها امرأة تعاشر الرجال.

خلقوا في مخيلتنا انطباعاً مُهيباً عن الروائح الدينية، فنشعر عندما نشتم رائحة البخور أننا داخل جامع، وارتبطت رائحة العفونة بالفقراء، و النبيذ بالضلال، والحشيش بالخوف، رغم أن صديقاً أسرّ لي مرّة أن رائحة الحشيش ساحرة كرائحة إكليل الجبل.

وخلال الحرب في سوريا، كان صعود الباص المكتظ بالركاب، من أصعب المهام اليومية في فصل الصيف، رائحة العرق الصادرة عن أجساد الركاب مقززة تدعو للغثيان، أتخيل لو بالإمكان فرض غرامة على كل شخص لا يهتم لرائحة جسده، ثم أضحك في سري، لو تعلّق الأمر بجسد امرأة، أو بقصة حب محرّمة لكان شعورهم بالغثيان تجلى في أحاديثهم وعلى الإنترنت وفي كل مكان.

الروائح ترسم صوراً

بحثت أثناء إعداد هذه المقالة عبر الإنترنت، عن كتاب أو رواية عربية، تحدثت عن الروائح، لفتني عنوان كتاب: "الروائح العطرة"، بعد تصفّح بضعة فصول منه، تبيّن أن الكتاب يحكي نبذة عن أحد أمراء المؤمنين في اليمن، ولا علاقة له بالروائح، فالمقصود بالروائح العطرة، مآثر أمير المؤمنين ومسيرته الصالحة وحسن خلقه، هكذا عادت دلالات معاني الروائح الأخلاقية لتظهر من جديد.

إلى أن أظهرت شاشة الحاسوب كتاباً عنوانه: "كتابة الرائحة في نماذج من الرواية العربية"، للباحث التونسي رضا الأبيض، الذي بدأ يلاحق الروائح في الرواية العربية، شرح فيه عشر روايات، فتنتني رواية "تلك الرائحة" للمفكر المصري صنع الله ابراهيم.

رائحة الدم على الجدران والأجساد بسبب البق.

الرائحة عند صنع الله ابراهيم ارتبطت بالسجن والاعتقال، رائحة الدم على الجدران والأجساد بسبب البق، هذه الروائح كلها ستعلق في أنف البطل حتى بعد خروجه من السجن، فتلك الرائحة كانت استعارة سياسية تتجاوز مجرد وصف الماء والوحل اللذين يغمران شوارع القاهرة، لتصف حال البلاد الواقعة في أزمات سياسية واقتصادية.

و تجسد قصة الحب التي يعيشها الشاب التونسي الشرقي محفوظ مع ماري كلير الفتاة الباريسية، مظاهر الاختلاف الثقافي بين العاشقين، فيشتم القارئ في ماري كلير، روائح الحرية التي ألفها البطل في باريس، فكسّر من خلالها قيوده الشرقية، متحرراً من سلطة النسق، فتبدو الروائح في رواية ماري كلير للروائي التونسي الحبيب السالمي، أنثوية، تختفي فيها رائحة المنطق الفحولي الشرقي، ويقيم فيها البطل علاقة تساوٍ وتماهٍ بين الثقافة والرجولة.

الروائح إذاً ليست نسمة عابرة، بل حالة تجعل الصورة تتكلم، تربطنا بوجودنا، نعبّر من خلالها عن فرحنا حزننا شوقنا رغبتنا، يقول رضا الأبيض في كتابه: "الرائحة ترسم أمامنا صوراً تدعونا إلى التأمل، فهي تسكننا كطفولتنا، نرتد إليها، فتهبنا أصوات أسلافنا وأحلامهم وصورهم، إنها تحيا في عقولنا البصرية".

روائح دمشق

أعود للشاعر السوري نزار قباني، أذكر صديقة مغربية قالت لي مرّة أن أشعار نزار قباني خلقت في مخيلتها رائحة خاصة عن دمشق، وعندما زارتها لأول مرّة في العام 2009 اشتمت الرائحة ذاتها، إنها رائحة الياسمين الممزوجة برائحة القهوة الشامية، والبذور التي يأكلها الحمام بالقرب من الجامع الأموي.

يقول نزار قباني في إحدى قصائده: "مضى عامان يا أمي على الولد الذي أبحر، برحلته الخرافية، فخبأ في حقائبه صباح بلاده الأخضر، وأنجمها وأنهرها وكل شقيقها الأحمر، وخبأ في ملابسه طرابيناً من النعناع والزعتر وليلكة دمشقية"، ويقول: ما أخبارها الفُلة؟ بها أوصيك يا أمي، تلك الطفلة الطفلة، كانت أحبّ حبيبة لأبي، يدللها كطفلته، ويدعوها إلى فنجان قهوته، ويسقيها ويطعمها، ويغمرها برحمته"، ألم تشتموا معي بعد قراءة هذه القصيدة رائحة دمشق؟

ربطوا رائحة أجساد النساء بـ"الشرف"، هكذا يُقال في سوريا: "فلانة ريحتها طالعة"، وقيل لنا في المدارس أن روائح الرجال تشبه الدم، والدموع التي سندفعها ثمناً لتساؤلاتنا

يصف الشاعر و الكاتب القصصي السوري شوقي البغدادي في حوار مع الجزيرة الوثائقية، كيف استطاع نزار قباني نشر رائحة دمشق في كل بلدان العالم عبر قصائده: "نشأ نزار في أحضان منزل دمشقي، في كل خطوة فيه تشتم رائحة الأزهار، وتركت هذه الروائح أثراً عميقاً في نفسه".

كان والده توفيق قباني أول من أدخل صناعة الملبّس والشوكولا إلى مدينة دمشق من فرنسا، على الفستق واللوز والشوكولا تربى نزار، ارتبطت رائحة الملبّس بسوق دمشق القديمة، وبأشعار نزار قباني، فاختصر جمالية المدينة، تاريخها، فرادتها، روحها المتوثبة، قدرتها على صهر الآخرين وتحويل الغزاة إلى عشاق لها، من خلال رائحتها.

روائح أربيل

يقول الكاتب البريطاني روديارد كبيلينغ إن الشرط الأول لفهم بلد أجنبي هو أن تشم رائحته، في اليوم الأول لي في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، وصلتني رائحة المدينة، إنها خليط من رائحة العنب المعتّق مع أزهار الشاي العراقي الخمير.

فليل أربيل صاخبٌ، تُرفع فيه الكؤوس، ويشرب القادمون والحالمون بالعبور إلى القارة العجوز، نخب هذه المدينة، التي احتضنتهم قائلة: أنا نديمتكم، و صوت آلة البزق تنقل الرائحة أيضاً، تعود بكل واحد منّا إلى روائح الحزن والفرح والانتظار النائمة في أعماقه .

وفي يومي الثاني، التقيت بعائلة سورية، تنتظر اتصال هاتفي من الأمم المتحدة، للموافقة على طلبها بالهجرة إلى أستراليا، فعادت إلى ذاكرتي رائحة الحرب في سوريا، وامتزجت برائحة أوراق مئات الطلبات المقدمة من العائلات المسيحية السورية، المنتظرة اتصالاً من مكتب الأمم المتحدة في أربيل ينقلها إلى الأمان والحياة الآدمية.

هل استخدمتُ مجدداً كلمة الروائح بدلالة مجازية، أم أني أشم روائح الحرب تلك فعلاً؟

داخت رأسي، ووقع نظري على مقهى للرجال ذي واجهة زجاجة صغيرة، خلال جولة في حيّ قديم اسمه "عنكاوا". رأيت بخار الشيشة المختلط مع بخار الشاي العراقي الساخن عالقاً على الزجاج، حاجباً الرؤية عن المارّين في الخارج، فعادت إلى ذاكرتي رائحة مدينتي اللاذقية، اشتممت رائحة مقهى الرجال في حي الصليبة، وصلت إلى أنفي رائحة أوراق الشدّة المتسخة على الحواف، والمختلطة برائحة أنفاس الرجال الكبار، الذين فرقتهم الحرب وتركوا مقاعدهم شاغرة.

عندما أنهيت مقالتي، وأنا أراجعها المراجعة الأخيرة، هالني كم الروائح المحرمة والمدانة والمنفرة، والقهرية التي سردتها، أغلقت حاسوبي، ونظرت في المرآة، وسألتها: إلى أي مدى شكلتني تلك الروائح؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard