كيف ننتشي بحواسّنا الخمس؟ (2. الشمّ)... في مديح رائحة الإنسان

الاثنين 4 يناير 202105:11 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ "کیف ننتشي بحواسّنا الخمس؟"، باقة صغيرة من البهجة لشهر يناير، من قبل رصيف22 بمناسبة العيد وحلول عام 2021. يتعلق كلّ مقال بإحدى الحواسّ الخمس، وما يجعلها تنتشي، رغم المتاعب التي تلاحقنا هذه الأيام، رغم البرد، ورغم البُعد عن الأحبة والحجر والحنين. إنها خمس شعلات تمرّ عبر أجسامنا لتدفّئ أرواحنا. كلّ عام وأنتم بخير.


في قصةٍ للكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، ثمة عازف تحضنه فتاة معجبة بعد الحفل. تغيب الفتاة ويشعر العازف أن رائحتها علقت به. يهيم بين مئات الحاضرين باحثاً عنها، ومن ثمّ في كلّ مكان علّه يعثر على تلك الرائحة ثانية، ويشمّها.

ليس الحديث هنا عن الروائح والعطور التي نعلّقها من أجسامنا وثيابنا، والتي قد يكون عددها اليوم في المصانع والمحلات التجارية أكثر منا. تلك الروائح الأخاذة التي لا تمتّ في الحقيقة إلى رائحة الإنسان الأولى بصلة. الحديث هنا عن رائحة الإنسان نفسه؛ رائحة الجِلد كما لو أننا أطللنا لتوّنا من شرفة العالم وبدأنا الحياة بعد عدم فارغ؛ ما استنشقه آدمُ الأول حين اقترب من جسد حوّاء الأولى، وما استشمّته في جسده فأدخلته إلى أعماق روحها.

قرأت أو سمعت في ما مضى أن الخبراء يعتقدون أن هناك تأثيراً خاصاً لرائحة الجسم في جاذبية الإنسان، وقد تطرّقت منذ سنوات خلال مقال عن العطور إلى فيلم وثائقي بثته إحدى القنوات التليفزيونية يتحدث عن هذا الموضوع؛ أن رائحة الجسم تلعب دوراً مهماً في اجتذاب الأجسام إلى بعضها بعضاً، في العلاقة بين الرجل والمرأة. ولا أظن أن الأمر يقتصر فقط على الرجل والمرأة، فحين نستحضر رائحة أمهاتنا ونحن سائرون في شارع غريب وبعيد؛ حين نشمّ قميص حبيب احتفظنا به فتتهادى الذكريات وتنقلب معايير الوقت؛ حين نتبادل الثياب مع الأخت، نمسك الثوب قبل ارتدائه فإذا برائحتها فيه، رائحة أبي حين كان يعود إلينا من الأرض وحقول القمح -ولم يكن ذلك عبير القمح، بل رائحته-، رائحة الطفل حين يولد، رائحة جسم صديقة تحضننا وتقول: "اشتقت لك"؛ تلك الروائح التي تجيء من وراء الجسم حيث تسكن الرّوح.

حین تستشعر حاسّتُنا الشامةُ الرائحةَ الفريدة من أعناق من نحبّ ومن أكتافهم وصدورهم، الرائحة التي يتيقن لنا فور استشمامها أنها قد رسخت إلى قاع الرّوح وسوف تبقى هناك، الحديث هنا عن تلك الرائحة

قد تأتي تلك الروائح التي لا تباع في الأسواق، ليس من ثنايا خلايا أجسامنا وحسب؛ هكذا أتّفقُ مع معتقد بعض العرفاء والمتصوفة القدامى بأن للرّوح أيضاً عطراً يهِب الرونقَ والنشاط للجسم، ويهبه الحياة؛ عطر يتعطّر بدورِه بعطور أرواح أخرى، ويستمدّ حياته منها.

حین تستشعر حاسّتُنا الشامةُ الرائحةَ الفريدة من أعناق من نحبّ ومن أكتافهم وصدورهم، الرائحة التي يتيقن لنا فور استشمامها أنها قد رسخت إلى قاع الرّوح وسوف تبقى هناك، الحديث هنا عن تلك الرائحة. إنها ليست رائحة جسمٍ فقط، بل هي رائحة روحٍ متصلة بأرواحنا، وبأرواحٍ لا نعرفها؛ قادمة من عالم تكون الأرواح متصلة فيه ببعضها بعضاً، حيث للروح عطرٌ، وللعطر خلود.

قد تأتي تلك الروائح التي لا تباع في الأسواق، ليس من ثنايا خلايا أجسامنا وحسب؛ هكذا أتّفقُ مع معتقد بعض العرفاء والمتصوفة القدامى بأن للروح أيضاً عطراً يهِب الرونقَ والنشاط للجسم

أكان للوصول إلى ذلك الخلود كلُّ دأب بطل رواية "العطر" الشهيرة للألماني باتريك زوسكيند والتي تحولت إلى فيلم أشهر على يد توم تايكور؟ الخلود للعطر الذي لم يجد سبيلاً إليه في الطبيعة، بل في ماورائها، حيث تتحد الأجساد والأرواح. 

ونحن نتحرك في البيت، في المقاهي، في الشوارع، في بيوت الآخرين، في المدن، وفي زحمة كلّ شيء، نتريث لبرهة، ونغمض عيوننا، لأن رائحة ما قد استعرضت أخيلتنا والأفكار ونادتنا إليها؛ رائحة إنسان/إنسانة ما نحنّ إليه/ها، لنسير نحو تلك الرائحة مع الرّيح، فالعرفاء نفسهم يقولون إن رائحة الأرواح التي تحدثنا عنها، تنقلها ريحٌ غیر مادية ، تتعلق كيفيتها بنوع الروح. نمكث هناك ونهب أنفسنا للرّيح، ونردّد مع سعدي الشيرازي من خلف القرون:

لفرط هياجي بشَعرِك وسُكري بعطرِك/ لا خبر لي من كلّ ما في العالم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard