"تحولت إلى بُعبع"… 2021 عام الرقابة والـ"ممنوع"

الخميس 23 ديسمبر 202104:48 م

صاحبت الرقابة خطوات الإبداع الفني والثقافي في مصر قبل صدور أول قانون رسمي لها عام 1881، ردًا على الثورة العرابية. ولكنها اكتسبت سلطاتها ولوائحها التنظيمية خلال القرن الماضي بقصد حماية الآداب العامة وقيم المجتمع والحفاظ على الأمن ومصالح الدولة العليا.

ورغم أن الرقابة لم تتوقف يوماً عن ممارسة دورها المعتاد، فإن الأداء المقيد لحرية الرأي والتعبير قد اشتد خلال عام 2021، واتخذ أشكالًا متعددة تستحق التوقف والتأمل.

لم يقتصر المنع على واقعة بعينها، وإنما كان أقرب إلى حالة سيطرت على قطاعات فنية مختلفة. ولم يكن كذلك حكرًا على مؤسسات الدولة المختصة ولكن تفننت طوائف مختلفة في تطبيقه على كل ما يتعارض مع أفكارها وأهوائها. 

"النقابة تحولت إلى بعبع"

منذ توليه منصب نقيب الموسيقين قبل نحو ست سنوات، ينشغل هاني شاكر بمحاربة نجوم المهرجانات، الذين يتمتعون بقاعدة جماهيرية كبيرة منعكسة في نسب المشاهدات على المنصات الإلكترونية، ونفاد تذاكر الحفلات الغنائية.

وقد أصدر هذا العام قراراً قضى بمنع 19 مغنياً في المهرجانات، واسترداد تراخيصهم السنوية، من بينهم حسن شاكوش الذي أُوقف من دون رجعة.

يأتي هذا بعد حزمة من البيانات والتصريحات الرافضة لمضمون الأغاني، باعتبارها فاحشة ومُسفة تساهم في إفساد الذوق العام. فالنقيب يرى أن شروط عضوية "الموسيقيين" ليس قوامها صلاحية الصوت فقط، بل أيضاً الالتزام بالقيم العليا للمجتمع والعرف الأخلاقي.

يقول الناقد الموسيقي محمد شميس لرصيف22: "القرار غير مدروس، تتضمن قائمة الأسماء الواردة فيه معلومات خاطئة عن المغنين والفرق، فهو يعتبر حُجة ضد النقابة، وتأكيداً على أنها تصدر قرارات عن أمر تجهله ولا تعلم عنه شيئاً".

ويضيف: "الذوق العام عبارة مطاطية جداً، فمن الذي يحدد اتجاهات الذوق العام؟ ومن سمح لأي شخص أن يتكلم باسم الجمهور؟ ليس من حق أحد أن يفرض رأيه ووصايته على الملايين من المصريين والعرب. وإذا أراد البعض مجابهة الظواهر التي قد يراها سلبية، فلا سبيل سوى النقاش والتعامل مع المنتجات الفنية بالأساليب النقدية المتعارف عليها".

نقابة المهن الموسيقية في مصر تحولت إلى "بعبع" هذه السنة، "يخشاه الأعضاء، ولم تعد مكاناً داعماً لهم ولمصالحهم ومهنتهم"

وبالرغم من الجدل المثار حول دور النقابات في منع أي شخص من إظهار إبداعه، فإن مطالبة النقباء الفنيين بالحصول على حق الضبطية القضائية لقيت صداها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، إذ وافقت لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب، برئاسة الدكتورة درية شرف الدين، على مشروع القانون المقدم من الحكومة لمنح الضبطية القضائية للنقابات التمثيلية والسينمائية والموسيقية.

يؤكد الناقد شميس أنه يتلمس الخوف الذي يعتري المنتسبين لنقابة الموسيقيين خلال عمله معهم، موضحاً: "النقابة تحولت في الفترة الأخيرة إلى "بعبع" يخشاه الأعضاء، وليس مكاناً داعماً لهم ولمصالحهم ومهنتهم".

المصنفات الفنية والأفلام الأجنبية

مثلما هنالك مخاوف من إفساد الذوق الفتي العام، هناك تعنت تجاه الأفلام الأجنبية، التي تحوي أفكاراً مغايرة للتقاليد السائدة في المجتمعات العربية.

ولطالما واجهت أفلام أمريكية وأوروبية أزمات مع جهاز الرقابة على المصنفات الفنية عند الحصول على تصاريح العرض السينمائي داخل مصر، وكثيراً ما تنتهي الأزمة بالمنع التام أو حذف عدد من المشاهد التي يراها الرقيب غير مناسبة للجمهور العام.

لكن ما حدث هذا العام مع الفيلم الأمريكي "الأبديون" كان مثيراً للاهتمام، فقد روجت السينمات للفيلم الجديد، وأتاحت الحجز المسبق للتذاكر، ولكن فوجئت قبل ساعات من انطلاقه بقرار المنع لاحتوائه على مشاهد جنسية مثلية جنسية فضلاً عن التطرق إلى الذات الإلهية.

يسرد الفيلم قصة مجموعة من المخلوقات الخالدة تعيش على الأرض منذ آلاف السنين، تدافع عن البشر وتحميهم من خطر خارجي. ومن تلك المخلوقات شخصية "فاستوس"، الذي يعد أول بطل خارق مثلي الجنس، تُفرد له مساحة في عالم "مارفل" السينمائي.

وقد تفاوضت الرقابة مع شركة "ديزني" المنتجة على حذف كل مشهد يكشف عن هوية الشخصية قبل اتخاذ القرار، لكن الأخيرة تمسكت بعرض الفيلم كاملاً خاصة أنه في إطار خطة "الصوابية السياسية" التي تتبناها.

وإذا كان منع أحد الأفلام التجارية أمراً يتكرر من حين لآخر، فإن عدم التصريح بعرض فيلم ضمن فاعلية ثقافية أو فنية هو فعل غير معتاد، خاصة إذا كان الفيلم حاصلاً على السفعة الذهبية في مهرجان كانّ وأوسكار أفضل فيلم أجنبي، مثل الألماني "الطبل الصفيح" إنتاج عام 1979. فقد كان من المقرر مشاركته ضمن برنامج نظمته سفارة كولومبيا في مصر احتفالاً بذكرى ميلاد الأديب نجيب محفوظ في كانون الأول/ ديسمبر 2021، ويعتمد البرنامج على عرض أعمال مقتبسة عن إبداعات الفائزين بجائزة نوبل للأدب، ولكن السفارة الألمانية اضطرت لسحب الفيلم بعد خلافات مع الرقابة.

وجاء في بيان السفارة: "مع إصرار الرقابة على المصنفات الفنية على قطع 13 دقيقة من الفيلم، نأسف لضرورة إزالة الفيلم من برنامج المهرجان من دون استبدال بسبب اللوائح". في حين صرح مصدر في الرقابة بأن الخلافات كان سببها وجود مشاهد جنسية بين أطفال في العمل.

يقول الناقد السينمائي، محمد سيد عبد الرحيم، لرصيف22: "الرقابة على الأفلام الأجنبية تتطلب رقباء متابعين لكل ما هو جديد في صناعة السينما العالمية، ومنفتحين على الثقافات والأفكار المختلفة. ولكن أغلب موظفي جهاز الرقابة المنوط بهم تقييم الأعمال السينمائية، وتحديد مدى صلاحيتها للعرض ليسوا على دراية بالمعايير التي يقيم على أساسها الفن، ولا يهتمون به أصلاً، ويعتمدون في حكمهم على الاعتبارات الأخلاقية".

وبضيف: "هنا يأتي دور رئيس الرقابة الذي يطلع على التقارير، ويتمتع بحساسية لفهم طبيعة العمل وتقدير جوانبه الفنية أكثر منهم، وقد كان لدينا في السابق رؤساء للجهاز استطاعوا تمرير أفلام مهمة بذكاء شديد مثل الناقد علي أبو شادي".

أزمة بانوراما الفيلم الأوروبي

نجحت سينما "زاوية" في الإفلات من مقص الرقيب منذ تدشينها عام 2014 في وسط البلد بالقاهرة، على اعتبار أنها تهتم بعرض الأفلام المستقلة والتجريبية، التي لا تجذب جمهور دور السينما التقليدية.

وباتت تستضيف بانوراما الفيلم الأوروبي، التي أسستها المنتجة والمخرجة ماريان خوري عام 2004، بعد أن كانت الفاعلية تقام في قاعات مستأجرة، لكونهما تابعتين لشركة "أفلام مصر العالمية".

وذكرت ماريان خوري في تصريح سابق لرصيف22 أن قانون الرقابة نفسه ساعدها على التحرر من القيود، لأنه لم يضع معايير دقيقة للمنع، ولم يشمل الكثير من الأنواع الفنية التي ظهرت خلال العقد الماضي.

وأوضحت: "لدى قانون الرقابة الفنية أيضاً تصنيفان لدور السينما، سينما تجارية وسينما لعرض أفلام المهرجانات فقط، تلك الثغرة مكنتني من عرض الكثير من الأفلام التي مُنعت في مصر تجارياً".

لكن الحال تغير هذا العام مع الدورة الـ14 للبانوراما، الفاعلية التي تحتفي بأهم الإنتاجات الأوروبية الحائزة جوائز عالمية، فقد تدخلت الرقابة في اللحظات الأخيرة، تحديداً بعد الإعلان عن الجدول، مانعةً فيلمين هما الوثائقي "هذا المطر لن يتوقف أبداً" والروائي "توف"، من دون إبداء أسباب واضحة.

ولكن ربما يرجع الأمر إلى المضمون السياسي للأول، وتعرض الثاني للمثلية الجنسية، كما فرضت الرقابة على الجمهور استخراج بطاقات تحدد الفئة العمرية للتمكن من حضور الأفلام.


الرقابة المجتمعية والهوس الوطني

قد ينجو العمل الفني من الرقابة الحكومية، ولكن هذا ليس ضماناً للهروب من وصاية المجتمع. فمن الممكن أن يجد من يدينه ويتهمه بجرائم تعرقل ممارسة الفنون في المجمل وتقيد حريتها.

ومن دواعي الأسف أن يكون الوضع أسوأ إذا جاء الهجوم من فنانين آخرين من المفترض أنهم واسعو الأفق ويدركون جيداً ماهية الفن.

هذا ما حدث مع فيلم "ريش" لعمر الزهيري، الفائز بجائزتين من مهرجان كان في سابقة أولى من نوعها للسينما المصرية. فبعد عرضه في مهرجان الجونة أبدى عدد من الممثلين، على رأسهم شريف منير، انزعاجهم من العمل، معتبرين أنه يشوه سمعة مصر ويتاجر بآلام الفقراء، مما اضطر الزهيري إلى المدافعة عن نفسه ليبرئها من تهمة لا معنى لها. وقد أثر ذلك على الفيلم الذي تعرض للتسريب من جهة ما، ولم يحدد له موعد عرض تجاري حتى الآن.

الحقيقة أن جماعة الفنانين الذين يحاربون إنتاجات زملائهم بدعوى الحس الوطني والغيرة على صورة البلاد يستغلون شعبيتهم هذه الأيام لفرض تضييق على حرية الإبداع من دون غضاضة. فمثلاً تطالب تصريحات للفنان محمد صبحي برقابة حديدية على الفن لضمان عدم المساس بالأمن القومي وأخلاقيات المجتمع.

باسم الحفاظ على الأخلاق والذوق العام، باسم الحفاظ على صورة المقاومة، باسم الوطن... اختلفت الأسماء في عام 2021 والرقابة على الفن واحدة، وشرسة من النظام والنخب و"المجتمع"

وإذا كان الذين يعملون في المجال الإبداعي ينظرون إلى الفن من خلال هذه الزاوية الضيقة، فلا عجب أن تُشنّ على أفلام أخرى كـ"أميرة" لمحمد دياب هجمات شرسة من قوى مجتمعية ومنصات إلكترونية، إذ أثار الفيلم (إنتاج مشترك) حفيظة جماعات داعمة للأسرى الفلسطنيين بعدما رأوا أن قصته الخيالية التي تتناول حياة مراهقة جاءت إلى الدنيا نتيجة نطفة مهربة من أسير في سجون الاحتلال، يُكتشف فيما بعد أنها تعود لسجان إسرائيلي، تسيء إلى ظاهرة تهريب النطف والقضية عموماً.

ومع ارتفاع نبرة التخويف والتخوين لصناع الفيلم في الفضاء الرقمي، قررت الهيئة الملكية الأردنية ألا يمثلها في سباق الأوسكار لهذا العام، بالرغم من إيمانها بتسليطه الضوء على محنة الفلسطينيين ومقاومتهم. كما استسلم المخرج المصري للضغوط، بدلاً من التمسك برؤيته الفنية، مطالبَاً بتأسيس لجنة مختصة من قبل الأسرى وعائلاتهم لمشاهدة الفيلم ومناقشته قبل استئناف عرضه.

ولكن لهذا المطلب خطورته أيضاً، حسبما يشير عبد الرحيم: "الفيلم يتناول القضية الفلسطينية ولكنه ليس دعائياً، وهناك فرق كبير بين هذا وذاك. فإذا سمحنا لجهات لا علاقة لها بالفن بتقييم الأفلام وتحديد إمكانية عرضها من عدمه، فسيتحول العمل السينمائي إلى أداة تدعم أفكاراً محددة، ومن ثم يصبح عاجزًا عن طرح أسئلة وفتح آفاق جديدة للتلقي والمناقشة".

ويختم: "أصبحنا في وضع صعب على جميع المستويات، وبات سقف الحرية منخفضاً. ثمة قيود مفروضة على العملية الإبداعية تدفع الفنان إلى وضع رقابة ذاتية من البداية وتقديم الأفكار بشكل مخفف وبأساليب مُكبلة، ويا للأسف يفرز هذا المناخ أشباه الموهوبين، ومن يتعاملون مع الفن على اعتبار أنه وسيلة للترفيه ليس إلا. في حين أن المجتمع لا يستطيع الاكتفاء بهذا فقط، بل يحتاج أيضاً أعمالاً قادرة على استيلاد مساحة للتغيير على مستوى الواقع اليومي المعيوش أو السينمائي في ما يخص السرد والتقنيات. فغياب هذا التوازن يجعلنا مجتمعاً أعرج تماماً من الناحية الفنية".

يبقى القول إن سياسة المنع والحذف لا يمكن أن تصمد في ظل التطور التكنولوجي الهائل. فالأعمال الممنوعة يتسابق الجمهور إلى مشاهدتها عبر الإنترنت، والمشاهد المحذوفة تكتسب مع مرور الوقت أهمية أكبر بكثير من عرضها في سياق طبيعي.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard