"اضطررت إلى ذكر تفاصيل شخصية جداً عن علاقتي بعائلتي"... لاجئون من غزّة في أوروبا

الجمعة 10 ديسمبر 202111:38 ص

"هل أنا مسؤولة عن تدمير مستقبل أخي؟ هل سيتعرّض إلى أيّ خطرٍ بسببي؟"، تتساءل سارة (اسم مستعار)، بصوتٍ مرتجف، وهي لاجئة فلسطينية مقيمة في فرنسا. وصلت الفتاة العشرينية إلى فرنسا، قادمةً من غزة، قبل ثلاثة أعوام، وقررت ألا تعود إلى "السجن الأكبر في العالم"، وأن تطلب اللجوء.

لكنها لم تعتقد أن طريقها نحو الحصول على صفة "لاجئة"، سيكون بهذا التعقيد، فهي قادمة من غزة المحاصرة منذ 15 عاماً، حيث معدلات البطالة تصل إلى 39% لدى الرجال، و60.4% لدى النساء، بالإضافة إلى الحصار والحروب الإسرائيلية المتتالية، والحياة من دون كهرباء، أوياه ماء قابلة للشرب، ناهيك عن انعدام الأفق، ومحدودية الآمال لدى جيل بأكمله. تعلّق: "لم يخطر ببالي أن هذا كله ليس كافياً لقبول طلب لجوئي، وأنني سأكون مضطرةً إلى إضافة تفاصيل وقصص عن معاناتي".

لا توجد إحصاءات واضحة، أو أرقام رسمية دقيقة، لأعداد الأشخاص الذين غادروا قطاع غزة، من دون عودةٍ خلال الأعوام الأخيرة.

تدرس دول الاتحاد الأوروبي طلبات اللجوء بناءً على اتفاقية جنيف 1951 (تنص الاتفاقية على أن الاضطهاد هو السبب الأساسي والوحيد لمنح اللجوء). وهنا يقع طالب اللجوء الغزّي في أزمةٍ إداريةٍ وقانونية، تترتب عليها بعض التبعات النفسية والاجتماعية، فنظام دراسة طلبات اللجوء لا يعترف بالاحتلال الإسرائيلي، وما يرتكبه ضد الفلسطينيين في غزة، كأسبابٍ كافية لطلب اللجوء، مما يدفع طالب اللجوء الغزّي نحو خيارات أخرى، أحلاها مرّ.

خيارات محدودة

في حديث إلى رصيف22، أوضح زيد العظم، وهو محامٍ سوري مقيم في فرنسا، أنه إذا ما نوى المهاجر الغزّي طلب حمايةٍ في فرنسا، على سبيل المثال، فإن خياراته تنحصر في "طلب لجوءٍ لأسبابٍ سياسية أو اجتماعية، أو طلب حماية مؤقتة، بناءً على حصول الشخص على صفة عديم الجنسية"، مشيراً إلى أنه لم يسبق له أن قابل أي طالب لجوءٍ من غزة، ذكر الاحتلال كسببٍ لطلب اللجوء، وحصل على الحماية. وأن معظمهم يطلبون اللجوء بناءً على تعرّضهم للاضطهاد من حكومة حماس، أو من المجتمع والعائلة.

بناءً على ذلك، قدّمت سارة طلب لجوءٍ ارتكز على تعرّضها للاضطهاد من قبل أسرتها، بالإضافة إلى بعض الجوانب المتعلقة بحكم حماس في قطاع غزة. تضيف: "اضطررت خلال المقابلة مع المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين، وعديمي الجنسية (أوفبرا)، إلى ذكر تفاصيل شخصية جداً عن علاقتي بعائلتي. لم أكن أتوقّع أن يتم سؤالي عنها. كما وجدت نفسي مضطرةً إلى المبالغة في وصف بعض التفاصيل المتعلقة بعلاقتي بأخي، وتعرّضي للعنف من قبله. شعرت بخوفٍ وتأنيب ضميرٍ بعد المقابلة، وهذا الشعور لا يزال يلاحقني حتى الآن".

يدرس شقيق سارة الهندسة في إحدى جامعات غزة، وينوي السفر إلى أوروبا لاستكمال دراسته. تضيف: "بالتأكيد هو لا يعلم أنني ذكرت هذه التفاصيل، لأحصل على اللجوء، ويسألني عما إذا كان وجودي كلاجئةٍ في أوروبا سيؤثّر عليه. بغض النظر عن تعرّضي للعنف، أو للاضطهاد، من قبله، فإنه سيظلّ أخي الذي أحبّه. لكنني أعيش في خوفٍ وتأنيب ضميرٍ مستمرَين خشية أن يتضرر بسببي. في الوقت ذاته، أقول لنفسي إني هربتُ من الحياة في غزة، ولم يكن أمامي أي خيار آخر للحصول على حياة آمنةٍ وطبيعيةٍ هنا، إلا عبر ذكر تفاصيل غير دقيقة".

تدرس دول الاتحاد الأوروبي طلبات اللجوء بناءً على اتفاقية جنيف 1951 (تنص الاتفاقية على أن الاضطهاد هو السبب الأساسي والوحيد لمنح اللجوء). وهنا يقع طالب اللجوء الغزّي في أزمةٍ إداريةٍ وقانونية، تترتب عليها بعض التبعات النفسية والاجتماعية، فنظام دراسة طلبات اللجوء لا يعترف بالاحتلال الإسرائيلي

التبعات النفسية والاجتماعية

يرى الدكتور نظير حمد، وهو طبيب نفسي مقيم في فرنسا، وصاحب كتاب "علم نفس الهجرة" الصادر بالفرنسية، أن بعض طالبي اللجوء يختلقون القصص أحياناً، في محاولةٍ يائسةٍ للنجاة، وفي مثل هذه الحالات لا يفكّر الشخص إلا في نفسه. لكن بعد الوصول إلى برّ الأمان، والحصول على اللجوء، تبدأ المعاناة مع تأنيب الضمير، والشعور المستمر "بالخيانة" تجاه من تم ذكرهم في القضية.

ولمحاولة مواجهة هذه الحقيقة، يقول الدكتور: "في بداية الأمر، يجب طلب المساعدة والاستفسار عما إذا كانت هناك تبعات قانونية قد تقع على الأشخاص المذكورين في القضية، وبناءً على مدى خطورة هذه التبعات، تتم مواجهتها، ومحاولة إيجاد حلولٍ للمخاوف المحيطة بها".

وأضاف: "يجب أن نعي تماماً، أن قراراتنا لها عواقب، سواء نفسية أو جسدية، وتالياً قيامنا باختلاق قصةٍ ما ستكون له تبعات علينا، وعلى من تم ذكرهم فيها. وتأنيب الضمير، واتهام الذات بالخيانة، لن يغيّرا من حقيقة ما حصل. اعترافنا بهذه الحقيقة، وعدّها منطلقاً لمواجهة مشاعرنا، يُعدّ الخطوة الأولى للوصول إلى سلام وتصالح مع ذواتنا. لكن ذلك يحتاج إلى وقتٍ ومتابعة، وشعورٍ نسبيٍّ بالأمان".

وعما إذا كان يفضّل مصارحة العائلة، ومن تم ذكرهم في ملف اللجوء، بحقيقة ما جرى، قال الدكتور حمد: "لكل حالةٍ خصوصيتها، فالقصّة التي تم اختلاقها، وطبيعة علاقة العائلة، وترابطها، كلها تفاصيل تلعب دوراً مهماً في طريقة مواجهة المشاعر السلبية. لذلك، ننصح بطلب المساعدة من مختصّين في حالة الشعور بالعجز أمام هذه المشاعر".

"هل أنا مسؤولة عن تدمير مستقبل أخي؟ هل سيتعرّض إلى أيّ خطرٍ بسببي؟"

يعيشون في خوفٍ مستمر

شارك محمد (32 عاماً، اسم مستعار)، وهو لاجئ من غزة مقيم في بلجيكا منذ خمس سنوات، في تنظيم وقفات احتجاجية عدة، للمطالبة بتحسين ظروف استقبال المهاجرين، ودراسة ملفّاتهم. ويقول: "يقوم بعض طالبي اللجوء بطلب أوراق تبرئةٍ من عائلاتهم، أو بتزوير بلاغاتٍ كاذبةٍ من جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة حماس، ويرفقونها بملفات لجوئهم".

واستدرك: "يعيش معظم هؤلاء الأشخاص في خوفٍ مستمرٍ، في أثناء دراسة طلبات لجوئهم، وبعدها، فالجهات المختصة باتت دقيقةً جداً في فحص هذه الملفات. شخصياً، اطّلعت على العديد من قرارات الرفض التي ذُكر فيها حرفياً، أن الرفض جاء بسبب عدم دقة المعلومات المذكورة".

وبالحديث عن تجربته الشخصية، أشار محمد إلى أنه طلب اللجوء قبل خمس سنوات في بلجيكا، بناءً على تعرّضه للاضطهاد من قبل حكومة حماس، بينما خصص جزءاً من طلبه لوصف وضع عائلته في غزة، إذ ذكر بعض الاعتبارات الخاصة بها. إلا أنه لم يتوقع أن يأتي أخوه إلى بلجيكا، بعد خمس سنوات، وأن يقدّم طلب لجوءٍ أيضاً.

ويضيف: "لا يزال طلب لجوئه تحت الدراسة، لكن السلطات استدعتنا بشكلٍ منفصلٍ، وقارنت بين قصّتينا. أنا لست خائفاً على وضعي، فلا أعتقد أنهم سيقلّصون من حقوقي كلاجئ، خاصةً أنني أحضرت أسرتي إلى هنا، واندمجنا بشكلٍ شبه كامل. لكني قلق على أخي. من الممكن أن يتم رفض طلبه، بناءً على ما قلته أنا، قبل خمس سنوات!".

"أنا لم أكذب، ولم أختلق قصصاً، وحياتي مهددة بالفعل في غزة، ومع ذلك تم رفض طلبي قبل الاستئناف. أحياناً، من الصعب أن نستوعب الآليات التي تتمّ عبرها دراسة طلبات اللجوء، لكن الحقيقة الوحيدة الأكيدة بالنسبة إلينا كغزّيين هاربين من الويلات، هي أن دافعنا لعدم العودة مبنيٌّ على غريزة النجاة"

"نريد أن ننجو وأن نعيش حياةً طبيعية"

لا توجد إحصاءات واضحة، أو أرقام رسمية دقيقة، لأعداد الأشخاص الذين غادروا قطاع غزة، من دون عودةٍ خلال الأعوام الأخيرة، لكن زيارةً واحدةً إلى إسطنبول، أو بروكسل مثلاً، وملاحظة حجم الجالية الفلسطينية الغزّية هناك، كفيلة بالإشارة إلى الهجرة المستمرة التي تحدث منذ سنوات، والتي تساهم فيها وتسهّلها جهات عدة، سواء في غزة، أو مصر، أو تركيا.

تقارير إعلامية مختلفة تحدثت عن عشرات الآلاف من الشباب والعائلات، ممن تركوا القطاع المحاصَر، غالباً ما ينتهي بهم المطاف إما في تركيا، التي تسمح للغزّيين بالحصول على تأشيرةٍ سياحية، تتبعها إقامات سياحية قابلة للتجديد، أو في أوروبا، بعد رحلة هجرةٍ غير شرعية فيها من المخاطرة ما يدفع إلى الجنون، من دون أن ننسى "المحظوظين" منهم، الذين يتمكّنون من الوصول إلى أوروبا عبر تأشيرةٍ للدراسة، أو دعوةٍ لمشاركةٍ فنية، لينتهي بهم المطاف في طوابير دوائر الهجرة واللجوء.

 يجد المهاجر الغزّي نفسه مضطراً إلى "الكذب"، حاله في ذلك كحال جزءٍ كبيرٍ من طالبي اللجوء في العالم، في محاولةٍ يائسةٍ لـ"شرعنة" معاناته في وجه موظّفي دوائر الهجرة واللجوء.

قدّم خالد، (34 عاماً، اسم مستعار)، طلب لجوء في إحدى الدول الأوروبية، وكان مقتنعاً تماماً بامتلاكه الأدلة والملفات اللازمة كلها، لقبول طلبه. يشرح: "فقدت أحد أفراد أسرتي على يد عناصر تابعين لحركة حماس، وتعرّضت وعائلتي لاعتداءاتٍ مباشرةٍ على منزلنا. كنت أملك البيانات اللازمة كلها، لإثبات هذا، بما في ذلك بلاغات واستدعاءات ومقاطع فيديو لإطلاق النار على منزلنا".

على الرغم من ثقته الكاملة بقضيته، تم رفض طلب لجوء خالد، بعد مقابلة المكتب المسؤول عن دراسة الملفات، مما اضطره إلى تقديم طلب استئناف في المحكمة، وهناك تم منحه اللجوء السياسي. يصف شعوره عند استقباله قرار الرفض: "في اللحظة الأولى، لم أفكّر في المحكمة، ولا في الخطوات الإدارية القادمة. كل ما فكّرت فيه، هو أن خططي لبناء حياةٍ آمنةٍ قد تدمّرت بالكامل، وأنني سأعود إلى الموت في غزة، لا محالة".

وأنهى كلامه قائلاً: "أنا لم أكذب، ولم أختلق قصصاً، وحياتي مهددة بالفعل في غزة، ومع ذلك تم رفض طلبي قبل الاستئناف. أحياناً، من الصعب أن نستوعب الآليات التي تتمّ عبرها دراسة طلبات اللجوء، لكن الحقيقة الوحيدة الأكيدة بالنسبة إلينا كغزّيين هاربين من الويلات، هي أن دافعنا لعدم العودة مبنيٌّ على غريزة النجاة. نريد أن ننجو، وأن نعيش حياةً طبيعيةً، وهذا ما يدفعنا لتحمّل مشقّات قرارنا وتبعاته، حتى غير المبررة منها".

يتفق عدد كبير من العاملين/ ات في القطاع الحقوقي في أوروبا، على أن العقبة الرئيسية التي تواجه قضية المهاجرين، وطالبي اللجوء، تتمثل في سياسات الدول، لا في حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية. وعلى الرغم من محاولاتهم الحثيثة لدفع هذه القضية خارج الساحة السياسية، وما تفرضه من "ألاعيب"، وإرجاعها إلى المربّع الحقوقي، إلا أن تطبيق هذه الاتفاقيات صار مرهوناً أكثر بمصالح الأحزاب الحاكمة، لا بجوهر النصوص المتفق عليها، ما يجعل مصطلحاتٍ كـ"الاضطهاد" و"الخطر المباشر على الحياة"، فضفاضةً جداً، تتغيّر معاييرها بنتائج الانتخابات في هذا البلد، أو ذاك، أو بسياسات هذا الحزب، أو ذاك التكتل السياسي.

وهنا، يجد المهاجر الغزّي نفسه مضطراً إلى "الكذب"، حاله في ذلك كحال جزءٍ كبيرٍ من طالبي اللجوء في العالم، في محاولةٍ يائسةٍ لـ"شرعنة" معاناته في وجه موظّفي دوائر الهجرة واللجوء. وذلك على الرغم من إيمانه الكامل بأن ما عاناه كافٍ للحصول على حياةٍ أكثر إنسانيةً، وعلى الرغم أيضاً من الصراع الذي يعيشه الفلسطيني، عندما يغادر أرضه. وفي هذه الحالة، يغادرها طواعيةً، وهو على درايةٍ كاملةٍ بأنه "نظرياً" لن يعود إليها أبداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard