أنا أرييل شارون... عندما يحاكم الأدب الجلاّد

الأربعاء 5 يناير 202212:00 م

لم تستطع يارا الغضبان أن تبقى في رأس أرييل شارون أكثر من 100 صفحة. في ثالث رواياتها التي صدرت ترجمتها العربية هذا العام، لكن ريتا التي كتبها محمود درويش شعراً وغناها مارسيل خليفة، كانت من بقي إلى جانبه في غيبوبته.

كيف يمكن لكاتبة من أصول فلسطينية أن تكتب رواية عنوانها "أنا أرييل شارون"؟ رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي ظل في غيبوبة لسنواتٍ ثمانٍ بين عامي 2006 إلى 2014، وارتبط تاريخه بمجازر كثيرة طالت الإنسان الفلسطيني؟


أول ما يخطر في بالك كمتلقٍ هو محاكمة شارون، لكن الكاتبة المؤمنة بدور الأدب في التغيير ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أنها لو قامت بذلك لكان بديهياً أن يحاكم الضحية الجلاد، لكنها اختارت ألا تدخل رأسه كفلسطينية، حيث يستحيل أن تلتقي شارون في الواقع. فاختارت أربع شخصيات نسائية شديدة القرب منه، هنّ والدته وزوجته الأولى وزوجته الثانية والممرضة التي كانت تتولى علاجه.

للوهلة الأولى تبدو الشخصيات متحيزة، فكيف لأربع نساء إسرائيليات أن يحاكمن شارون الراقد في غيبوبته؟

كيف يمكن لكاتبة من أصول فلسطينية أن تكتب رواية عنوانها "أنا أرييل شارون"؟ رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي ظل في غيبوبة لسنواتٍ ثمانٍ بين عامي 2006 إلى 2014، وارتبط تاريخه بمجازر كثيرة طالت الإنسان الفلسطيني؟

الشعر هو الحل

 ومن سوى محمود درويش وقصة حبه الشهيرة لريتا، والتي خلدها بقصيدة، لتعين الغضبان في هذه المغامرة.

هذه المعلومة تحديداً خفّفت من توتر فضولي، لكنها لم تنجح في إطفاء رغبة القراءة الجامحة. أكتب كل هذه المخاوف وأضعها هنا، لأعرف بعد مقابلة تلفزيونية مع يارا الغضبان، حضرتها مؤخراً، أني لم أكن الوحيد المتوجّس، بل سبقني مئتا شخص في بلجيكا قرأت لهم الكاتبة مقاطع من روايتها، وكانوا يحملون نفس الأسئلة الغامضة، لكنهم خرجوا مرتاحين بعد ذلك اللقاء.

"الممرضة أصرَّتْ أن نُشعل التلفزيون. بل حدَّدت للمساعِدة مواعيد البرامج المفضَّلة لدى أبيكَ. [...] عندما قامت الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، [...]، عارضت البلبل (الممرضة) الأطبَّاء الذي خشوا من تأثير الصور العنيفة عليه. ونصحوا ببَثِّ [...] موسيقى موزارت بخاصَّة، الموسيقي المفضَّل لأريك. أو بالأحرى لليلي، زوجته التي يعشقها. ثمَّ بَتَّ جلعاد (ابنه) بالأمر: الممرِّضة مُحقَّة. لو علم أبي أننا نمنعه من متابعة الأخبار، لحقد علينا".

في هذه الحوارية المتخيلة، تبني الغضبان صورة كاملة لعدوّ، بضعفه وقوته، تثأر منه بإخباره ما حدث في غيبوبته، بهزيمته في وقت يصارع فيه الحياة.

الحكاية التي ترويها يارا تعكس تناقضات الإنسان، وتقارب غيبوبة شارون برهافة. لا تنتقم بالمعنى الحرفي للثأر، إنما تشكل هذه المحاكمة الأدبية التي تدور فصولها داخل رأس شارون، فصول مونودراما مسرحية، يجلس بطلها تارة في صفوف المتفرجين كمتفرج وحيد يرزح تحت إضاءة مركزة، متفرجاً على المرافعة المنفردة التي تقدمها بطلات الرواية اللاتي مررن في حياته، فيما يكون في مرات أخرى على الخشبة وحيداً يرزح تحت عبء الأجهزة الطبية، وصوت رتيب يخرج منها، فيما يمر أبطال ثانويون أمام سريره.

اختارت الكاتبة يارا الغضبان لروايتها "أنا أرييل شارون" أربع شخصيات نسائية شديدة القرب من شارون، هنّ والدته وزوجته الأولى والثانية، والممرضة التي كانت تتولى علاجه. للوهلة الأولى تبدو الشخصيات متحيزة، فكيف لأربع نساء إسرائيليات أن يحاكمن شارون الراقد في غيبوبته؟

الرتابة تتغير مرات عندما يعلو صوت التلفزيون، أو عند حدوث أمر جلل، كما حدث عندما وضع ابنه جلعاد صورة فيرا (أمه) في مواجهة أريك، "فاختلَّ عمل جهاز قياس النبض. تشوَّشت نبضات القلب. وهبط الضغط الشَّريانيُّ هبوطاً متسارِعاً. انطلق جرس الإنذار. وتحرَّكت إشارات حمراء وخضراء على جميع الشاشات".

دخول إدوارد سعيد

توثق ابنة الراحل إدوارد سعيد إحدى زياراته إلى مسقط رأسه في كتابها البحث عن فلسطين Looking For Palestine، وأستعين هنا بترجمة أمير زكي لأجزاء من كتابها تم إعادة نشرها في موقع كتب مملة، عندما أخبرها رأيه عن الصراعات في المنطقة: "ناج، هل تعرفين، إنه جيلي هو الذي أفسد كل شيء، نحن مرتبطون كثيراً بأحداث 48 و67، كنا موجودين ومشاركين [...]، ولا يمكن تحقيق أي شيء قبل أن نرحل جميعا، بكل من يماثل شارون ومن يماثل عرفات ومن يماثلنا جميعاً. سيكون على جيلك إصلاح الأمور حقاً".

أذكر هذا الاقتباس لأقفز من سطره الأخير إلى مقاربة تضع نجلاء ويارا، كجيل فلسطيني ولد (نجلاء) أو ترعرع (يارا) في الشتات، في سياق محاولتهن إصلاح الأمور، وأجد أن ما قامت به الغضبان يصب في هذه الخانة تماماً، من خلال ابتكار رواية خالدة للتاريخ ومقاربة سردية الضحية.

إذ أجبرت العالم أن يقرأ وجهة النظر هذه، ولو من قبيل الفضول، خصوصاً أن الرواية نشرت أولاً بالفرنسية (2018)، وحازت على جائزة في مهرجان بلو متروبوليس (2019)، ثم ترجمت إلى الإنكليزية (2020)، ومؤخراً إلى العربية، ترجمها عن الفرنسية السوري عصام الشحادات (بدعم من المعهد الكندي للفنون) وصدرت عن منشورات المتوسط (2021).

الحكاية التي ترويها يارا الغضبان تعكس تناقضات الإنسان، وتقارب غيبوبة شارون برهافة... لا تنتقم بالمعنى الحرفي للثأر، إنما تشكل ما يشبه المحاكمة الأدبية التي تدور فصولها داخل رأس شارون

في فصل فيرا (الأم) تشرّح الغضبان المجتمع المستحدث، تقطف من ورد ذكرياتها وتضع أمامه "أنتَ ولدت في أرض الميعاد واثقاً من انتمائك لإسرائيل.

ماذا تعرف عن الاجتثاث من الجذور، عن المنفى؟ كيف أشرح لك أنك ابن مهاجرة خائبة الظن، غريقة في أرض غريبة، وسط شعب عاقٍّ، ليست لديه الحاجة ولا الرغبة في أن تُعاد قَوْلَبَتُهُ على صورته؟ [...] لا أرى نفسي، لا في عاداته، ولا في ملامحه، فما بالكَ باللغة العبرية، تلك اللغة المستحاثية التي يجهدون لإحيائها من جديد؟!"، ورغم ذلك "ينزلون أرض فلسطين، ويطالبون بمجتمع عمَّاليٍّ، مجتمع مساواة، ليس فيه غني أو فقير، مجتمع يعمل فيه الجميع للصالح العامِّ". تناقضات المجتمع التي دفعت ثمنها غالياً من مواقف أبيه صموئيل ومبادئه التي "لم تجرّ علينا سوى الأضرار والمصائب، [...] كم تعذَّبتَ، يا طفلي المسكين، من حساسيته تجاه الدِّبلوماسيَّة"، إلا أنها تعود لتلوم نفسها "ربَّما لو منحتُكَ بعض الحُبِّ، لَمَا كنتَ بهذا الجشع، متعطِّشاً للحرب والدماء".

المرأة المؤثرة الأخرى في حياته كانت ليلي "[...] المرأة التي تُغويكَ. المرأة التي دفعت أُختها غالي إلى حافَّة الانتحار، ثمَّ استولت على زوجها". شقيقة الزوجة والمجندة التي خدمت تحت إمرته، رغم أنها ابنة حاخام وكان بوسعها تجنب الخدمة العسكرية، والمتهمة بالتأثير عليه "من اللَّازم، أنني أُشجِّع عنادكَ وتصلُّبكَ، أنني أُزكي ردَّات فعلِكَ المُفترِسة، أعلم أنني أفعل الصواب. وإن أصابكَ زُعَافُهُم، خفَّفتُ مِن سُمِّيَّتِهِم. دون أن يشعر بي أحد. على طريقتي. بينما أنتَ تراقب الأُفُق"، مشيرة إلى المستوطنين المنافقين الذين يوسوسون فيما بينهم آية في سفر اللاويين: "وَلاَ تَأْخُذِ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا لِلضِّرِّ لِتَكْشِفَ عَوْرَتَهَا مَعَهَا فِي حَيَاتِهَا"، بينما ينافقون شارون في زياراته إليهم.

الابن والأب

قد يكون جلعاد هنا أفضل ممثل لدور ثانوي وهمزة الوصل في حكايات كثيرة، خصوصاً مع اقتراب النهاية "فكيف، إذنْ، سيحسب جلعاد الزمن بعد موت أبيه، إذا كان منذُ دخوله الغيبوبة يعدُّ الأسابيع والأشهر والسنوات من خلال أنفاسه؟. خُذْ. وأعطتْهُ الكتاب مفتوحاً على الصفحة التي كانت تقرؤها". كان الكتاب رواية باللغة العربية، قرأ منها جلعاد "خالد الثائر، يقبِّل حافر فَرَسه حمامة اليمين، ثمَّ حافرها اليسار. اختفيا رويداً رويداً وراء الأُفُق. عاريَيْن. حُرَّيْن. معاً، كانا يشكِّلان واحداً". تناول جلعاد الرواية. عنوانها "زمن الخيول البيضاء" للكاتب إبراهيم نصر الله، باللغة العربية."

كلَّا! لن تكون العربية آخر لغة يسمعها". ترد عليه: "اللغة العربية في داخله، كما هي في داخلكَ. مَنْ أنتِ حتَّى تقولي لي ماذا في داخلي؟!  فابتسمَتْ".

يذكر أن يارا الغضبان هي روائية فلسطينية/كندية، نشأت بين دبي وبيروت ودمشق وصنعاء، ووصلت إلى مونتريال في سن الثالثة عشر مع أسرتها عام 1989، وهي باحثة أنثروبولوجية في موسيقى الشعوب. وفي رصيدها أربعة مؤلفات كتبتها بالفرنسية هي "في ظل الزيتونة" (2011)، "عطر نور" (2015)، و"أنا أرييل شارون" (2018)، وآخر كتبها "LES RACISTES N'ONT JAMAIS VU LA MER‏‏" صدر بالاشتراك مع الكاتب رودني سانت إلوي (2021).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard