محمد شكري... بقايا كاتبٍ "فاته أن يكون ملاكاً" في طنجة

الثلاثاء 23 نوفمبر 202104:48 م
"قل كلمتك قبل أن تموت، فإنها ستعرف حتماً طريقها، لا يهم ما ستؤول إليه، المهم أن تشعل عاطفةً، أو حزناً، أو نزوةً غافية"؛ هذا ما كتبه الروائي المغربي محمد شكري يوماً ما. واليوم، بعد مرور 18 سنةً على ذكرى رحيله الأبدي، يظهر جليّاً أنّ كلماته عرفت طريقها، وأوقدت عواطف، ونزواتٍ، وأحزاناً في صدور قرّائه، بل خلّفت إرثاً أدبياً ورمزياً قويّاً وراءه.
"أمير الصعاليك الذي غادر عالمنا بهيبة الملوك"، كما قال الكاتب عبد الرحمن منيف في رثائه، شكّل علامةً فارقةً في تاريخ الأدبين المغربي والعربي. ويُعدّ شكري من أكثر الروائيين المغاربة قراءةً نقديةً، وإثارةً للجدل، خلال حياته، وحتّى بعد رحيله، بسبب مواضيع كتاباته الموغلة في الواقعية والجرأة؛ إذ ما يزال النقاد يقدّمون قراءات في أعماله التي اقتُبست منها مسرحيات وأفلام، وما انفكّت لغته القاسية والحادة التي اخترق بها عوالم الليل، والفقر، والتشرّد، تُزعج البعض، إلى جانب استمرار اقتران جزء كبير من المشهد الثقافي الأدبي لمدينة طنجة باسمه.

حيٌّ في قلب طنجة

قضى "الشحرور الأبيض"، معظم سنوات حياته في مدينة طنجة شمال المغرب، وارتبط اسمه ومصيره بالمدينة التي ألهمته، وشكلت جزءاً كبيراً من خياله الإبداعي، بشكل قويّ لم يستطع معه الابتعاد عنها، إذ أدمن بالإضافة إلى خمّاراتها، هواء أمكنتها، وتناقضاتها الصارخة، ولم يفارقها إلاّ مكرهاً سنة 2003، بعد تدهور وضعه الصحي، ونقله إلى المستشفى العسكري في الرباط، حيث رقد إلى أن رحلَ في يومٍ خريفي من أيام تشرين الثاني/ نوفمبر.
على الرغم من رحيله، إلاّ أنه بالنسبة إلى كثيرين، بقي حضور شكري في حياة طنجة قوياً ومؤثّراً، ويرون أنّ روحه حيّة لا تزال تحلّق مع النوارس فوق ميناء المدينة، وسوقها الداخلي، وتتنقّل بين مقاهيها وحاناتها لتروي ظمأه الدائم إلى الخمرة. يقول الكاتب المغربي يوسف كرماح، إنّ "شكري بالنسبة إلى طنجة، رمزٌ ثقافي كبير، يبحث عنه كل من يزور المدينة"، ويضيف أن زوار طنجة، المغاربة والأجانب، يسألون عن الأماكن التي كان يرتادها، ويبحثون عن مؤلفاته، خصوصاً "الخبز الحافي" (1972)، و"زمن الأخطاء" (1992، وتحمل في طبعات أخرى عنوان "الشُّطَّار")، وتُعدّ بمثابة خريطة يتجولون معها للتعرف على طوبوغرافيا المدينة".
"أمير الصعاليك الذي غادر عالمنا بهيبة الملوك"، كما قال الكاتب عبد الرحمن منيف في رثائه، شكّل علامةً فارقةً في تاريخ الأدبين المغربي والعربي. ما الذي بقي من محمد شكري في طنجة؟

ويتابع الكاتب المغربي قائلاً في تصريح لرصيف22، "إن انتشار اسم شكري، وإرثه، اليوم وهو راحل، يظل أكبر من نظيره خلال أيام حياته، بشكل يمكن معه القول إن شكري حيّ لم يمت بعدُ"، ويوضّح أنّ تأثير صاحب "مجنون الورد" (1979)، مستمر في الزمن على مستوى الإقبال الكبير على كتبه التي سبق أن مُنعت في المغرب، وعددٍ من دول المنطقة، والاهتمام الكبير بتاريخه في المدينة، من قبل المنابر الإعلامية، والفعاليات الأدبية المحلية والدولية.
يضيف مؤلف المجموعة القصصية "آخر الصعاليك"، بأن تأثير شكري يظهر كذلك على الكتّاب الشباب، موضحاً أنه بنفسه تتلمذ على كتاباته التي شكلت بالنسبة إليه مرجعاً مهماً في الكتابة، إلى جانب مجموعة كبيرة من الكتّاب الشباب الآخرين الذين تبنّوا توجّه محمد شكري نحو "السرد الواقعي العاري".

مجدٌ أدبي وأصل تجاري

يرفض شكري دائماً أن يُطلَق عليه اسم الروائي، أو الشاعر، ويقول "أنا لست لا روائياً، ولا شاعراً، أنا كاتب وكفى". كانت الكتابة بالنسبة إليه "مسيرة احتجاج طويلة"، خطوَتُه الأولى فيها، رواية "الخبز الحافي" التي منحته شهرةً واسعة، وتُرجمت إلى لغات عديدة، كان أولها ترجمتها إلى الإنكليزية من الروائي الأمريكي الشهير وعاشق طنجة الآخر، بول بولز، وإلى الفرنسية من طرف الروائي المغربي الطاهر بنجلون، وذلك حتى قبل صدورها بالعربية، بسبب منعها في الدول العربية، لخوضها في المسكوت عنه، ثم "زمن الأخطاء"، و"وجوه"، وهما الجزآن الثاني والثالث من سيرته الذاتية، قبل أن ينشر لاحقاً "مجنون الورد"، و"السوق الداخلي"، إلى جانب أعمال أخرى.
نجاح تجربة الرجل "الذي فاته أن يكون ملاكاً"، وانتشارهُ الواسع، منحاهُ صداقة كتاب ومثقفين عالميين، من أمثال جان جينيه، وبول بولز، وتنيسي وليامز، الذين مرّوا من "طنجيس"، ما جعله محط أطماع من يسمّيهم بـ"تجار الأدب"، ما جعله محط أطماع من يسمّيهم بـ"تجار الأدب"، خصوصاً بعض دور النشر التي تعامل معها، واشتكى من انتهاكها لحقوقه، وأيضاً إساءات بعض معارفه خلال حياته، الذين واصلوا بعد رحيله "ادّعاء" الصداقة به، واستغلال معرفتهم به كأصل تجاري، إلى جانب مبادرات ثقافية، أو مهرجانات تُنسَب إليه، من دون أن تعبّر عن روح تجربته الإبداعية، ناهيك عن ضياع إرثه "المادي" من خلال المخطوطات والمقتنيات الخاصة به التي "اختفت"، أو تُركت للإهمال، بسبب النزاع القانوني حول الأحقية في ملكيتها بين أفراد من عائلته، ومؤسسات أرادت الحصول عليها.
في هذا السياق، يقول يحيى بن الوليد، المثقف المغربي وصديق الراحل، إنّ جزءاً كبيراً من إرث محمد شكري ضاع اليوم بين أيادٍ لم تكن لغالبيتها صلة به، وتعطي لنفسها الحقّ في الحديث عنه، وتتاجر بلحمه قبل إبداعه، مشيراً إلى أنّ العديد منهم "لم تكن لهم به صلة، بل كان يتحاشى الجلوس معهم".
من جانبه، تأسّف يوسف كرماح، لضياع جزء مهم من إرث الراحل المادّي والرمزي، وعدم استثماره كما يجب، بسبب الجدالات والمشاحنات التي تتنازع حوله، وتستغلّ اسمه لأغراض خارجة عن المجالين الأدبي الثقافي، مشيراً إلى أن "هذا الوضع لا يعكس محمد شكري الذي لم تكن له خلافات ولا نزاعات، بل إن هذه الأخيرة بدأت في البروز بعد رحيله فحسب".

لمواجهة هذا الاستغلال، وتثمين ما خلّفه الكاتب، يوضح بن الوليد، أن مجموعة من أقرباء الكاتب، وأصدقائه ومحبّيه، قاموا بتأسيس "مؤسسة محمد شكري"، وتدشين مقرّ رمزي يضمّ عناوينه، وصوره. غير أنه يظهر أن تأثير هذه الخطوة في إعادة الاعتبار إلى إرث شكري الكبير تبدو محدودةً.
 خدم محمد شكري إبداعياً طنجة، بل ارتقى إلى أن صار علامةً عليها. فماذا  تبقى لنا من "صعلوك" المدينة الأسطورية
ويُبرز بن الوليد، صاحب مؤلف "محمد شكري وتدمير النسق الكولونيالي"، أنّ المدن الكبرى والعالمية لا تُعرَف بواجهاتها الأمامية، وعماراتها، ومقاهيها فحسب، إنما تُعرف بشخصياتها ومؤسساتها الثقافية كذلك، وتالياً يبقى من الجدير بمدينة في حجم طنجة، أن تخدم مؤسسة محمد شكري بمقدار ما تخدم المؤسسة المدينة، موضحاً أنّ شكري خدم إبداعياً طنجة، بل ارتقى إلى أن صار علامةً عليها.
وعبّر بن الوليد في تصريحه لرصيف22، عن آماله من أن يفلح هو، وجميع رفاق شكري القدامى، أن يكرّموا الإنسان والكاتب بما يليق به من متحف، وبما يخدم الأدب والإبداع، وبأن يكون هذا المتحف مستقلاً، وأن تعطى فيه فرصة للعارفين بشكري.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard