استقالة حمدوك... السودان في مهب الريح أو على الطريق الصحيح؟

الاثنين 3 يناير 202205:00 م

على طريقته الهادئة، وبصوتٍ خفيض، وكلماتٍ واضحة، تقدّم رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، يوم الأحد، في الثاني من كانون الثاني/ يناير الجاري، باستقالته إلى الشعب مباشرةً، عبر الفضائية الحكومية الرسمية، ليحسم بذلك تسريبات متتالية حول الأمر استمرت لنحو عشرة أيام، وينهي مسيرته في رئاسة الحكومة الانتقالية التي امتدت منذ 21 آب/ أغسطس 2019، حين أدّى اليمين الدستورية للمرة الأولى، كرئيس للحكومة الانتقالية التي أعقبت الإطاحة بنظام عمر البشير، في نيسان/ أبريل 2019.

منذ ذلك الوقت، وجد التكنوقراطي عبد الله حمدوك، نفسه في لجّة سياسة مُتلاطمة، خلّفتها شراكة هشة بين الأحزاب السياسية المدنية ممثلةً في قوى إعلان الحرية والتغيير وقادة الجيش من أعضاء اللجنة الأمنية التي كانت تمثل الحلقة الضيقة من الضباط المقربين للرئيس السابق على رأسهم، عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الحالي، ونائبة محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع.

"إبرام حمدوك اتفاقاً سياسياً، مع من انقلبوا عليه، واعتقلوا طاقم حكومته، وقيّدوا حركته، بوضعه تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يختطفوه ويخفوه في مكانٍ مجهول، كان خطأً فادحاً، و’غلطة الشاطر’"

ومع توليه رئاسة الوزراء، عام 2019، اكتشف الرجل أنّ حاضنته السياسية "قوى إعلان الحرية والتغيير"، التي رشحته إلى رئاسة الوزارة الانتقالية، بالتوافق مع شركائها العسكريين، ليس لديها برامج وخطط سياسية لإدارة المرحلة، وأن ما بين مكوناتها من الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، من التشاكس والتناقض، أكثر مما بينها من الوفاق والانسجام، ما ألقى بظلال سلبية على أداء الحكومة، وأعاق مسيرتها، وهذا ما أشار إليه في نصّ استقالته، إذ قال: "إن قبولي التكليف بمنصب رئيس الوزراء في آب/ أغسطس 2019، كان على أرضية وثيقة دستورية، وتوافق سياسي بين المكوّنَين المدني والعسكري، وهو ما قمت بالتبشير به كنموذج سوداني متفرّد، إلاّ أنه لم يصمد بنفس الدرجة من الالتزام والتناغم التي بدأ بها".
وزاد على ذلك، الوتيرة المتسارعة للتباعد والانقسام بين الشريكَين، الأمر الذي انعكس على مجمل مكوّنات الحكومة والمجتمع، وانسحب على أداء الدولة وفاعليتها على مختلف المستويات. و"الأخطر من ذلك وصول تداعيات تلك الانقسامات إلى المجتمع ومكوناته المختلفة، فظهر خطاب الكراهية والتخوين وعدم الاعتراف بالآخر، وانسدّ أفق الحوار بين الجميع. كل ذلك جعل مسيرة الانتقال هشةً ومليئةً بالعقبات والتحديات"، حسب تعبير حمدوك.

فتّش عن الاتفاق السياسي

ربما تأتي استقالة رئيس الوزراء السوداني الانتقالي استناداً إلى الخلفية التي أشار إليها في خطاب الاستقالة، لكن بالتأكيد ليس هذا هو السبب الرئيسي فيها، فالرجل ظلّ متمسكاً بمنصبه على الرغم من التناقضات والانقسامات التي وسم بها شركاء المرحلة الانتقالية، بل كان يردد دائماً عبارة "سنعبُر وننتصر"، حتى أصبحت إحدى لوازمه، إنْ لم يستخدمها قال الناس: "هذا ليس حمدوك"، فما الذي حدث ليتخلّى فجأةً عن أمله وتفاؤله، وعن عبارته الأثيرة، وصبره الدؤوب، ويصرّ على المغادرة؟

ما حدث هو الاتفاق السياسي الذي وقّعه حمدوك، بشكلٍ منفرد مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، والذي كان القشة التي قصمت ظهره، وجعلته وحيداً من دون حاضنة سياسية، ولا قاعدة شعبية، وعاجزاً حتى عن تشكيل حكومة كفاءات مستقلة كما كان يردد، ويروّج، عقب عودته إلى الوزارة بموجب الاتفاق نفسه الذي أُبرم في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021.

وحسب المحلل السياسي، حامد نورين، فإن إبرام حمدوك اتفاقاً سياسياً، مع من انقلبوا عليه، واعتقلوا طاقم حكومته، وقيّدوا حركته، بوضعه تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يختطفوه ويخفوه في مكانٍ مجهول، إلى أن اضطر قائد الانقلاب، تحت ضغط الشارع، إلى الاعتراف في مؤتمر صحافي، بوجوده ضيفاً عليه في منزله، كان خطأً فادحاً، و"غلطة الشاطر"، حسب تعبيره، إذ ترتبت عليه كل النتائج التالية، بما فيها استقالته.

يضيف نورين لرصيف22: قضى حمدوك على مستقبله السياسي، بتوقيعه هذا الاتفاق على نحو منفرد، من دون استشارة أحد، فبدا وكأنه يُشَرعِن الانقلاب، ويخون مبادئ الثورة، فانخفضت شعبيته الجارفة إلى النقيض، وبعد أن كان أنصار التحول المدني الديمقراطي يملؤون الشوارع احتجاجاً ضد الانقلاب، حاملين صوره، ومطالبين بالإفراج عنه، والكشف عن مكان اعتقاله، بل عدّوه أيقونةً ورمزاً للمدنية، صار بالنسبة إليهم "مُحلِلاً" لمغتصبي السلطة، ومُجهضي التحوّل المدني الديمقراطي، وصنّفه كثيرون منهم متواطئاً مع الانقلاب، وخائناً لمبادئ الثورة التي جاءت به إلى منصبه.

ويتابع نورين: منذ إعادته إلى رئاسة الوزارة في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وحتى استقالته في 2 كانون الثاني/ يناير الجاري، لم يتمكن حمدوك من تشكيل حكومة جديدة، ولم يتوقف الشارع عن الاحتجاج، ولم يتوقف الانقلابيون عن قتل المتظاهرين واعتقالهم، وهم الذين تمكّنوا ثلاث مرات من الوصول إلى القصر الرئاسي، وتطويقه، والاعتصام لساعات في باحته، فوجد حمدوك نفسه وحيداً وعاجزاً وخاسراً، وما كان له غير أن يلوّح مودّعاً.

انهيار وشيك

بالنسبة إلى الباحث والمحلل السياسي، جمال السيّد، فإنّ لاستقالة عبد الله حمدوك، بغض النظر عن أسبابها، تداعيات خطيرة، وربما باهظة الثمن، ليس على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان، بل على وجود دولة على وشك الانهيار. "لذلك أجدني غير متّفق مع حالة الصراخ ضد الرجل لمجرد توقيعه اتفاقاً سياسياً مع المكوّن العسكري الذي لم يأتِ به حمدوك، ولم يوقّع معه شراكةً لإدارة المرحلة الانتقالية، وإنما مَن فعل ذلك هو تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، ولولا إبرام حمدوك للاتفاق، لكان قادته ما يزالون قابعين في المعتقلات"، يقول لرصيف22.

"لاستقالة عبد الله حمدوك، بغض النظر عن أسبابها، تداعيات خطيرة، وربما باهظة الثمن، ليس على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان، بل على وجود دولة على وشك الانهيار"

ما فعله رئيس الوزراء، وفقاً للسيِّد، كان ببساطة محاولةً منه لمنع تمدد الانقلاب، وإخراج المعتقلين السياسيين، واستعادة المسار الديموقراطي. ولأنه رجل براغماتي، استغلّ الفرصة السانحة التي وفّرها له ضغط الشارع، والمجتمع الدولي، على انقلابيي 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، اتخذ قراراً شجاعاً وعملياً، بأن يوقّع اتفاقاً مع العسكريين، يعيد بموجبه الأمور إلى نصابها، وإلى ما كانت عليه قبل الانقلاب، إلا أن حاضنته السياسية قلبت له ظهر المجن، فحرضت عليه الشارع، ورفضت الجلوس معه للحوار وتبادل وجهات النظر، وهي تعلم يقيناً أنه ليس في وسعها إدارة المرحلة الانتقالية وحدها، فهناك شراكة ووثيقة دستورية واتفاقيات سياسية مع الجيش والحركات المسلحة تحكم العلاقة بين الجميع، وتدير المرحلة الانتقالية وتضبطها، فإذا حاول أيّ طرف إحداث خلل ما فيها، كما فعل البرهان بانقلابه، فسيفضي إلى تمزق البلد، وانهيار الدولة، فحتى البرهان عاد عن خطئه بعد أن اكتشف أنه ذاهب إلى هاوية، ولربما يذهب إليها قريباً ملتحقاً بحمدوك.

هذا هو الواقع، يضيف السيِّد، والسياسة هي فنّ التعامل مع الواقع ومُمكناته، وغير ذلك تصبح يوتوبيا معلقةً في السماء، وفقاً لعبارة الباحث السياسي، الذي شدّد على أن استقالة حمدوك وضعت الدولة السودانية على مفترق طرق: إما الانهيار، أو العودة إلى طاولة حوار متاحة للجميع، بمَن فيهم العسكر، عدا الحزب الحاكم السابق، ووضع وثيقة سياسية جديدة بناء على الوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا للسلام، وإدارة مرحلة انتقالية وفق ذلك لوقت قليل، وصولاً إلى الانتخابات العامة، والاحتكام إلى الصندوق. وهذا بالضبط ما دعا إليه حمدوك، حتى في خطاب استقالته: الحوار، والتوصل إلى اتفاق، وإلاّ فإن الدولة ستنهار، ولن يجد الجميع وطناً يتشاكسون ويختلفون عليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard