ليل طنجة أو الكتابة بغاز الخردل

الاثنين 10 يناير 202212:20 م

عندما رحل محمد شكري، أُعلن مجازاً وفاة طنجة، فقد رحل آخر رواتها الخطرين. بعد أن بهتت طنجة الدولية شيئاً فشيئاً برحيل الأجانب الذين أقاموا بها وقتاً طويلاً أو قصيراً؛ الكتاب الأمريكان والفرنسيون والإسبان، فلا طريق  يسلكه كرواك ولا صحراء يكتبها بولز ولا موسيقى يتعقبها، ولا مسرح يستلهمه وليامز ولا كؤوس فوق الرؤوس يراهن عليها بوروز، لا لعنة يدبرها جينيه ولا خبز حافياً يعضّه شكري ولا حليب مندلقاً على الأرض يلعقه الفتى الريفي. كان يبدو أن هناك خطأ جسيماً ارتكبته طنجة لتخسر كل تلك الخسارة الفادحة.

 عندما قرأت رواية  محمد سعيد أحجيوج "أحجية إدمون عمران المالح"، بدأت  أتحسس هذه اللعنة، ومع قراءتي لروايته الأخرى "كافكا في طنجة " ثم "ليل طنجة"، صار يمكن أن نجازف ونعطي فرضية لأسباب تلك اللعنة.

لقد غابت طنجة لأنها ارتهنت لأقلام أجنبية محكوم عليها بالرحيل، ولم يكن محمد شكري الوافد عليها قادراً على فهمها كل الفهم. كان شكري يتحرّك فيها رغم سنوات عمره التي قضاها بها كغريب أيضاً. هناك شيء ما ليس أصيلاً في علاقة شكري بطنجة. إن التعلق بالمكان بشكل مرضي لا يعني أن ذلك المكان جزء منا أو نحن منه، بل ربما يعكس ذلك الخوف وتلك الفوبيا من فقد هذه الغنيمة. 

إنه أشبه بتعلّق امرأة عاقر بطفل ليس طفلها، فتقاتل من أجل أن تبقيه عندها، لا لتحميه. لذلك لم تبح طنجة كما الطفل بأوجاعه الحقيقية، بل ظلت في  نصوص شكري الأدبية تقول ما يريده منها "الكاتب العالمي"،  كما كان محمد شكري  يسمي نفسه، وتنازل عن لقب "الكاتب الطنجاوي".

عندما رحل  محمد شكري، أُعلن مجازاً وفاة طنجة، فقد رحل آخر رواتها الخطرين

كان شكري، كما قال، يمشي فيها وفي جيبه سكين. لم يكن آمناً فيها ولم تسلم نفسها له، فكيف لم ننتبه إلى ذلك؟ هل كان بسبب شعره الرديء الذي كتبه فيها رغم إعلانه الإقلاع عن نظمه؟ المدن لا تغفر للشعراء مديحاً رديئاً. ما كان يريده شكري من طنجة ليس أكثر مما كان يريده بول بولز من الحكّائين وحفّاظ الأغاني الشعبية والقطع الموسيقية. تعامل شكري مع طنجة كما تعامل معه بول بولز.

تعامل معها كأمية لا كمدينة عالمة، ولم يتعامل معها كامرأة بذاكرة بل كغانية، لذلك انتقمت طنجة بالصمت. صمتت عندما جعلت شكري لا يستطيع أن يكتب سبعة عشر عاماً، وانتقمت عندما أصيب شكري بالجنون بعد "الخبز الحافي"، وانتقمت عندما فشل في الانتحار مرات، ثم انتقمت عندما جعلته غير قادر على كتابة كتاب واحد يتجاوز به "الخبز الحافي"، لتنتقم أكثر عندما دفعته ليكتب كتباً لا تشبهها ولا تشبهه، وظل ملاحقاً بلعنة "الخبز الحافي".


يبدو أن طنجة، أخيراً، قد غفرت للكتّاب وانتفضت كالفينيق لتعطي اسمها لكتاب جدد أهمهم محمد سعيد  أحجيوج. تقرأه لأول مرة فتحتار أين تصنفه؟ فلا نبرة مغاربية في نصه ولا نبرة شرقية. إنه لقيط الحرف، حالة من الهجنة بين ما يكتب في الشمال وما يكتب في الجنوب. في روايته الجديدة "ليل طنجة" يقدم لنا أحجيوج ليلاً آخر لم نقرأه من ليالي طنجة. ليلها السياسي وليلها الراهن. إنه ليل لم يعرفه شكري أو لم يصغ إليه، فبرنامجه السردي برنامج آخر وأهدافه من الكتابة الأدبية أهداف أخرى.

"ليل طنجة" غلاف

طنجة تتعلم الكتابة من جديد

في أسلوب أثير لمحمد سعيد أحجيوج عُرف مع رواية ما بعد الحداثة، يجعل الكاتب الكتابة نفسها موضوعاً للرواية التي تداور الأفكار حولها والأزمات التي تعترض الكاتب وهو يحاول التقدّم في بناء روايته الأولى وإيجادها من العدم. ولئن كان هذا الأسلوب قد صار تقليداً اليوم في ما يعرف بالسرد الواصف أو الميتاسرد،  فإنه مازال أسلوباً مطروقاً حتى عند كبار المؤلفين، كمايكل أونداتجي ومارغريت أتوود.

 وإذا استحضرنا أن هذا الأسلوب ولد مع رواية "دون كيخوته" لميغيل دي سرفانتس، فسنتذكر بكل بساطة تناقضات ميلان كونديرا  وحيرته، عندما اعتبر أن كل ما تنتجه الرواية اليوم هو ميراث سرفانتس، ولا يمكنها تجاوز ذلك الكتاب، ومن ناحية أخرى فإن الرواية عنده لم تستنفذ كل إمكانياتها.

غير أن الميتاروائي، أو النظر في المرآة سردياً يكتسب خصوصية ودلالة مع نص أحجيوج إذا ربطناه بطنجة تلك التي احتلّت العنوان.

فليس البطل من يبحث عن الرواية، بل طنجة برمتها التي تستفيق من إحدى المقابر التي كان يتردد عليها شكري في حياته، لتقول بدورها: "لقد فاتني أن أكون رواية"، تقفية على العبارة التي همس بها شكري أمام قبر أخيه في آخر جملة بـ"الخبز الحافي"؛ شقيقه الذي قتله أبوه أمامه، أبوه العسكري في الجيش الإسباني: "لقد فاتني أن أكون ملاكاً".

في روايته الجديدة "ليل طنجة" يقدم لنا محمد سعيد أحجيوج ليلاً آخر لم نقرأه من ليالي طنجة. ليلها السياسي وليلها الراهن. إنه ليل لم يعرفه شكري أو لم يصغ إليه، فبرنامجه السردي برنامج آخر وأهدافه من الكتابة الأدبية أهداف أخرى

تتردد عبارة "ركز، ركز، ركز" في صيغ مختلفة لإيقاظ الكاتب/ الراوي وتنبيهه في محاولة لاقتناص اللحظة التي يجب أن يمسك بها ليبدأ سرد عمله، فيفتتح أحجيوج روايته بهذه الفقرة: "رحلت يا حميدة الملعونة سبعاً. رحلت والرحيل كما الموت والرحيل موت.

عد للنوم أيها الحيوان، ما يوقظك في هذا القيظ، حميدة ما عادت هنا. لا تهز ذنبك الملعون أيها الكلب الأجرب. ركز، ركز يجب أن أتنفس بعمق. ركز. برد. برد. برد. يجب أن أركز على نقطة ذكرى واحدة بعينها لتكون مرساة توقف اندفاع أفكاري المتمردة".

إن تمنّع الرواية على الراوي يدفع بالتأويل نحو صعوبة أن تُبعث طنجة من جديد، وصعوبة بوحها بأسرارها الدفينة التي خنقها والد شكري بقبضتيه العسكريتين .

كتابة التاريخ بأسلوب جديد

يلتفت أحجيوج إلى التاريخ ليلتقط منه قبضة، ثم يعود إلى الحاضر بكل تعقّده. لا يعني الكاتب إعادة سرد الوقائع التاريخية كما درجت عليه الرواية التاريخية العربية، ولا تلك التي تدعي توظيف التاريخ. مع ليل طنجة لا يعود أحجيوج إلى التاريخ إلا بسبب وقائع الحاضر: ظاهرة مرض السرطان بطنجة.

يربط أحجيوج انتشار المرض عبر أجيال مختلفة بواقعة تاريخية هي استعمال "سم  الحرب" أو غاز الخردل، في حرب الريف المغربي من قبل إسبانيا سنة بين سنتي 1921 و1924، للقضاء على المقاومة بمنطقة الناظور .

يقول مصطفى المرون صاحب كتاب "التاريخ السري للحرب الكيماوية بمنطقة الريف وجباله ما بين 1921 و1927": "عرَّضت إسبانيا سكان منطقة تِيزِي عَزَّة بالريف سنة 1923 لقنابل يدوية مسيلة للدموع، مشكَّلة من غازي لَاكْرُومُوجِينْ ولَاكْلُورُوبِيكْرِينْ، الذي يؤثر على الجهاز التنفسي، ثم استعانت بالمدفعية لتقصف المنطقة نفسها بغاز الخردل السام، الذي قَصفت به سنة 1924 منطقة الناظور بواسطة الطائرات، وكانت تلك أول مرة في تاريخ الحروب تُقصَف فيها منطقة في العالم بغاز الخردل باستعمال الطيران"، لحسم المعركة التي تكبد فيها الجيش الإسباني هزيمة تاريخية.

وقد ظل سكان الريف  إلى اليوم يعتبرون إسبانيا مسؤولة عما يحصل معهم منذ تلك الواقعة من انتشار لمرض السرطان. ويذكر أن محمد شكري هو أيضاً أسقطه السرطان الذي واجهه صاحب "الخبز الخافي" ساخراً في مكالمته الهاتفية لطلحة جبريل وهو على فراش الموت:

"كنت أفضّل أن أضرب الرقم القياسي في مبيعات الكتب ليس في مرض السرطان الذي أصاب ثلاثة أعضاء من جسمي. هذا مرض تافه... أظن أن المرض أخطأ عندما اختار شكري، من المؤكد أنه سيندم. ربما اعتقد أنني دجاجة بشرية… لا أعرف من الذي يضحك ويسخر من الآخر، أنا أم المرض؟".

 يجعل أحجيوج معركة الأنوال سنة 1921 مع عبد الكريم الخطابي وما حصل فيها خلفية تاريخية لأحداث لاحقة بعد مائة سنة في الوقت الحاضر، فالحروب لا تنتهي مع صمت البنادق والمدافع وأزيز الطائرات المقاتلة، إنما تبدأ مآسيها عادة عبر آثارها لحظة توقفها. فها هي الحرب مازالت تحصد الأرواح بعد مائة سنة، عبر داء السرطان المتأتي من غاز الخردل الذي رشته الطائرات على تلك المناطق.

تتجاوز مساءلة التاريخ في الرواية قصة حرب الريف، لتذهب في كل اتجاه، فتقرأ الأحداث قراءة أخرى وتكشف عبر هذيان الراوي وعبر تقيؤه الحرفي عن صورة إسرائيل ونشاتها في المخيال العربي، وعن علاقاتها بالملوك والحكام العرب وعن تغلغلها في الشؤون الداخلية لهم، ومشاركتها في سياساتهم وحتى في  تعاملهم مع معارضيهم.

في أسلوب أثير لمحمد سعيد أحجيوج عُرف مع رواية ما بعد الحداثة، يجعل الكاتب الكتابة نفسها موضوعاً للرواية التي تداور الأفكار حولها والأزمات التي تعترض الكاتب وهو يحاول التقدّم في بناء روايته الأولى وإيجادها من العدم

يقول الراوي: "أريد أن أصير كاتباً روائياً ناجحاً. لذلك لن أخبرك عن الأفكار التي تدور في رأسي الآن حول مساعدة إسرائيل الحسن الثاني في العثور على المعارض السياسي المهدي بن بركة، بعد أن ساعدهم الملك في التجسس على القمة العربية التي سبقت الحرب التي سميناها نكسة. ربما أنت تعرف كيف ذوبت جثة المهدي في الحمض، كما حدث لاحقاً مع صحفي عربي آخر قطع بالمنشار في إحدى السفارات واستقرت أطرافه في الحمض".

العبث  وألبير كامو في طنجة

تقدم الرواية حياة عبثية لا نظام فيها ولا ترتيب ولا عقل. ويشمل ذلك حركة السرد غير الخطي وحركة الزمن في الرواية، ولكن الكاتب كأنه يجترح لها تبريراً من الواقع أيضاً. لماذا تكون الرواية خاضعة لمنطق وتسلسل منطقي وأحداثها منطقية، في الوقت الذي تخلت فيه حتى فصول السنة عن منطقيتها باختفاء الخريف؟

قبل ظهور  ألبير كامو اسماً بالرواية، ظهر منذ الصفحات الأولى من خلال واقعة موت الأم، فيحيلنا الراوي الذي فقد أمه ببداية رواية "الغريب" لألبير كامو. ولئن كانت واقعة موت الأم في "الغريب" مرت مروراً بارداً على الراوي، حتى أنه لم يعد يذكر إن كانت ماتت اليوم أم البارحة، فإن راوي أحجيوج يؤرخ لموت أمه  بالأيام والساعات. 

ولئن قاد القدر العابث راوي "الغريب" إلى محاكمة لقتله العربي، وكانت ردة فعله على أمه دليلاً على إدانته، فإن راوي أحجيوج يجعل من موت الأم ورحيل الحبيبة حميدة ذريعة لفتح أكبر الملفات قسوة على قسم من المجتمع المغربي، وهي ظاهرة مرض السرطان وعلاقته بالقصف الإسباني في العشرينيات، ومطالبة المغاربة إلى اليوم إسبانيا بتحمل مسؤوليتها والاعتراف بذلك الجرم الحربي.

كما تتقاطع صورة  بطل رواية "الغريب" ميرسو مع بطل رواية ليل طنجة في كراهية الصيف، وفي الكآبة التي تطوح بهما، فكلاهما يتقيأ في هذه الحياة باحثاً عن الموت في ذلك الصيف الجحيمي.

 ولا يظهر ألبير كامو  في الرواية ترميزاً فقط، بل يعلن الكاتب حضوره باسمه، اذ يعود ألبير كامو ليظهر من جديد مع تلك التأملات الفلسفية للراوي حول السعادة والعبث، يقول الراوي: "نجح ألبير كامو بعيداً، إذ قال الإحساس بالعبث لا يقود إلى الانتحار بل يدفع إلى الثورة، فالجزء الأكبر من حياتنا هو نتيجة الشعور بالأمل في الغد. قال كامو إن المعاناة في حد ذاتها كافية لشغل قلب المرء ولا شك أن سيزيف كان سعيداً.

هل كانت سارة سعيدة بخيانتها المتكررة لجواد؟ لا تحاول أيها القلم الأبكم لا أنتظر منك جواباً. يرى كامو أن السر هو في وعي سيزيف بعبثية الفعل، في تسليمه وتعايشه مع الأمر.  خلال ساعة الوعي تلك يصير سيزيف أقوى من الآلهة التي عاقبته. وعيه بمصيره المأساوي هو ما جعل منه إنساناً وقوة تحمله لذلك هي ما تجعل منه بطلاً. لاشك إذن أن  سيزيف كان سعيداً. الشك إذن أن سيزيف كان سعيداً. يقول كامو. لا أظنني فهمت شيئاً".

التخييل الذاتي  أو جماعة "طنجة الأدبية"

هذه التأملات التي كثيراً ما تستعين بها رواية ما بعد الحداثة لتمحو الحد الفاصل بين المقالة والمحاولة والسرد الروائي، هي التي تؤصّل الرواية في خط "البوست مودرن" إلى جانب مظاهر أخرى، منها الكتابة الشذرية المتقطعة والسرد الهذياني الهيستيري، ونهلها من سيرة صاحبها، حيث يعلن الراوي عن معرفته بمحمد سعيد أحجيوج، ويصفه بالصديق.

"جواد هو الآخر مات. ثلاثة أشهر من المرض. مرض غريب لم أعرف ما هو. لم يسمح لي والد جواد بزيارته ولا لأحد من أصدقائنا. متى ما ذهب أحدنا كان والد جواد يستقبلنا عند الباب. جواد مصاب بمرض معد ولا يُسمح لاحد برؤيته". كان الرد الدامي للأب إلى أن مرت ثلاثة أشهر، فصار الرد بعدها أن جواداً مات. استوحى صديقنا أحجيوج حكاية روايته "كافكا في طنجة" من سيرة جواد طعمها بكثير من الخيال والهراء. لاحقاً عرف أحد أصدقائنا، ولم يقل لنا كيف عرف أن جواداً وصلته حصته من غاز الخردل الإسباني، واستوطن السرطان في خلايا دماغه التي صارت تأكل نفسها. محمد سعيد ليس أفضل مني. أنا أيضاً يمكنني كتابة رواية. أنا أعرف جواداً أكثر منه. أعرف عنه ما لا يعرفه غيري. سأكتب رواية عن جواد أفضل من كافكا في طنجة".

ويعود الراوي في "ليل طنجة" مرات لسيرة  محمد سعيد أحجيوج الأدبية،  ليحاورها ويناقشها ويحكم عليها ليبرز قدرته على إمكانية تجاوزها بروايته فـ"محمد سعيد ليس أفضل مني، فكيف يكمل هو روايتين  في عام واحد، وأبقى أنا عالقاً في الفصل الأول من روايتي الأولى، التي مازالت تعاندني والتي صارت متاهة لكثرة ما فكرت وأعدت التفكير في تفاصيلها، حتى صرت أخشى أن أتيه فيها كما تاه بطل رواية أحجيوج الثانية في حكايته، واختلط عليه الخيال بالواقع. تلك ليست رواية.

هي كما سابقتها، مجرد رواية قصيرة يمكنني  كتابتها في جلسة واحدة. هي نوفيلا تمادى فيها كاتبها بالتحذلق على القارئ، بدءاً من عنوانها المراوغ (أحجية إدمون عمران المالح) مرورا بسرديتها المتشظية، وانتهاء ببنائها الدائري كأنها أفعى تلتهم ذيلها... ستكون روايتي بسيطة  مفهومة تماما للقارئ... ههه... هاهاهاهاها".

إن هذا التخييل الذاتي واللعب على سيرة المؤلف يحوّل الرواية إلى مباراة بين المؤلف وقرينه، ذلك المؤلف الذي يتحداه. وكأنما الرواية إعادة كتابة  للرواية السابقة  "كافكا في طنجة"، أو تدّعي ذلك عبر الاستحواذ على مرجعها الأساسي  وهو حياة جواد؛ الصديق المشترك بين صاحب رواية "كافكا في طنجة" وصاحب رواية" ليل طنجة" التي بصدد الكتابة.

وكما الميتاسرد، يمثل التناص الداخلي وتضمين النصوص السابقة في النصوص اللاحقة لذات المؤلف من مظاهر رواية ما بعد الحداثة، التي  تصبح فيها المدونة كاملة نصاً واحداً يكتبه الكاتب عبر المحو وإعادة الكتابة، وتنهض هذه الظاهرة بشكل سافر عبر التشطيبات التي تركها الكاتب في النص النهائي. وكأنه يدخل القارئ لا إلى مطبخ الكتابة فقط، بل إلى مطبخ التحرير والمحرّر، وهو ما يفسّر إعلان الكاتب في آخر الرواية عن محرّرة العمل، فعادة ما يبقي الكتّاب أسماء المحررين بعيداً عن النص النهائي.

ومن ثم لا يمكن قراءة التنويه الأخير الذي ذُكرت فيه المحررة ريم غنايم إلا باعتباره جزءاً أصيلاً من النص وتشكيله الفني. فالحاجة إلى ذكرها وذكر المصحّح اللغوي ليست غاية أخلاقية، وليس شكرهما إلا من باب المعنى الأول، أما المعنى المبطّن ففي علاقة بأسلوب الميتاسرد نفسه. فعملية الكتابة فيها تكون مفضوحة معلنة، منذ تردّد الأفكار إلى تحريرها النهائي. 

ويفسح الروائي المجال في القسم الأخير من روايته لتجربة أحجيوج في إطلاق مجلة "طنجة الأدبية"، وهي التجربة التي تشرع لكل الرواية وخطها التخييلي،  فنتعرف على "مجلة طنجة" وكيف أُنشئت وكيف قاومت وكيف انتهت، وعبر ذلك القسم من الرواية نكتشف أن الراوي ليس إلا شريكاً لأحجيوج في إطلاق المجلة، مع صديقهما جواد الذي تحدث عنه في القسم الأول من الرواية،  وضحية مرض السرطان، لتتشابك الأحداث من جديد كما في أعمال تارنتينو السينمائية، وتنتزع كل عناصر الرواية منطقيتها، وتتشابك العلاقات من جديد.

إن السرد الشبقي الذي يحرّك الرواية منذ أول صفحة عبر استحضار العشيقة الهاربة، والسرد الشبقي الذي يجر الراوي في شارع المكسيك حيث طنجة الماجنة، والذي يجعل "الحيوان يرفع ذيله"، ويقصد به الذكر، هو الذي يجعل الراوي يصارعه ويحاوره، كما الإيطالي ألبرتو مورافيا في روايته "أنا و هو"، فالشهوة يقمعها الفقر والإفلاس

فالحكاية التي تبدو ممزقة ومشتتة ليست سوى قصة جماعة "طنجة الأدبية": أحجيوج وجواد والراوي الذي يعاني من التأتأة وحميدة، كيف تجمعوا حول مشروع المجلة وكيف تفرّقوا وفرّطوا فيها لأسباب مادية، وكيف فقدوا بعضهم بالموت والهجرة والحسد. حكاية يرويها رابع الأصدقاء على طبيبه النفسي.

وهي قصة فقدانه لأمه ولجواد بالسرطان، والذي يرجعه، كالعديد من المغاربة، إلى غاز الخردل الذي قصفت به إسبانيا المغاربة، لكن حميدة وحدها لا تصدق ذلك، لأنها، كما يقول، جاهلة: "ثمة أدلة صمتت عنها الحكومة المغربية حتى لا تغضب صديقتها إسبانيا، تفيد بأن غاز الخردل ربما تسبب في طفرة وراثية يمكن أن تؤدي إلى انتقال السرطان وراثياً من المتعرضين للقصف في العشرينيات من القرن الماضي إلى أبنائهم ثم إلى أحفادهم"، ولإثبات ذلك يستعين الكاتب بوثائق وبحوث ومقالات إسبانية واحصائيات وزارة الصحة للمصابين بالسرطان. لقد قتلت الحرب أطفالاً سيولدون بعد مائة عام أو أكثر، كذلك قتلت أمه قبل ميلادها، عندما قصف بيت جدها بالقنابل الكيميائية.

يحاول أحجيوج أن يسدّ منافذ النقد بتبرير طبيعة الحكي حتى في اختيار العربية الفصحى لراويه الذي يسرد ما سماه مونولوج على مسجل، أو ما سماه بـ"القلم الصوتي" فيختلق لها سبباً وتاريخاً.

يتعانق في هذه الرواية التداعي الحر مع السرد الهذياني، ليشكلا خصوصية الجملة السردية، وتلك المراوحة بين جملة الذاكرة الميتة وجملة الحركة الانفعالية الحية، تجعل من السرد يعلو ويخفت مثل نغم أوبرالي  في حنجرة  معلم صبيان مصاب بالجنون. يسرد تارة في هدوء وينتفض تارة بالشتائم والسباب بالعربية مرة والإنجليزية مرة أخرى.

إن السرد الشبقي الذي يحرّك الرواية منذ أول صفحة عبر استحضار العشيقة الهاربة، والسرد الشبقي الذي يجر الراوي في شارع المكسيك حيث طنجة الماجنة، والذي يجعل "الحيوان يرفع ذيله"، ويقصد به الذكر، هو الذي يجعل الراوي يصارعه ويحاوره، كما الإيطالي ألبرتو مورافيا في روايته "أنا و هو"، فالشهوة يقمعها الفقر والإفلاس.

"ثمن علبة الدواء مائة وثمانون، وثمن مؤخرة مومس في نهاية عمرها الوظيفي خمسون درهماً. لم أجرب من قبل. المبيت مع إحداهن من الطبقة الدنيا يبدأ بمائة درهم زائد أجرة الفندق. هذا ما يقوله كريم، ولا يسعني إلا تصديقه. ليس أمامي إلا الاكتفاء بثقب مؤخرة وقضاء الطلب في زقاق خلفي مظلم".

رواية "ليل طنجة" هي الرواية الأولى لمحمد سعيد أحجيوج، لكنها الثالثة بتاريخ النشر، فقد تأخر نشرها بسبب جائحة كورونا كما تذكر الناشرة، وهذا التأخير جعل الكاتب يعيد تحرير قسم منها من جديد، ونحسبها الإشارات إلى عمله الثاني  فهما روايتان متناسلتان، ولكن من الظلم أن نقرأها بصفتها التجربة الثالثة، ففيها ارتباكات البدايات، وإن شفعت لها فكرة البحث عن رواية أو محاولة كتابة الرواية، غير أن محمد أحجيوج تجاوزها في روايته "أحجية عمران المالح".

ومع أننا نحسب أن أسلوب الميتاسرد ومساءلة فن الرواية قد استنفذ نفسه في تجربته عبر روايتين، وننتظر رواية أخرى تقطع مع هذه الأسئلة لتذهب نحو أسئلة أخرى في مستوى الشكل ولا تذكّر بواحدة من المدونة. ولا تحتاج طنجة لتحتضن روائياً كبيراً أن يعنون أعماله بها طوال الوقت، بينما تحتاج روائياً يخرج أحشاءها ولا وعيها، كما فعل أحجيوج في موضوع غاز الخردل والمسكوت عنه السياسي والتاريخي.

مع ذلك لم يفلت أحجيوج موضوع عنونة رواياته بطنجة، واتهم صاحب تلك الروايات بالنزوع نحو استغلال طنجة لغاية تسويقية. هكذا هي رواية ما بعد الحداثة الشاقة التي تتحدى القارئ والناقد معاً، كما سخر من ذلك الروائي نفسه آخر الرواية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard